وادي ضراء (اليمن)
المحتويات

تعريفًا بالموضوع، وادي ضُراء وادٍ في مديرية نصاب بـمحافظة شبوة جنوب شرق اليمن، ينحدر من مرتفعات كور العوذلة نحو الحوض الصحراوي الداخلي لـرملة السبعتين. كان الوادي في العصور القديمة أحد أهم الأرياف الزراعية لـمملكة قتبان، غير أنه لم يبقَ تابعاً لها وحدها، بل تعاقبت عليه سيادات أوسان وسبأ وقتبان وحضرموت وحمير، وتركت كل مرحلة من هذه المراحل أثرها في لغة نقوشه وفي أسماء آلهته. ونتناول فيما يلي مزيدًا من التفاصيل.
في هذا الإطار، يضم الوادي سلسلة من المواقع الأثرية أبرزها تل هجر امذيبية ومقبرته في موضع أم حُنَيْكة، التي كشفت سنة 1985 عن واحدة من أغنى مجموعات الأثاث الجنائزي المعروفة في جنوب شبه الجزيرة العربية: أوانٍ من الفضة المذهّبة، وحُليّ ذهبية، وأسلحة، وزجاج مستورد، ومشغولات عاجية، تؤرَّخ في أغلبها بين القرن الأول والقرن الرابع الميلادي. وإلى جانب المقبرة تنتشر على ضفتي الوادي منشآت ريّ قديمة ونقوش صخرية تخلّد أعمال السدود والقنوات واستصلاح الأرض، وهي المادة الأساسية لتاريخ الوادي.
لغات النقوش
من جهة ثانية، ولا يعني تبدّل اللغة تبدّل السكان، وإنما يُفسَّر بأن اللغة الوحيدة التي يمكن استعمالها علناً في الوثائق المكتوبة هي لغة المملكة التي يتبعها الوادي، وهي قاعدة تكاد تكون مطّردة في جنوب الجزيرة في جميع العصور. ويستتبع ذلك أن لغة النقوش هي لغة الطبقة المهيمنة لا لغة الأهالي، فلا يصح الاعتماد عليها إلا بحذر شديد في رسم خريطة اللغات المنطوقة فعلاً.
ومن جهة أخرى، تقدّم نقوش وادي ضراء مثالاً فريداً على أربع لغات عربية جنوبية استُعملت فيه بالتعاقب: السبئية في أقدم نصوصه نحو 600 ق.م، ثم القتبانية في نقوش العهد القتباني، ثم الحضرمية في القرن الثالث الميلادي — وهي غير موثَّقة على الحجر لكنها مستعملة في النقوش المحفورة على أواني المائدة الفاخرة من القبور — ثم عودة إلى السبئية في أواخر القرن الخامس، لكن في طورها المتطور الذي هو لغة مملكة حمير.
الزجاج والعاج
كذلك، الزجاج نادر جداً في مواقع اليمن القديم، ولم يُعرف فيه حتى الآن أي فرن لصناعته، ولذلك يُعدّ ما خرج من قبور الوادي — ثمانية أوانٍ محفوظة حفظاً جيداً — مجموعة استثنائية، يُرجَّح أنها استُوردت من شرق المتوسط أو من مصر. وأشهرها كأس من زجاج المِلِفْيوري بزهرات سداسية البتلات يُنسب إنتاج طرازها إلى أنطاكية. وإلى جانبها قوارير وأباريق محفورة وكؤوس مرتفعة الساق. أما العاج فتمثله علب وقوارير وصندوق زُيّن أحد وجوهه بنسر مبسوط الجناحين كان مكسوّاً برقائق ذهبية، تحفّ به أفرع كرمة وعناقيد، في أسلوب يجمع عناصر جنوبية عربية بأخرى إغريقية-رومانية.
التأريخ والأهمية
وفي هذا الصدد، يصعب تأريخ المقتنيات بدقة، لأن أغلبها اقتباسات محلية لنماذج خارجية ظلت تُنتج زمناً طويلاً، ولأن كنوز الفضة تجمع عادةً قطعاً من عصور مختلفة تنتقل داخل الأسرة الواحدة أو تُقتنى تدريجياً. ومع ذلك تسمح القطع المؤرَّخة، ولا سيما الزجاج المستورد، بوضع القبرين 3 و2 في حدود القرن الثالث أو مطلع الرابع الميلادي، وبتأخير الإيداع الأعلى إلى القرن الرابع، أي بفارق قرن على وجه التقريب بين المستويين.
من جانب آخر، وتحتل المقبرة مكانة استثنائية في آثار جنوب الجزيرة العربية بممارساتها الجنائزية وبتنوع مادتها وجودة بعض قطعها، إذ يفوق أثاثها الجنائزي في تنوعه ما عُرف قبلها من قبور حضرمية أو قتبانية، ويتيح تقدير مهارة صاغة جنوب الجزيرة في القرون الأولى الميلادية، كما يفتح باب البحث في صلات المنطقة بالعالم الروماني والساساني وربما الهند. ولا تُعرف لها نظائر إلا في مقبرتي هجر طالب في وادي مَرْخة وشُقاع قرب الضالع، وكلتاهما غير منشورة. أما نقوش الوادي فتبقى، إلى جانب ذلك، شاهداً نادراً على أن تغيّر السلطة السياسية في جنوب الجزيرة كان يستتبع تغيّر لغة الكتابة العلنية ومضمونها معاً.
- انظر كذلك
- مملكة قتبان
- مملكة حضرموت
- مملكة حمير
- خط المسند
- محافظة شبوة
- المراجع
الديانة
مقبرة هجر امذيبية
ومن جهة أخرى، تُستهلّ الابتهالات في نقوش العهد القتباني بآلهة المملكة الرسمية: عثتر وعَمّ وأَنْبي وذات صَنَتُم وذات ظَهْران وذات رَحْبان وحَوْكَم، ثم تُذكر بعدها آلهة محلية خاصة بالمنطقة، منها وَبّ ذو رَضيحُم وبَلْو ذو رَيْمان وذات حِمْيَم، ويُرجَّح أن رضيحم اسم مَحْرَم (معبد) في الوادي أو في مدينة عابر. ويظهر في نقوش لاحقة «إله فَخْر»، وهو إله خاص بوادي ضراء يُنعَت بأنه «مُنبِت غَيْلان وضراء»، في واحدة من الحالات النادرة التي تحدد فيها النقوش وظيفة الإله.
علاوةً على ذلك، أما نقوش الأواني الفضية الفاخرة فتُهدى إلى سِين ذي عَلِيم، كبير آلهة حضرموت، وهو ما يعزز نسبتها إلى ورشة حضرمية. وبعد اعتناق مملكة حمير اليهودية نحو سنة 380 اختفى الاحتفاء العلني بالآلهة الوثنية اختفاءً شبه فوري، وهو ما ينعكس في الوادي: ففي نقش سنة 488 لا يُذكر إلا «رحمنان رب السماء» عوناً ونصيراً، من دون أي إله من آلهة العهود السابقة.
هجر امذيبية
وفي هذا السياق، الموقع الرئيس في الوادي تلٌّ يبلغ طوله نحو 150 م وعرضه نحو 120 م وارتفاعه نحو خمسة عشر متراً، وهو ارتفاع يشهد بقِدَم الاستيطان. ويبدو أن نظامه الدفاعي كان يتألف، كما في مواقع كثيرة في المنطقة، من مجموعة مبانٍ متلاصقة تشكل بواجهاتها جداراً متصلاً. وقد أعطى التل نقشاً سبئياً قديماً وكسر خزف مزجج فيروزي وشظايا نقوش متأخرة، ما يرجّح استيطانه على الأقل بين القرن السابع ق.م ومطلع العصر المسيحي. وتمتد المقبرة شمال شرق التل في موضع أم حُنَيْكة، بينما يعلو الموقعَ نتوءُ جبل الحُطَيْشة وفوقه مبنى قديم بقياس 6.90 × 4.50 م يجاوره صهريج دائري.
دلالة المجموعة
كذلك، ومن غير المرجّح أن تكون هذه المصوغات صُنعت في الموقع، بل تشير الحضرمية المنقوشة عليها إلى ورشة أرقى، ولعلها في شبوة عاصمة حضرموت حيث كان البلاط الملكي يجتذب صناعة أدوات الترف. كذلك يوحي تجمّع الجرار والمغارف والأقداح والمباخر بأن هذه الأواني كانت تُستعمل في مجالس وموائد يُشرب فيها النبيذ، وهي ممارسة تذكر بنظائرها في العالم الإغريقي-الروماني، وإن تعذّر الحسم فيما إذا كان لهذه المجالس طابع ديني.
وفي هذا الصدد، تحمل القطع أسماء أنساب عدة، أبرزها ذو طَرَفُم وذو رَتَبُم، ولا تشكّل — كما لاحظ ناشروها — إرثاً عائلياً واحداً: فقد وُجدت قطع تحمل اسم شخص واحد في قبرين مختلفين، كما صُنع السيف وغمده باسمَي شخصين مختلفين مع أنهما وُجدا معاً. ويُستنتج من ذلك أن هذه الأشياء الثمينة لم تكن في الأصل ملكاً لأهل هجر امذيبية، بل وصلت إلى القرية في أعقاب أحداث مجهولة، ولعلها حروب وغنائم؛ ومن ثم فإن نسب ذي طَرَفُم ليس نسباً محلياً، وقصر «شبعان» المذكور في الإهداء لا يقع في الموقع نفسه.
الحفرية والقبور
من جهة ثانية، القبر 3: حفرة كبيرة (نحو 2.50 × 2 م) كُسيت جدرانها بطبقة رقيقة من الطين، وهو القبر الوحيد الذي وُجد سليماً كاملاً؛ ضمّ هيكل رجل طوله 1.70 م موجّهاً من الغرب إلى الشرق ورأسه غرباً، وحوله سبع وعشرون قطعة.
في هذا الإطار، القبر 2 (ويرجّح أن يكون «إيداعاً جنائزياً» مرتبطاً بالقبر 3): مجموعتان من القطع الثمينة متباعدتان ثلاثين سنتيمتراً، من دون هيكل عظمي، إذ يبدو أن جانباً منه أتلفته أعمال التجريف.
ومن جهة أخرى، القبر 1 الأقرب إلى السطح: بنية مستطيلة (2 × 1.20 م) حُدّدت جدرانها بحجارة كبيرة منصوبة، وقد نُهبت فلم يبق فيها سوى فتات عظام وإناءين صغيرين.
من جانب آخر، تمتد المقبرة في موضع أم حُنَيْكة شمال التل، وقد حُفرت قبورها داخل الرواسب الطميية نفسها، على مستويات تعلو تدريجياً كلما ارتفع منسوب الترسّب، وهو ما يجعل تمييز مستوى دفن رئيس أمراً عسيراً. وقد فتحت الحفرية مجسّاً بطول خمسة أمتار وعرض ثلاثة وعمق خمسة، كشف عن أربعة قبور موزعة على أقل من ثلاثة أمتار من السُّمك:
في هذا الإطار، القبر 4 في أسفل المجسّ: حفرة بسيطة غُطّيت بلوح من الشِّيست الأخضر، ضمّت بقايا هيكل طفل على الأرجح.
الري والزراعة
المواقع الأثرية
وعلى صعيد آخر، على أن ربط ما تذكره النصوص بما يُشاهَد اليوم من بقايا يظل صعباً إن لم يكن متعذراً، لأن النقوش تقدّم عرضاً تركيبياً لمنشآت يتجاوز اتساعها عادةً محيط النص المحفور نفسه.
في هذا الإطار، وتخلّد النقوش الصخرية هذه الأعمال في أربعة عهود مختلفة: ففي القرن الأول الميلادي يسجّل أحد كبار الملاك، غالِبُم بن دَوْسُم، أنه نظّف أوديته وأراضيه وسوّاها وصطّبها وزرعها، وأصلح آبارها ومنشآتها، واستثمر في واديه ما لا يقل عن ثمانية آلاف قطعة زراعية له ولأولاده وذوي قرابته. وفي النصف الأول من القرن الرابع يسجّل سادة نسب «ذي حَبُّم» إنجاز سدود وقنوات وبوابات مائية في ضراء والوادي المجاور له من أعلاه إلى أسفله. وفي سنة 598 من التقويم الحميري (نحو 488م) يخلّد أمراء يَزْأَنيّون إعادة بناء شبكة ريّ ضيعة لهم بعد أن دمّرها السيل وجرفها، وحفر قناة في الصخر، وإتمام العمل كله في اثني عشر يوماً.
ومن جهة أخرى، مكّن استغلال السيول الموسمية من استصلاح مجرى الوادي، على الأرجح منذ النصف الأول من الألف الأول ق.م؛ وقد جذبت خصوبة أراضي ضراء وعَبَدان أطماع الجيران مبكراً. وأبرز منشآت الري القديمة مأخذ ماء منحوت في الصخر عند سفح جبل المُغَيْرة، عرضه نحو ثلاثة أمتار وارتفاعه نحو خمسة، ما تزال قناته القديمة ظاهرة خلفه على مسافة تقارب مئتي متر. ويقابله في أسفل الوادي مأخذ آخر عند نتوء صَفاة القَضاض عرضه نحو خمسة أمتار، كان يروي كامل المنطقة الواقعة على الضفة اليمنى حتى قرية امْمُكَيْل. وتُكمل الصورةَ مصاطبُ رسوبية وسدود حجرية منخفضة وقنوات وآبار موزعة على طرفي الحوض.
الجغرافيا والتسمية
وفي هذا السياق، بقي الاسم القديم للوادي حتى اليوم في صورة «ضُرَأ» أو «ضُرا»، لكنه لا يدل في الاستعمال المعاصر على الوادي كله، بل على مجراه الأدنى الأقل انحصاراً، حيث تستقر القرى على مصاطب رسوبية؛ أما المجرى الأعلى فوق قرية حُوَيْدَر فيُسمى عَرْياب. وقد ورد الاسم نفسه في النقوش العربية الجنوبية اسماً لمنطقة وربما لمدينة كذلك، وباسمه سُمّيت «جماعة ذي ضراء» التي تذكرها تلك النصوص.
من جهة ثانية، تنبع عدة مجارٍ موسمية، هي وديان رَحَب ووُصْر وغَيْشان، من ارتفاع يقارب ألفي متر في سلسلة كور العوذلة على نحو 300 كم شمال شرق عدن، وتلتقي لتكوّن وادي عَرْياب، الذي يحمل اسم «ضراء» بعد ملتقاه بوادي رُمّان. وبعد التقائه بوادي مَخْلِيَة يتسع الوادي فجأة ليكوّن حوض هجر امذيبية، وطوله نحو أربعة كيلومترات وعرضه نحو كيلومترين، تحيط به جبال بارِحة وامْسَلَم. ثم ينفتح شمالاً على سهل النُّقوب على ارتفاع نحو 1100 م، ويلتقي قرب مدينة نِصاب بوادي عَبَدان، ويكوّنان مع وادي الحِجْر وادي همّام الذي يضيع شمالاً في رمال رملة السبعتين.
الفضة والذهب
وفي هذا الصدد، أبرز قطع المجموعة قدح من الفضة المذهّبة زُيّن بأفاريز متراكبة، أوسعها فريز «الفرع المأهول» الذي تنبثق من أغصانه أنصافُ حيوانات متقابلة: عنقاوان أحدهما برأس أسد والآخر برأس نسر، وكلاب وأيائل وأسد وثور. والزخرفة اقتباس محلي لنموذج روماني لم يفهمه الصائغ فهماً تاماً، إذ تحولت نبتة الأقنثة الأصلية إلى كتل مصمتة وقُطعت لفّات الفرع أفقياً من أعلى وأسفل. ويحمل القدح إهداءً بالحضرمية باسم إليذَرَأ من نسب ذي طَرَفُم. ومن القطع الأخرى مغرفةُ شراب مسطّحة الكأس محفورة بمشاهد فرسان وصيد، مستمَدّ شكلها من أواني الشراب الرومانية وزخرفتها أقرب إلى الذوق الشرقي؛ وقدحٌ مزيّن بصفوف من النتوءات البارزة تُقارَن بنماذج ساسانية؛ وعلبة أسطوانية من الفضة المذهّبة يعلو غطاءها وجهٌ بارز يُرجَّح أنه رأس ميدوسا. ومن القبر 3 خاتمان ذهبيان أحدهما خاتم خَتْم، إلى جانب إبزيم حزام فضي كبير وعشرات المسامير والأزرار الفضية.
التاريخ السياسي
إضافةً إلى ذلك، حضرموت: انتقل الوادي إلى سيادة مملكة حضرموت ابتداءً من نحو سنة 175م، وتشهد بذلك الأواني الفاخرة المنقوشة بالحضرمية التي عُثر عليها في قبوره.
كذلك، حمير: بعد سقوط مملكة حضرموت نحو سنة 300م ودخول المنطقة في سلطان مملكة حمير، كان نسب «ذي حَبُّم» يسود ضراء وعَبَدان ووادياً ثالثاً في حدود 300–350م، ويدير شؤونه وكلاء يحملون لقب «عاقِب». ثم آلت السيادة قبيل سنة 360 إلى الأمراء اليَزْأَنيّين الذين اختارهم ملوك حمير لإدارة إمارة واسعة في جنوب حضرموت، وظلوا سادة الوادي حتى القرن الخامس على الأقل.
في هذا الإطار، قتبان: صار الوادي أحد أهم أرياف مملكة قتبان الزراعية. ويخلّد نقشان من هجر حويدر، يرجعان إلى عهد المكرب يَدَعْأَب ذُبْيان يُهَنْعِم (نحو 75–50 ق.م)، بناءَ سور مدينة عابر وأبراجها «في حرب حضرموت». ولافتٌ أن يتولى العاهل نفسه تحصين بلدة صغيرة نائية عن مسرح العمليات، وهو ما يدل على سلطة مباشرة له على السكان المحليين وعلى جباية الضرائب منهم.
وعلى صعيد آخر، أوسان: يشير حضور الإله بَلْو، وهو كبير آلهة أوسان، ضمن الآلهة المحلية التي تُستنجَد بها في نقوش الوادي، إلى أن ضراء كان في عصر قديم — ربما في القرنين الثامن والسابع ق.م — تابعاً لمملكة أوسان.
علاوةً على ذلك، لم تحتفظ نقوش الوادي بسرد تاريخي متصل، لكنها تتيح تتبع تعاقب السيادات عليه:
في هذا الإطار، سبأ: حطّم مكرب سبأ كرب إيل وتر بن ذمار علي أوسان وخرّب أراضيها في القرن السابع ق.م، ويدل نقش سبئي من هجر امذيبية يرجع إلى نحو 600 ق.م على أن السيادة السبئية على الوادي دامت أجيالاً لاحقًا.
طقوس الدفن
المقتنيات
في هذا الإطار، تنفرد هذه المقبرة في جنوب الجزيرة العربية بأن قبور وجهائها حُفرت حفراً بسيطاً في الطمي، على خلاف ما هو معروف في شبوة وتِمْنَع وريبون حيث تُنحت قبور الأعيان في الصخر أو تُبنى على سفوح المرتفعات. والثابت الوحيد في تنظيمها هو توجيه الجسد ورأسه إلى الغرب وقدماه إلى الشرق، أما الأثاث الجنائزي فموزّع من دون نظام واضح: الأسلحة عن اليمين والشمال وعند القدمين، والعلب العاجية مكدّسة في ركن، والمبخرة موضوعة داخل قدر برونزية. وقد أثار ذلك تساؤل المنقّبين عمّا إذا كنا أمام تقاليد جنائزية محلية موروثة عن سكان بدويي الأصل استقروا منذ زمن طويل، من دون أن تتوافر عناصر حاسمة للإجابة.
البرونز والأسلحة
كذلك، تنقسم الأواني المعدنية إلى صنفين: أوانٍ محلية الطراز، وأخرى ترتبط بأنماط معروفة في إيطاليا، ولا سيما الأحواض والمقالي والمغارف التي ازدهرت في كامبانيا في القرن الأول الميلادي، وقد تكون مستوردة أو منسوخة محلياً لاحقًا بزمن. وتضم المجموعة كذلك مباخر ومساند ومغارف زُيّن مقبض إحداها برأس غزال.
ومن جهة أخرى، أما أسلحة القبر 3 فتمثل أول مجموعة أسلحة مؤرَّخة تُكتشف في جنوب الجزيرة، بعد أن كان التسليح في هذه المنطقة لا يُعرف إلا من النصوص المكتوبة. وتشمل سيفاً عريضاً ذا حدّ واحد بنصل حديدي ومقبض فضي في غمد مطوّق بالفضة، يؤرَّخ بين القرن الثاني ومنتصف القرن الرابع، ونصل فأس، وثلاثة خناجر بمقابض عاجية، وسلاحاً طويلاً يشبه الحربة رُجّح أن يكون هندي الأصل. ويكمل الصورة مشهد محفور على كسرة إناء نحاسي يصوّر مقاتلين على ظهور الجمال.
تاريخ البحث والتنقيب
من جهة ثانية، رُمّمت المكتشفات في متحف عدن سنة 1986 ثم نُقلت إلى فاترينات متحف عتق. وفي خريف 1987 زار كريستيان روبان الوادي بدعوة من بريتون، فراجع قراءة نقوش واديي ضراء وعَبَدان والنقوش المحفورة على الأواني. ولم تُستأنف حفريات المقبرة، فصدرت نتائج الموسم الوحيد سنة 1993 في كتاب مشترك لبريتون وبافقيه. أما نقوش الوادي الحجرية فنشرها روبان سنة 2020، مكمِّلاً دراسة عن منشآت الري ونظامها كان قد نشرها بريتون وجان كلود رو وبيير جنتيل قبلها بعام.
من جهة ثانية، في سنة 1984 عثر مزارعون، أثناء أعمال تجريف قرب هجر امذيبية على نحو 15 كم جنوب غرب نِصاب، على مجموعة من الأواني البرونزية أُودعت متحف عتق بواسطة مصلحة الآثار في المحافظة. وبناءً على طلب مصلحة الآثار في عدن قامت البعثة الأثرية الفرنسية في اليمن الجنوبي بتقويم أولي للموقع، ثم فتحت في ديسمبر 1985 حفرية إنقاذ في موضع أم حُنَيْكة وسط المقبرة القديمة، نفّذها ريمي أودوان ومحمد بلعفير ومحمد أحمد سعيد عامر. وفي الوقت نفسه جاب جان فرانسوا بريتون وخيران الزبيدي وديان رَحَب وضراء ورُمّان، فكشفا عدة نقوش ومواقع قديمة على الضفة اليمنى للوادي.
مواقع الضفة اليمنى وسهل النقوب
من جانب آخر، ويضاف إلى ذلك مشهد صيد محفور على صخرة قرب صَفاة القَضاض يمثل وعلاً ينقضّ عليه كلبان، وقد نُقش تحت كل كلب اسمه — «سامعم» أي المطيع، و«صهب» أي الأشقر — وهي إحدى الحالتين الوحيدتين المعروفتين لتدوين أسماء كلاب في نقوش جنوب الجزيرة.
في هذا الإطار، تنتشر على الضفة اليمنى، حيث المنطقة المروية الأوسع، مستوطنات عدة أهمها امْسَلَم الواقع أعلى القناة الرئيسة، وفيه مصرف كبير وأسس حجرية متفرقة. وإلى شماله الشرقي ثلاثة مواقع متجاورة هي مَنْقَل وهجر الخِيس (تل بارتفاع نحو عشرة أمتار) وامْمُكَيْل الذي عُثر في مقبرته على مقبض مغرفة برونزية مزيّن برأس غزال ونصل سهم حديدي وإناء فخاري. وفي سهل النُّقوب مواقع أخرى، منها مبنى خارج الأسوار لعله معبد، وقرية امْسَلَب التي أخرجت أعمال التجريف فيها شاهدة حجرية لامرأة تمسك بحزمة سنابل، وقرية حَيْد الرُّقْبة السوداء التي أعطت تمثالاً صغيراً من الطين المشوي. وتتوّج النتوءات الصخرية أبراج ربما كانت قبل إسلامية، كانت تتحكم بمداخل الوادي من الشمال. ومجمل هذه الشواهد يؤكد أن المجرى الأدنى للوادي شهد استيطاناً كثيفاً طوال العصر العربي الجنوبي حتى القرن الخامس الميلادي.
المجرى الأعلى
في هذا الإطار، أهم مستوطنات أعلى الوادي هي هجر حُوَيْدَر عند ملتقى وادي عَرْياب بوادي رُمّان، ولم يبقَ منها اليوم سوى صفوف من الجدران وكتلتين حجريتين منقوشتين. ويرجَّح أن الموقع هو مدينة «عابر» القديمة التي يذكر أحد النقشين بناء سورها وأبراجها بالحجر والخشب، فقد كانت نقطة محصّنة تحمي من الأعلى مدخل الوادي وأراضيه المروية.
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟