يهودية مملكة حمير
المحتويات

قبل الخوض في التفاصيل، يهودية مملكة حمير هي الديانة التوحيدية ذات الطابع اليهودي التي تبنّاها ملوك مملكة حمير في جنوب الجزيرة العربية رسميًّا بين عامي 380 و384 م، فتخلّت المملكة عن عبادة الآلهة القديمة. واقتصرت النقوش على هذه الديانة قرابة قرن ونصف، إلى حين غزو الأحباش لليمن واسقاطهم لآخر ملوكها اليهود يوسف أسأر يثأر ذو نواس بين عامي 525 و530 م، فحلّت المسيحية محلها ديانةً رسمية. وعبدت هذه الديانة إلهًا واحدًا أشهر أسمائه «رحمنان» (الرحمن). ونتناول فيما يلي مزيدًا من التفاصيل.
كذلك، ولأن نقوش الملوك لا تصرّح بانتمائهم الديني، اختلف الباحثون في طبيعة هذه الديانة. فرأى ألفريد بيستون أنها توحيد محلي «يهودي الإلهام» مستقل عن اليهودية والمسيحية سمّاه «الرحمانية»، وربطه بـالحنفاء، وردّ عليه أندرو ريبين بأن هذا الربط استدلال دائري لا تسنده الأدلة. ويرى كريستيان روبان أنها يهودية حقيقية لكنها غير ربانية، وأن حمير اعتنقتها «اعتناقاً متكتّمًا» لم يُعلَن في الدعاية الملكية. أما محمد مرقطن فيرى، على نحو قريب من بيستون، أن التوحيد في اليمن القديم لم يكن يهوديًّا أو مسيحيًّا فحسب، بل عرف عبادة محلية لرحمنان تطورت من عبادة الإله «ذو سماوي» (رب السماء)، ويعدّها أحد المصادر الأساسية للتوحيد الإسلامي.
المِكْراب
«شعب إسرائيل»
وفي السياق ذاته، سُمّيت دار العبادة الجديدة «المِكْراب» بين 380 ونحو 500 م، ومعناها المرجّح «مكان البركة»، ويقابلها في الجعزية لفظ يعني الكنيس أو هيكل أورشليم. وتذكر النقوش عشرة منها بناها ملوك وأمراء، وحمل بعضها أسماء عبرية أو آرامية مثل «بريك» (المبارك) و«صوريئيل» (الله صخرتي)، وكان لأحدها قاعة اجتماع وأروقة. ولم يُكتشف أي مكراب أثريًّا حتى الآن، واختفى اللفظ بعد 530 م لتحلّ محله لفظتا الكنيسة «البيعة» و«القليس».
وفي هذا الصدد، تذكر ثلاثة نقوش من العاصمة ظفار «شعبهم إسرائيل» بدلًا من الشعب (القبيلة) الذي ينتمي إليه أصحابها، وتضعه في الدعاء قبل الملك نفسه. ومن أصحاب هذه النقوش أرستقراطيون حميريون أصلاء. وفي نقش من القرن الخامس عُثر عليه في نعض جنوب شرق صنعاء يوصف الإله بأنه «إله إسرائيل».
من جهة ثانية، ويفسّر روبان ذلك بإصلاح اجتماعي أراد به الملوك تجاوز الانقسامات القبلية بجماعة واحدة قائمة على الدين، يعبّر اسمها عن أمل استعادة إسرائيل التاريخية، مع أنها لم تظهر إلا في الوسط المتنوع للعاصمة. ويرى مرقطن أن يهود اليمن لم يكونوا مهاجرين من فلسطين، بل حميريين عدّوا أنفسهم جزءًا من شعبهم، وأن «شعب إسرائيل» كان وحدة اجتماعية متميزة عن الشعوب المحلية الأخرى، وأن اعتناق الحميريين اليهودية قُبل بسهولة لأنه أتاح لهم الحفاظ على تقاليدهم ونظامهم القبلي.
في هذا الإطار، ويعدّ روبان المكراب مؤسسة أصيلة لا مجرد نسخة من كنيس الشتات المتوسطي، في حين فسّره بيستون بمبنى للاجتماع العام، ويفهمه مرقطن بمعنى «مكان الاجتماع» أو الكنيس.
قصة أصحاب الأخدود
- استشهاد الحارث (كتاب)
- غزو الأحباش لليمن
- حنيفية
- المراجع
الوصاية الأكسومية وثورة يوسف
من جانب آخر، ولما مات معديكرب نصّب ملك أكسوم كالب أميرًا اسمه يوسف أسأر يثأر، ويُسمّى «مسروقًا» في السريانية و«ذا نواس» في الموروث العربي. لكن يوسف ثار سنة 522 م، فقتل الحامية الحبشية في ظفار وأحرق كنيستها، ثم أحرق كنيسة المخا وشنّ حملة على الساحل المقابل للحبشة، وحصّن ساحل المندب. وأرسل كذلك الأمير اليهودي شرحئيل يقبل ذا يزن إلى نجران التي لم تعترف بسلطته.
علاوةً على ذلك، نحو سنة 500 م وقعت حمير تحت وصاية مملكة أكسوم المسيحية، التي نصّبت على عرشها ملوكًا تابعين، ووضعت في ظفار حامية من نحو 300 رجل. وكان آخر هؤلاء الملوك معديكرب يعفر (519–522 م)، وتصفه المصادر السريانية بالمسيحي. ويرى روبان أن الإصلاح الديني أُلغي أو جُمّد في هذه الفترة.
شواهد يهوديتها
وفي هذا السياق، نقش يهودا يكف في ظفار (نحو 380–420 م)، وفي وسطه كتابة عبرية نصها: «كتب يهودا، ليُذكَر بخير، آمين، سلام، آمين».
إضافةً إلى ذلك، صلات بفلسطين، منها شاهد قبر آرامي لرجل يُدعى يوسه بن أوفى «توفي في مدينة ظفار في أرض الحميريين» ثم نُقل إلى أرض إسرائيل ودُفن فيها نحو 470 م.
وعلى صعيد آخر، نقش في حصي قرب مدينة البيضاء يخصص مقبرة لليهود ويمنع أن يُدفن معهم «غير يهودي»، ويلحقها بمكراب «صوريئيل» الذي يقوم عليه قيّم يُدعى «الحزّان».
علاوةً على ذلك، عبارتا «آمين» و«سلام» (شالوم)، وأسماء مثل يهودا ويوسف وإسحاق.
من جهة ثانية، قائمة عبرية بأسماء الأسر الكهنوتية الأربع والعشرين التي كانت تخدم في هيكل أورشليم، وُجدت في بيت حاضر شرق صنعاء، ولا نظير لها منقوشًا على الحجر خارج فلسطين.
كذلك، وأحصى روبان ثلاثة عشر نصًّا يهوديًّا مرجّحًا وتسعة أخرى محتملة، ولاحظ أن قرابة نصف النقوش التوحيدية التي كتبها أفراد يُظهر انتماءً يهوديًّا أو ميلًا إليه. أما بيستون فرأى أن هذه النصوص قليلة إزاء كثرة النقوش ذات «الرحمانية» المحايدة، وأن اليهودية لم تكن في أي وقت إلا دين أقلية.
أهم الأدلة على الطابع اليهودي لهذه الديانة:
الجدل حول «الرحمانية» والحنفاء
ورفض روبان مفهوم «الرحمانية» لأسباب منها:
أن اسم رحمنان مشترك بين كل التيارات التوحيدية.
وفي هذا السياق، أن مصطلحات النقوش التوحيدية منقطعة تمامًا عن الوثنية ومليئة بالألفاظ الآرامية.
من جانب آخر، وانتقد أندرو ريبين (1991) هذه الأطروحة بأنها تقوم على قضيتين ضعيفتين تستند كل منهما إلى الأخرى في استدلال دائري: وجود توحيد غير يهودي وغير مسيحي في النقوش، ووجود حركة حنيفية تاريخية قبل الإسلام. وذكر أن اسم «رحمنان» يهودي الأصل واستعمله اليهود والمسيحيون، فلا يدل على توحيد محلي. وخلص إلى أن النقوش لا تقدّم دليلًا مستقلًّا على الحنيفية، وأن تفسيرين تاريخيين ضعيفين لا يصنعان معًا حقيقة واحدة قوية.
ومن ناحية أخرى، أنه يستحيل رسم حدّ فاصل بين نقوش «يهودية» وأخرى «رحمانية»، فنقوش قائد الملك يوسف «رحمانية» العبارة ويهودية السياق.
إضافةً إلى ذلك، أما محمد مرقطن (2021) فيعرض ثلاث فرضيات في أصل التوحيد الحميري: أن أصله ديانة توحيدية حميرية محلية، أو أن أصله مسيحي، وهي فرضية مبكرة تُركت، أو أن أصله يهودي، وهو ما يتفق عليه كثيرون. ويميل هو إلى رأي بيستون، فيرى أن النزعة التوحيدية في اليمن القديم لم تكن يهودية أو مسيحية فحسب، بل كانت هناك كذلك عبادة محلية للرحمن. ويصنّف النقوش التي تذكر رحمنان دون قرينة يهودية أو مسيحية نقوشًا لـ«الديانة التوحيدية الحميرية»، ويراها موازية لما يُسمّى ديانة الحنفاء في الحجاز. وينتقد اقتصار أغلب الباحثين الغربيين على ربط ديانة الرحمن باليهودية والمسيحية، داعيًا إلى إعادة تقييم «النقوش الرحمانية».
سقوط الحكم اليهودي
من جانب آخر، ويرى روبان كذلك أن الحنفاء «أشباح تاريخية» على الأرجح، أي لا وجود تاريخي مثبت لهم.
وعلى صعيد آخر، اقترح ألفريد بيستون سنة 1984 أن أغلب النقوش التوحيدية الحميرية التي لا تصرّح بيهودية أو مسيحية تعبّر عن توحيد محلي مستقل «يهودي الإلهام» سمّاه «الرحمانية». ورأى أن أتباعه هم من سيسمّيهم المسلمون «الحنفاء»، وأن لفظ «حنيف» دخل العربية من السريانية عبر نجران.
الغزو الحبشي
ومن جهة أخرى، بعد عيد العنصرة سنة 525 م عبر كالب البحر بسبعين سفينة، فقُتل يوسف في تاريخ يقع بين 525 و530 م. ثم قُتل اليهود على نحو منهجي، وصارت المسيحية الديانة الرسمية حتى نحو 570 م، في عهد سميفع أشوع ثم أبرهة. ويرى مرقطن أن أبرهة بوصفه مسيحيًّا ملتزمًا سعى للتخلص من اليهودية وبقايا الوثنية، في حين يلاحظ روبان أن نقوش أبرهة تسمّي المسيح «مسيح رحمنان» لا «ابنه»، ويفسّر ذلك بمراعاة سكان ظلّ كثير منهم متعلقًا باليهودية.
أحداث نجران وتفسيراتها
علاوةً على ذلك، يرى بيستون أن الاضطهاد مرّ بثلاث مراحل طالت التجار البيزنطيين، ثم الأحباش المقيمين باليمن، ثم أهل نجران. ويرى أن دافع كبار الأقيال، ولا سيما آل يزن، كان ردّ فعل على امتداد النفوذ البيزنطي إلى جنوب البحر الأحمر أكثر منه تعصبًا دينيًّا، ويردّ قسوة ما جرى في نجران إلى ما عُدّ خيانة بانسحاب مقاتليها.
إضافةً إلى ذلك، عاد جند نجران المسيحيون بقيادة الحارث بن كعب من الطريق وثاروا على الملك، فحاصرهم جيشه حتى استسلموا بعد أن وعدهم الملك بالعفو. ثم أعدم الثائرين وذويهم، وتؤرّخ المصادر السريانية ذلك بنوفمبر 523 م. ولا تذكر نقوش يوسف الدين إلا تلميحًا، كعبارة «رب اليهود»، وتغلب عليها لغة الترهيب السياسي. وتتعدد تفسيرات هذه الأحداث:
إضافةً إلى ذلك، يرى مرقطن أن اعتناق يوسف اليهودية ربما كان خيارًا سياسيًّا واعيًا لتبنّي توحيد محايد يقبله كثيرون في وجه الهيمنة المسيحية الحبشية والبيزنطية، ويربط الصراع اليهودي المسيحي في القرنين الخامس والسادس بمصالح اقتصادية للسيطرة على طرق التجارة وموانئ البحر الأحمر وبحر العرب.
وفي هذا الصدد، يرى روبان أنها كانت قمعًا سياسيًّا وحشيًّا لثورة مؤيدة لأكسوم وبيزنطة، لا اضطهادًا دينيًّا. ويستند إلى أن كثيرًا من المسيحيين، ولا سيما النساطرة، كانوا في صف يوسف، وأن المصادر الكنسية هي التي صوّرت الحدث حربًا دينية.
ملامح الديانة
كذلك، حلّ إله واحد محلّ آلهة جنوب الجزيرة مثل المقه وعثتر وسيان، وتعددت أسماؤه. ففي النقوش الأولى هو «مالك السماء» و«رب السماء» و«إيلان» (الإله)، ثم «رب السماء والأرض الذي خلق كل شيء». ومنذ نحو 420 م غلب عليه اسم «رحمنان» (ر ح م ن ن)، أي «الرحمن» كما في القرآن. وورد مرة بصيغة جمع «أألاهان» محاكاةً للعبرية «إلوهيم»، ووُصف كذلك بـ«رب اليهود» و«إله إسرائيل».
الإله الواحد «رحمنان»
من جانب آخر، ويرى روبان أن اسم «رحمنان» مأخوذ من الآرامية، وكان في الأصل صفة لإله وثني في نقوش تدمر، ثم شاع اسمًا لله في التلمود البابلي. ويرجّح مرقطن أن عبادة «رحمانا» في تدمر هي المصدر الأقرب لتطور عبادة رحمنان الحميرية، لأن الاسم لا يظهر في النقوش السبئية قبل الفترة التوحيدية. ويرد الاسم في النقوش أكثر من ستين مرة، وقد صار اسمًا عامًّا للإله الواحد عند اليهود والمسيحيين في جنوب الجزيرة، ولذا استعمله المسيحيون الحميريون بعد 530 م في صيغة «رحمنان وابنه المسيح».
الخلفية
علاوةً على ذلك، أما الموروث العربي الإسلامي فينسب إدخال اليهودية إلى اليمن إلى ابنه أبي كرب أسعد، ويروي أنه اعتنقها في يثرب وعاد منها بحَبرين يهوديين، وأن قومه قبلوا دينه بعد امتحان بالنار. ويرى روبان أن التغير الديني وقع في عهد الأب، وأن الموروث احتفظ باسم الابن لطول حكمه وعظم شأنه، ويلاحظ بيستون أن رواية الطبري لا تستعمل لفظ «اليهودية» أصلًا، فلعلها كانت تحكي في الأصل ترك الوثنية إلى التوحيد «الرحماني» لا اعتناق اليهودية كاملة.
وفي السياق ذاته، مقاومة الضغط البيزنطي، في وقت كانت فيه أكسوم، عدوّ حمير التقليدي، تعتنق المسيحية.
من جهة ثانية، وكان التحول جذريًّا، فلا يُعرف بعد 380 م نقش وثني صريح سوى نقشين هامشيين. لكن ذلك يعني إقصاء الوثنية من الفضاء العام لا زوالها، إذ يرجّح روبان أنها استمرت خفية خارج دائرة الحكم، ويشير مرقطن إلى نقوش تدل على استمرار عبادة الإله تألب، وعبادة عثتر حتى نحو منتصف القرن الخامس. ويُرجع روبان التغير الديني إلى ثلاثة أهداف:
من جهة ثانية، ويرى مرقطن أن ملوك حمير أرادوا بعبادة إله واحد أن يوحّدوا تحت رايتهم القوى الاجتماعية المرتبطة بالآلهة المحلية للممالك والقبائل القديمة، وأن يعزّزوا حضورهم الدولي.
الإصلاح الديني (380–384 م)
إضافةً إلى ذلك، وكان لليهود نفوذ في البلاط الحميري قبل ذلك. فقد روى المؤرخ الكنسي فيلوستورجيوس أن سفارة أرسلها الإمبراطور قسطنطيوس الثاني في أوائل أربعينيات القرن الرابع أخفقت في تنصير الملك الحميري بسبب اليهود المحيطين به، غير أن الملك بنى ثلاث كنائس للرومان في العاصمة وفي ميناءين. ويصف التقرير السكان بعبادة الشمس والقمر، ويشير إلى كثرة اليهود في الديوان الملكي بظفار. ويتفق الباحثون أن اليهودية والمسيحية دخلتا اليمن في النصف الثاني من القرن الرابع، ولا يجد مرقطن دليلاً على وجود يهود في اليمن منذ خراب الهيكل سنة 70 م. أما روبان فيرى في مدفن بمقبرة بيت شعاريم اليهودية في الجليل، كُتب عليه بالإغريقية «(ملك) الحميريين»، دليلًا غير مباشر على وجود جماعة يهودية في حمير منذ القرن الثالث أو مطلع الرابع.
كذلك، قبل القرن الرابع الميلادي كان لكل مملكة من ممالك اليمن القديم مجمع آلهتها وإلهها الأكبر، كـالمقه في سبأ وعثتر في معين وحمير. ثم وحّدت حمير اليمن بضمّ سبأ نحو 275 م وحضرموت نحو 300 م. ولاحقًا دخلت المعابد في أزمة، فانقطعت النقوش تدريجيًّا عن معبد المقه الكبير في مأرب، وقد وُجد فيه نحو 800 نقش من القرون الأربعة الأولى للميلاد، آخرها مؤرخ بسنة 379–380 م. ومنذ نحو 320 م بدأ أفراد من الطبقة العليا يستبدلون بالآلهة القديمة في نقوشهم «الإله، رب السماء». ويرى مرقطن أن هذا التحول كان بطيئًا متدرجًا، وأن عبادة رحمنان تطورت من عبادة إله رئيسي إلى جانب آلهة أخرى، ولا سيما الإله «ذو سماوي».
وفي هذا السياق، في يناير 384 م احتفل الملك ملكيكرب يهأمن وشريكاه في الحكم، ابناه أبو كرب أسعد وذرأ أمر أيمن، ببناء قصرين في ظفار. واختُتم النقشان بعبارة «بعون سيدهم، رب السماء» بدلًا من الآلهة التقليدية، وهو أول إعلان ملكي علني لنبذ الوثنية. وقبل ذلك بقليل شيّد الملك نفسه في مأرب دار عبادة من نوع جديد سمّاها «بريك»، أي «المبارك» بالآرامية. ويرى باحثون أنه أول ملك حميري اعتنق اليهودية واتخذها دينًا للدولة نحو 384 م.
ومن جهة أخرى، إعادة التطابق بين الوحدة السياسية والعبادة في مملكة اتسعت وتنوعت.
وعلى صعيد آخر، إحلال الدولة محلّ المعابد في جباية الضرائب، ووضع اليد على كنوزها.
الأثر
إضافةً إلى ذلك، ويرى مرقطن أن عبادة الرحمن كانت معروفة في مكة قبل الإسلام، مستشهدًا بآية ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ﴾ (الفرقان: 60)، وأنها ربما بلغت اليمامة من اليمن، حيث لُقّب مسيلمة بـ«رحمن اليمامة». ويذكر نقشًا بخط الزبور من جبل ذُبوب في الضالع يبدأ بعبارة «بسم الله الرحمن»، يرجّح أنه بالعربية ومن أواخر القرن السادس أو أوائل السابع، وأنه على الأرجح من نصوص عبادة الرحمن قبل الإسلام. ويخلص إلى أن الديانة الحميرية المرتبطة بالإله رحمنان «رب السماء» كانت أحد المصادر الأساسية للتوحيد الإسلامي.
في هذا الإطار، وتضم النقوش الحميرية منذ نحو 400 م لفظين آراميين هما «ص ل ت» (الصلاة) و«ز ك ت» (الزكاة)، صارا بعد قرنين اسمين لركنين من أركان الإسلام. ويرى روبان أن اليهودية الحميرية أعادت تشكيل العالم الذهني والديني لغرب الجزيرة العربية في القرنين ونصف القرن السابقة للإسلام. وأن علماء يمنيين مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه نقلوا «الإسرائيليات» إلى الإسلام الناشئ، ويرجّح أن «شعب إسرائيل» الحميري كان مصدر إلهام لفكرة الأمة الإسلامية.
- انظر كذلك
- مملكة حمير
- يهود اليمن
من جانب آخر، يرى روبان أن اهتداء حمير إلى اليهودية لم يكن مرحلة عابرة. فقد بقيت الجماعة اليهودية في اليمن ذات ثقل سياسي واقتصادي حتى القرن السابع عشر، واستمرت اليهودية حية في اليمن الإسلامي، متّبعة على الأرجح اليهودية الربانية مع انتظار للمسيح المخلّص. ويصف روبان سيف بن ذي يزن، الذي استعان بالفرس على الأحباش في سبعينيات القرن السادس، بأنه أرستقراطي يمني يهودي، ويذكر مرقطن أن الرواية العربية الإسلامية تجعله من ذرية يوسف ذي نواس. ويرى روبان في «الحياد الديني» عند الحسن الهمداني أثرًا غير مباشر لذلك الماضي.
يهودية غير ربانية
من جهة ثانية، يلاحظ روبان أن النقوش اليهودية الحميرية لا تذكر البعث ولا الحياة الآخرة، وتقتصر أدعيتها على «حياة عادلة وميتة عادلة» و«بداية طاهرة ونهاية طاهرة». ويذكر كذلك أن شاهد قبر ثنائي اللغة لامرأة تُدعى ليئة يذكر القيامة في نصه الآرامي ويسكت عنها في نصه السبئي. ويستنتج من ذلك، ومن قائمة الأسر الكهنوتية، ومن التزام الرسم العبري التوراتي للأسماء، أن يهودية حمير كانت «كهنوتية» محافظة تشارك الصدوقيين إنكار البعث، وتختلف عن اليهودية الربانية التي لم تعمّ يهود اليمن إلا بعد سنة 520 م، ولعل ذلك كان قرب ظهور الإسلام. ويرجّح روبان أن يهودية الحجاز كانت في القرن الخامس على نهج يهودية حمير، قبل أن يغلب الطابع الرباني على يهود يثرب في القرن السابع.
من جهة ثانية، والملك اليهودي المؤكد الوحيد عند روبان هو يوسف أسأر يثأر. ويرجّح روبان يهودية أبي كرب أسعد، ويرى محتملًا أن يكون شرحبيل يكف يهوديًّا كذلك، وهو الذي أعدم القس النجراني أزقير نحو 470 م بمشورة حبر يهودي. وتذكر المصادر المسيحية، بحسب مرقطن، أن أزقير أُعدم مع ثلاثة وثلاثين مسيحيًّا بينهم كهنة وأساقفة. أما بيستون فرأى أن الملك ذرأ أمر أيمن المذكور في نقش يهودا يكف لم يكن بالضرورة يهوديًّا، وأن اليهود كانوا جماعة ثرية مندمجة في المجتمع تحت الحماية الملكية.
وفي هذا السياق، في 2015 وصف ديانة الملوك بأنها «توحيد يهودي» مستوحى من اليهودية دون التزام رسمي بعقيدتها.
وفي هذا السياق، في 2004 رأى أن اليهودية لم تكن دين الدولة الرسمي، بل شجّعها الملوك بقوة عاملًا للتوحيد، وتجنّبوا التصريح بها لأن من اعتنقها كانوا نخبًا قليلة.
من جانب آخر، ويوافق مرقطن على أن طبيعة اليهودية الحميرية ما تزال غامضة، وعلى أنه لا يمكن وصفها بالحاخامية (الربانية) إلا منذ توفر المصادر في العصور الإسلامية، ويبدو له أنها تحولت إليها تدريجيًّا مع بداية الإسلام.
إضافةً إلى ذلك، لا تشير النقوش الملكية بين 380 و530 م إلى اليهودية صراحة، وتكتفي بعبارتي «رب السماء» أو «رحمنان رب السماء والأرض»، بخلاف كثير من نقوش الأفراد. ويؤكد مرقطن بدوره أن ملوك حمير لم يعلنوا إيمانهم باليهودية في نقوشهم باستثناء الملك يوسف في القرن السادس. وقد تطور تفسير روبان لهذه الظاهرة عبر ثلاث مراحل:
الموقف الملكي: «اعتناق متكتّم»
من جهة ثانية، في 2021 رأى أن حمير اعتنقت اليهودية رسميًّا «اعتناقًامتكتّمًا» لم يُعلَن في الدعاية الملكية، لأن سلطة الملوك قامت على تحالف موحّدين لم يكونوا كلهم يهودًا، ومنهم مسيحيو كنيسة المشرق (النساطرة).
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟