محمد زرزور (خطاط)

تعريفًا بالموضوع، محمَّد زَرْزُور (1329- 1402 هـ / 1911- 1982 م) خطَّاط سوري مبدع برع بالخطِّ الفارسي وخطِّ الثلث، ويُعَدُّ من روَّاد الخطَّاطين السوريين. ونتناول فيما يلي مزيدًا من التفاصيل.
وفي هذا الصدد، عمل "زرزور" إمامَ مسجد ومعلِّمًا للقرآن والخطِّ، وخطَّاطًا في وِزارة المعارف يخُطُّ شهادات الطلَّاب المدرسية لجميع المراحل على مدار سنوات طويلة. زيَّن بلوحاته الكثير من مساجد دمشق، وخطَّ سورة الكهف كاملة في المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنوَّرة، وهي محفورة على الرخام بطول الجدار. تخرَّج في الصَّنعة بخطَّاط بلاد الشام بدوي الديراني. وهو والدُ العالم المفكِّر الدكتور عدنان زرزور.
ولادته ونشأته
وفي السياق ذاته، توفي والدُه الشيخ ياسين نحو عام 1930 شابًّا في نحو الثانية والأربعين، وهو (الابن محمد) شابٌّ عمره نحو ثمانيةَ عشرَ عامًا، وكان حديثَ عهد بالزواج، فتكفَّل بأمِّه وأخيه وأخته الصغيرين، واشتغل بإعالتهم عن متابعة التفرُّغ لطلب العلم.
علاوةً على ذلك، وُلد محمد ابن الشيخ ياسين بن محمد بن ياسين بن محمد زَرْزُور، في حيِّ المَيدان الفوقاني بدمشق، يوم الاثنين 17 شوال 1329هـ الموافق 9 تشرين الأول (أكتوبر) 1911م، لأسرة أصلها من صَعيد مصر، هاجرت إلى الشام وأقامت في حيِّ الميدان. ونشأ في رعاية أبوَين صالحَين؛ فكان أبوه معلِّمًا في مكتب خاصٍّ به (شيخَ كُتَّاب) يعلِّم فيه مبادئ الإملاء والحساب على الطريقة القديمة قبل افتتاح المدارس الحديثة، وقد تخرَّج فيه أكثرُ أبناء الحيِّ يومئذٍ. وأمُّه من آل الحلبي من حيِّ المَيدان كذلك، وهي معروفة بالصلاح والتقوى، وقد قامت على تربية حفيدَيها ياسين وعدنان، وكانت عابدةً تقوم الليل وتصوم رجب وشعبان ورمضان، وثلاثة أيَّام من كلِّ شهر، ويومَي الاثنين والخميس من كلِّ أسبوع.
وفي هذا الصدد، تلقَّى محمد تعليمَه الأوَّليَّ في كُتَّاب والده، ثم بدأ بطلب العلم الشرعي في حلَقات الشيخ علي الدقر، وعلى يد بعض تلاميذه. ثم على الشيخ حسن حَبَنَّكة المَيداني الذي استمرَّت صِلتُه الوثيقة به حتى وفاته. وذكر الشيخ عبد الرحمن حبنكة المَيداني أسرة زرزور ضمن أسر حيِّ الميدان التي ناصرت دعوة والده وأيدته وأعانته.
من أعماله
ومن ناحية أخرى، خطَّ سورة الكهف كاملةً في توسعة المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنوَّرة، وهي محفورة على الرُّخام بطول الجدار، وهي تحفة فنية تسرُّ الناظرين.
من جهة ثانية، خطَّ واجهة مِحراب جامع زيد بن ثابت الأنصاري بدمشق، عام 1389هـ/ 1969م، كتب في اللوحة العليا قوله تعالى: {في بيوتٍ أذِنَ الله أن تُرفَعَ ويُذكَرَ فيها اسمُهُ يُسَبِّحُ له فيها بالغُدُوِّ والآصالِ رِجالٌ}، وفي اللوحة التي تحتها فوق المِحراب مباشرة قوله تعالى: {يا أيُّها الذينَ آمَنُوا اركَعُوا واسجُدوا واعبُدوا ربَّكُم وافعَلُوا الخيرَ لعلَّكُم تُفلِحُونَ}.
وفي هذا السياق، ملأت لوحاته الكثير من مساجد دمشق، منها: جامع مازي (بحي المَيدان)، جامع حسين خطاب (بحي القاعة في الميدان)، وجامع الدقَّاق (في المَيدان الفوقاني)، وجامع الحسن (آية الكرسي)، وجامع أنس بن مالك (بدارَيَّا)، وجامع القصور القديم (كتب لوحاته الداخلية والخارجية)، وجامع علي بن أبي طالب (بنهر عيشة)، وجامع عبد الله بن رَواحة.
مع الخط العربي
وفي السياق ذاته، لم تنقطع صلة محمد زرزور بأستاذه بدوي الديراني طوالَ حياته على ما تقدَّم آنفًا، وكان يقول عنه: بدوي أستاذي الذي علَّمَني الخط، وكان يَعُدُّه بقيَّةَ الخطَّاطين العِظام.
من جهة ثانية، ويُعَدُّ محمد زرزور من رُوَّاد الخطَّاطين في مَطلَع القرن العشرين الذين أسَّسوا المدرسة الدمشقية في الخطِّ العربي وأثرَوها، وهؤلاء الروَّادُ الأوائل منهم: مصطفى السباعي، وممدوح الشريف، وبدوي الديراني، وسليم الحنفي، وصبحي البيلاني، وحسين صديق البغَجاتي، ومحمد علي الحكيم، وموسى الحلبي، وحِلمي حبَّاب، ورشدي الزيات، وأبو خليل الزيناتي. وقد شكَّلوا رابطة نهضة الخطِّ العربي الأولى.
إضافةً إلى ذلك، توثقت صلته به أكثرَ بعد أن تزوَّج ابنُه الأستاذ ياسين زرزور ابنةَ الأستاذ بدوي. وبقي لا يستغنى عن مشورة أستاذه والرجوع إليه في بعض اللوحات الكبيرة التي كان يُكلَّف كتابتَها، ولا سيَّما ما كان منها بخطِّ الثلث، للإفادة من خبرته في فنِّ التركيب الذي كان بدوي يُجيده، مع براعته في جميع أنواع الخطوط، وبخاصَّة الثلث الذي يعد أعلى أنواع الخطوط، والفارسي (الانسيابي) الذي طوَّره وأدخل عليه بعض اللمَسات الجمالية الجديدة، وأشاعه في سوق الخطِّ ببلاد الشام. وكان بدوي يقدِّم الخطَّاطَ حسني البابا على نفسه في القدرة على تركيب لوحات الخطِّ الثلث، وكان يقول: إن ما أركِّبه أنا في يوم يركِّبه حسني في ساعة!
إضافةً إلى ذلك، وهو كذلك من تلامذة بدوي النابهين الذين تخرَّجوا بفنِّه، وكان درَّس بدوي عددًا كبيرًا من التلاميذ، وتأثَّر بأسلوبه عددٌ أكبر من خطَّاطي العالم الإسلامي، أمَّا أشهر تلامذته فهم: زهير منيني، ومحمد زرزور، وإبراهيم الرفاعي (من حلب)، ومحمود الهوَّاري، وعثمان طه، وعبدو الصلاحي، وعبد الرزاق قصيباتي. ومن تلامذته كذلك: أحمد الباري، وأحمد المفتي، وعبده لطف من دمشق، وهادي من حِمص، وأديب نشابة وكامل البابا من لبنان، ومحمد أمين اليمني البغدادي من العراق. وأمَّا تلامذتُه من مشاهير الكتَّاب والأدباء فمنهم: الشاعر الأديب نزار قبَّاني، والمحامي الأديب نجاة قصَّاب حسن، والمؤرِّخ الأديب شاكر مصطفى، والإعلامي الأديب ياسر المالح.
أسرته
- له من الأولاد أحدَ عشر ولدًا؛ ستة أبناء، وخمس بنات، هم:
- ياسين زرزور، ولد عام 1355هـ/ 1936م.
- عدنان زرزور، ولد عام 1357هـ/ 1939م.
- مطيعة زرزور، ولدت عام 1360هـ/ 1941م.
- محمد نذير زرزور، ولد عام 1363هـ/ 1944م.
- مروان زرزور، ولد عام 1369هـ/ 1950م.
- أميرة زرزور، ولدت عام 1372هـ/ 1952م.
- سميرة زرزور، ولدت عام 1373هـ/ 1954م.
- عبد الرحمن زرزور، ولد عام 1375هـ/ 1956م.
- هيفاء زرزور، ولدت عام 1377هـ/ 1957م.
- عبد الهادي زرزور، ولد عام 1379هـ/ 1959م.
- روضة زرزور، ولدت عام 1381هـ/ 1962م.
عمله ووظائفه
وفي هذا السياق، بدأ محمد زرزور من وقت مبكِّر يتردَّد إلى الخطَّاط المعروف ممدوح الشريف، وأخذ عنه بعض قواعد الخط، ولكنه لم يلبث أن توفي، فتابع التلمذة على خطَّاط بلاد الشام بدوي الدَّيراني، ولازمه زمنًا طويلًا حتى وفاته عام 1967، وقد برع زرزور بخطِّ التعليق (الخطِّ الفارسي) وخطِّ الثلث.
إضافةً إلى ذلك، وكان يستقطع من وقته ثلاثة أيام في الأسبوع لتعليم الخطِّ في المدرسة المُحسِنية (نسبة إلى محسن الأمين العاملي)، وثانوية السعادة، ومعهد العلوم الشرعية. وكان يعلِّم الخطَّ بإخلاص، ويحرِص على نفع تلاميذه، ويثور إذا ما رأى أحدًا منهم لا يتقيَّد بأصول الخطِّ العربي. وإضافة إلى وظائفه هذه لم ينقطع عن إمامة مسجد دَرْكَل، وهو مسجد صغير في محلَّة الغلايينية بحارة مستو في حيِّ المَيدان، وهو المسجد الذي كان في أصله كتَّابَ والده، ثم حُوِّل إلى مسجد.
علاوةً على ذلك، لمَّا اشتدَّ عودُه في الخطِّ بدأ يكتب اللوحات وأغلفة الكتب، وامتهَن التخطيط فصار موردَ رزقه، وعمل خطَّاطًا موظفًا في دائرة النفوس (السجلِّ المدَني) عام 1939، يخطُّ سِجلَّات الأحوال المدنية لمدينة دمشق، ودفاتر العائلة لسكَّان المدينة، واستمرَّ في عمله هذا قرابة ثماني سنين. ثم انتقل للعمل في قسم الامتحانات بوِزارة المعارف (التربية والتعليم فيما بعد) عام 1947، وصار المسؤولَ عن إعداد جميع الشهادات الدراسية الرسمية لطلَّاب المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية بفروعها المختلفة، يكتبها جميعًا بيده. وحين كثُر عدد المتخرِّجين تفرَّغ لكتابة الشهادات الثانوية فقط. وكان يشرف على طبعها في المطبعة الرسمية، وهناك كان يخطُّ كذلك الكثير من مطبوعات الدولة وأختامها الحكومية. إضافة إلى كتابته أغلفةَ الكتب المدرسية وغلافَ مجلَّة "المعلِّم العربي".
وعلى صعيد آخر، بعد وفاة والده تولَّى تدريسَ القرآن والحساب والخطِّ في مكتب أبيه (كُتَّابه)، وفي صيف عام 1350هـ/ 1931م كان من طلَّابه طفلٌ اسمه مصطفى بن سعيد الخن، اكتشف فيه أمارات النجابة والذكاء والأهلية لطلب العلم الشرعي، فاستأذن والدَه في أن يصطحبَه معه إلى دروس شيخه حسن حَبَنَّكَة المَيداني في جامع منجك في محلَّة الجزماتية من المَيدان الوسطاني، فسمح له، فحضر دروسه، والتحقَ بحَلْقة للشيخ حسين خطَّاب، واجتهد في طلب العلم حتى غدا لاحقًا من أعلام علماء أصول الفقه في العالم الإسلامي، وأستاذًا جامعيًّا لامعًا.
وفاته
وفي السياق ذاته، توفِّي محمد زرزور في حيِّ المَيدان بدمشق، صباح يوم الخميس 17 ربيع الآخر 1402هـ الموافق 11 شُباط (فبراير) 1982م، عن عمر ناهز ثلاثًا وسبعين سنة هجرية، ودُفن بمقبرة البوَّابة في المَيدان.
- الملاحظات
- انظر كذلك
- ممدوح الشريف
- بدوي الديراني
- حلمي حباب
- عدنان زرزور
- المراجع
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟