مخطوطات شابيرا
المحتويات

بدايةً، مخطوطات شابيرا أو لفائف شابيرا، وتُعرف كذلك باسم شرائط شابيرا، هي مجموعة من خمس عشرة قطعة جلدية كُتبت بخط عبري قديم، عرضها تاجر الآثار المقدسي موسى ويلهلم شابيرا سنة 1883 بوصفها مخطوطة قديمة ذات صلة بسفر التثنية. قال شابيرا إن الشرائط عُثر عليها في منطقة وادي الموجب، المعروف في النصوص الكتابية باسم وادي أرنون، قرب البحر الميت. وفيما يلي تفاصيل أوسع عن ذلك.
وفي السياق ذاته، عرض شابيرا المخطوطات على المتحف البريطاني في لندن وطلب بيعها بمبلغ مليون جنيه إسترليني، إلا أن عددًا من علماء ذلك العصر رفضوها سريعًا وعدّوها تزويرًا. وقد أدت القضية إلى تضرر سمعة شابيرا، ثم انتحر في روتردام سنة 1884.
وفي هذا الصدد، لم تعد المخطوطات الأصلية معروفة المكان، إن كانت قد بقيت أصلًا، ولذلك تعتمد دراستها الحديثة على نسخ ورسوم وتفريغات ووثائق أرشيفية من القرن التاسع عشر. وتجدد الجدل حولها بعد اكتشاف مخطوطات البحر الميت، ثم بقوة في القرن الحادي والعشرين، ولا سيما بعد نشر إيدان درشوفتس كتابًا سنة 2021 دافع فيه عن احتمال أصالتها، في مقابل دراسات أخرى رأت أن أدلة التزوير ما تزال قوية.
مصير شابيرا والمخطوطات
من جهة ثانية، بعد رفض المخطوطات، غادر شابيرا لندن وتفاقمت أزمته الشخصية والمهنية. وفي مارس 1884 وُجد ميتًا في روتردام، وتذكر الدراسات التاريخية أنه انتحر.
وفي هذا السياق، أما المخطوطات نفسها فاختفت لاحقًا. تذكر المصادر أن أرملة شابيرا امتلكت على الأقل جزءًا منها بعد وفاته، ثم ظهرت لاحقًا في مزاد، واشترتها دار برنارد كوارِتش بثمن منخفض، ثم عُرضت مرة أخرى بسعر أعلى. كما تشير تقارير معاصرة إلى أن الطبيب فيليب بروكس ماسون عرض المخطوطات في محاضرة عامة في بورتون أبون ترنت في 8 مارس 1889. وفيما بعد اختفى أثرها، ولا يُعرف مكان وجودها الحالي.
الحكم عليها بالتزوير في القرن التاسع عشر
ومن جهة أخرى، رفض عدد من علماء القرن التاسع عشر المخطوطات بوصفها مزورة. وكان من بين أبرز من انتقدها شارل كليرمون-غانو، وكريستيان دافيد غينسبورغ، وباحثون آخرون شاركوا في فحصها أو التعليق عليها.
وفي السياق ذاته، استندت الاعتراضات إلى عدة عناصر، منها ضعف المنشأ، وسابقة شابيرا في تجارة قطع مشكوك فيها، وسمات الجلد، واللغة، والخط، وعلاقة النص بالمعلومات المتاحة في القرن التاسع عشر عن الكتابة العبرية القديمة. وقد حفظت المكتبة البريطانية ملفًا أرشيفيًا خاصًا بالقضية تحت عنوان يشير إلى «مخطوطة شابيرا المزورة لسفر التثنية»، وهو ما يعكس الحكم الذي استقر في المؤسسة البريطانية آنذاك.
إعادة فتح القضية بعد مخطوطات البحر الميت
ومن جهة أخرى، بعد اكتشاف مخطوطات البحر الميت ابتداءً من سنة 1947، عاد بعض الباحثين إلى قضية شابيرا، لأن اكتشاف مخطوطات جلدية قديمة قرب البحر الميت جعل ادعاء العثور على نصوص قديمة في تلك المنطقة أقل استحالة مما بدا لعلماء القرن التاسع عشر. ومع ذلك، لم يؤد هذا التشابه الجغرافي وحده إلى إثبات أصالة شرائط شابيرا، خصوصًا أن الأصل المادي مفقود ولا يمكن فحصه مختبريًا.
من جهة ثانية، كتب أوسكار رابينوفتش سنة 1965 دراسة عدّ فيها مخطوطات شابيرا تزويرًا من القرن التاسع عشر، وظل هذا الرأي هو الغالب في الدراسات اللاحقة. وفي المقابل ظهرت محاولات لاحقة لإعادة النظر في القضية، منها دراسات شلومو غويل وإيدان درشوفتس.
ادعاء الاكتشاف والمنشأ
كذلك، وتُعد مسألة المنشأ من أهم نقاط الضعف في القضية؛ إذ لم تُكتشف المخطوطات في حفريات أثرية موثقة، ولم تُسجل ظروف العثور عليها ميدانيًا. لذلك بقيت دراسة أصلها معتمدة على روايات شابيرا ومراسلات معاصريه، لا على سجل أثري مباشر.
من جهة ثانية، قدّم شابيرا روايات مختلفة عن منشأ الشرائط. فوفق إحدى الروايات، حصل عليها من بدوي أو وسيط قال إنها وُجدت في كهف في بلاد مؤاب، قرب وادي أرنون شرقي البحر الميت. ووفق شهادات أخرى من القرن التاسع عشر، لم يكن شابيرا ثابتًا في وصف مصدرها، وهو ما استُعمل لاحقًا ضمن الحجج المشككة في أصالتها.
الجدل الحديث حول الأصالة
علاوةً على ذلك، وتناول بنيامين سوشارد الجانب اللغوي للفكرة التي قدمها درشوفتس، وناقش نظام الأفعال في النص المنسوب إلى شابيرا، معترضًا على وصفه بأنه «تثنية أولية» أو نص سابق للتثنية بالشكل الذي اقترحه درشوفتس.
ومن ناحية أخرى، في سنة 2021 نشر إيدان درشوفتس كتابه The Valediction of Moses: A Proto-Biblical Book، دافع فيه عن أن نص شابيرا قد يمثل كتابًا قديمًا أو صيغة سابقة لبعض تقاليد التثنية، لا تزويرًا حديثًا. ونشر درشوفتس وجيمس د. تابور مقالة في Biblical Archaeology Review عرضت حججًا مؤيدة لاحتمال الأصالة.
وفي هذا السياق، في العدد نفسه، نشر رون هندل وماتيو ريشيل مقالة مضادة بعنوان The Shapira Scrolls: The Case for Forgery، دافعا فيها عن الرأي القائل إن الشرائط مزورة. كما نشر جوناثان كلاوانس دراسة في مجلة Dead Sea Discoveries سنة 2022 ناقش فيها محاولة إعادة تأهيل المخطوطات، ورأى أن الأدلة النصية والتاريخية لا تكفي لقبول أصالتها.
الوصف المادي
وفي السياق ذاته، كما أشار النقاد إلى أن الشرائط بدت كأنها قُطعت من هامش مخطوطة أقدم، وأن خطوط الإرشاد العمودية الموجودة على الجلد لم تكن منسجمة مع النص المكتوب عليها، وهو ما استُعمل حجة على أن كاتب النص استغل جلدًا قديمًا أو هامشًا فارغًا لكتابة نص جديد.
ومن جهة أخرى، تذكر الدراسات المستندة إلى أوصاف القرن التاسع عشر أن الشرائط كانت مطوية لا ملفوفة، وأن عليها مادة داكنة ولزجة أو آثار معالجة جعلتها تبدو قديمة. واعتبر بعض الباحثين أن هذه السمات قد تدل على محاولة اصطناع مظهر القدم، ولا سيما مع وجود حواف وملامح لا تنسجم عندهم مع مخطوطات قديمة محفوظة طبيعيًا.
من جهة ثانية، وصفت المخطوطات بأنها خمس عشرة شريحة جلدية طويلة وضيقة، كُتبت من جهة واحدة فقط بخط عبري قديم. وكانت بعض الشرائط مقروءة نسبيًا، في حين كانت أخرى مسوّدة أو متضررة إلى درجة جعلت قراءتها صعبة.
الخلفية
وفي هذا السياق، تذكر الدراسات الحديثة أن قضية شابيرا ارتبطت بسوق آثار نشط في فلسطين العثمانية، وبطلب أوروبي متزايد على النصوص واللقى المرتبطة بالكتاب العبري وتاريخ فلسطين القديم. وقد جعل هذا السياق بعض المتاحف والباحثين أكثر اهتمامًا بالقطع غير الموثقة، لكنه جعلهم في الوقت نفسه أكثر حساسية تجاه احتمال التزوير.
ومن جهة أخرى، كان موسى ويلهلم شابيرا تاجر كتب وآثار في القدس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وقد تعامل مع مؤسسات أوروبية عدة وباع مخطوطات وقطعًا أثرية وكتبًا شرقية. قبل قضية المخطوطات، ارتبط اسمه بما عُرف باسم القطع المؤابية أو Moabitica، وهي مجموعة من القطع التي عُدّت في النهاية مزورة، في سياق اتساع سوق الآثار الكتابية بعد اكتشاف مسلة ميشع.
عرض المخطوطات في لندن
ومن ناحية أخرى، في يوليو 1883 وصل شابيرا إلى لندن ومعه الشرائط الجلدية. أبلغ صندوق استكشاف فلسطين بوجود المخطوطات، ثم عرضها على عدد من العلماء والمسؤولين، قبل أن تنتقل إلى المتحف البريطاني للفحص. وقد سمح المتحف بعرض بعض الشرائط للجمهور، وكُلّف كريستيان دافيد غينسبورغ بفحصها ونشر نسخها وترجمتها ورسومها.
ومن ناحية أخرى، طلب شابيرا من المتحف البريطاني مليون جنيه إسترليني مقابل المخطوطات، وهو مبلغ ضخم في ذلك الوقت. غير أن الشكوك ظهرت سريعًا. فقد لاحظ باحثون ومسؤولون في المتحف أن بعض سمات الجلد والكتابة لا توافق ما توقعوه من مخطوطات قديمة، ثم أعلن غينسبورغ وغيره أن الشرائط مزورة.
النص والمحتوى
ومن ناحية أخرى، من أبرز ما يذكره الباحثون أن النص يخلو على وجه التقريب من القوانين التفصيلية، باستثناء الوصايا العشر، وأنه يصوغ عددًا من العبارات من منظور المتكلم الإلهي بصيغة تختلف عن النص الماسوري المعروف. كما نُسب إلى النص سطر إضافي في سياق الوصايا، مضمونه النهي عن بغض الأخ في القلب، وهي قراءة أصبحت من العناصر المتداولة في وصف المخطوطات.
ومن جهة أخرى، يرى المدافعون عن احتمال الأصالة أن هذه الاختلافات قد تشير إلى نص أقدم أو موازٍ لتقاليد التثنية المعروفة، بينما يرى المعترضون أن الاختلافات نفسها يمكن تفسيرها بوصفها صناعة حديثة متأثرة بمعرفة القرن التاسع عشر بالنص الكتابي والنقوش القديمة.
وفي هذا الصدد، قدّم شابيرا النص بوصفه صيغة قديمة من سفر التثنية. وكانت الشرائط، بحسب نسخ غينسبورغ والباحثين اللاحقين، تحتوي نصًا قريبًا من التثنية لكنه يختلف عنه في البنية والمضمون.
الأهمية البحثية
من جهة ثانية، تكتسب مخطوطات شابيرا أهميتها من كونها قضية تقع عند تقاطع تاريخ الكتاب العبري، وسوق الآثار في القدس، ودراسات التزوير، وتاريخ اكتشاف المخطوطات في منطقة البحر الميت. فإذا كانت أصلية، فإنها ستكون شاهدًا مبكرًا واستثنائيًا على نص قريب من التثنية؛ وإذا كانت مزورة، فهي من أشهر أمثلة التزوير الأثري والنصي في القرن التاسع عشر.
علاوةً على ذلك، كما تُستعمل القضية في الدراسات الحديثة مثالًا على أهمية المنشأ الأثري الموثق، وعلى صعوبة الحكم على مخطوطات مفقودة لا يمكن إخضاعها لفحوص مادية مباشرة.
- انظر كذلك
- نقش سلوان
- مخطوطات البحر الميت
- سفر التثنية
- مسلة ميشع
- المتحف البريطاني
- صندوق استكشاف فلسطين
- المراجع
الصلة بنقش سلوان
من جهة ثانية، ظهرت الصلة بين مخطوطات شابيرا ونقش سلوان في النقاشات الخطية حول إمكانية تقليد الكتابة العبرية القديمة في القرن التاسع عشر. فقد اكتُشف نقش سلوان سنة 1880، أي قبل عرض مخطوطات شابيرا بسنوات قليلة، وأصبح سريعًا شاهدًا بارزًا على الخط العبري القديم.
من جانب آخر، يرى بعض الباحثين أن انتشار نسخ ورسوم لنقوش مثل مسلة ميشع ونقش سلوان جعل أشكال الحروف القديمة متاحة للباحثين والتجار والمزورين، وهو ما قد يساعد في تفسير قدرة مزور في القرن التاسع عشر على إنتاج نص مكتوب بخط يبدو قديمًا. أما المدافعون عن احتمال الأصالة فيرون أن بعض خصائص النص لا تفسَّر بسهولة إذا كان مزورًا يعتمد فقط على معارف القرن التاسع عشر.
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟