مبادرة الحضيض

قبل الخوض في التفاصيل، في الميكانيكا السماوية، مبادرة الحضيض أو تقدُّم الأقباء هي المبادرة، أي الدوران التدريجي، للخط الواصل بين قبوَي مدار جرم فلكي ما، ويسمى هذا الخط خط الأقباء. والقبوان هما نقطتا المدار الأبعد (الأوج) والأقرب (الحضيض) من الجرم الرئيس. ومبادرة الحضيض هي المشتقة الزمنية الأولى لحصة الحضيض، وهي أحد العناصر المدارية الستة الرئيسية للمدار. وتُعدّ المبادرة موجبة حين يستدير محور المدار في الاتجاه نفسه للحركة المدارية. أما الدور القبوي فهو الزمن اللازم لكي يبادر المدار دورة كاملة مقدارها 360 درجة، ويبلغ نحو 112,000 سنة للأرض ونحو 8.85 سنوات للقمر. وتعرض الأقسام التالية جوانب أخرى من الموضوع.
النسبية العامة
في هذا الإطار، وفي عقد 1910 حسب عدد من الفلكيين مبادرة الحضيض وفق النسبية الخاصة، فحصلوا عادة على قيمة لا تتجاوز سدس القيمة الصحيحة، أي نحو 7 ثوانٍ قوسية في السنة.
من جهة ثانية، وأظهر أينشتاين أنه إذا كان نصف المحور الأكبر لمدار كوكب هو a، واختلافه المركزي e، ودور دورانه T، فإن مبادرة الحضيض الناتجة عن الآثار النسبية خلال دورة واحدة، مقدَّرة بالراديان، تعطى بالعلاقة:
من جانب آخر، حيث c هي سرعة الضوء. وفي حالة عطارد يبلغ نصف المحور الأكبر نحو 5.79×1010 متر، والاختلاف المركزي 0.206، ودور الدوران 87.97 يومًا، أي نحو 7.6×106 ثانية. ومن هذه القيم ومن سرعة الضوء (نحو 3×108 م/ث) تُحسب مبادرة الحضيض خلال دورة واحدة فتساوي 5.028×10−7 راديان، أي 2.88×10−5 درجة أو 0.104 ثانية قوسية. وفي مئة سنة يتم عطارد نحو 415 دورة حول الشمس، ومن ثم تبلغ مبادرة حضيضه الناتجة عن الآثار النسبية في تلك المدة نحو 43 ثانية قوسية، وهو ما يطابق على وجه التقريب الجزء الذي ظل بلا تفسير من القيمة المرصودة.
من جانب آخر، لاحظ أوربان لوفيرييه مبادرة حضيض كوكب عطارد في منتصف القرن التاسع عشر، وعلّلتها النظرية النسبية العامة لأينشتاين.
الحساب
علاوةً على ذلك، ووفق الميكانيكا الكلاسيكية، إذا اعتُبرت النجوم والكواكب كتلًا كروية محضة فإنها تخضع لقانون التربيع العكسي البسيط الذي يربط القوة بالمسافة، ومن ثم تسلك مدارات إهليلجية مغلقة بحسب نظرية برتراند. أما آثار الكتل غير الكروية فتنشأ عن تأثير جهود خارجية: إذ يسبب الجهد النابذ للأجسام الدوّارة تفلطحًا بين القطبين، وترفع جاذبية كتلة قريبة انتفاخات مدية. وتولّد الانتفاخات الدورانية والمدية مجالات جاذبية رباعية القطب تؤدي إلى مبادرة المدار.
علاوةً على ذلك، ويكون الانتفاخ المدي للكوكب هو الحدَّ المهيمن، إذ يتجاوز أثرَي النسبية العامة والعزم الرباعي القطب للنجم بأكثر من رتبة قدرية. ويفيد التقريب الجيد الناتج عن الانتفاخ المدي في فهم بواطن هذه الكواكب. وفي الكواكب ذات الأدوار الأقصر، يستحث باطن الكوكب مبادرة تبلغ بضع درجات في السنة، تصل إلى 19.9 درجة في السنة في واسب-12b.
وفي السياق ذاته، حيث تمثل الحدود على الترتيب مساهمة النسبية العامة، والعزم الرباعي القطب، والمد، واضطرابات الأجرام الأخرى.
في هذا الإطار، وتكون مبادرة الحضيض الكلية لكواكب المشتري الحار المعزولة، إذا اقتُصر على آثار الرتبة الدنيا ورُتّبت الحدود على وجه التقريب بحسب أهميتها، على النحو الآتي:
علاوةً على ذلك، وفي حالة عطارد يبلغ معدل مبادرة الحضيض الناتج عن الآثار النسبية العامة 43 ثانية قوسية في القرن، في حين تبلغ المبادرة الناتجة عن اضطرابات الكواكب الأخرى في المجموعة الشمسية 532 ثانية قوسية في القرن، بينما لا يسهم تفلطح الشمس (عزمها الرباعي القطب) إلا بمقدار ضئيل قدره 0.025 ثانية قوسية في القرن.
ومن جهة أخرى، تؤدي عوامل شتى إلى مبادرة الحضيض، منها النسبية العامة، والعزوم الرباعية القطب للنجوم، والتشوهات المدية المتبادلة بين النجم والكوكب، واضطرابات الكواكب الأخرى:
نظرية نيوتن للمدارات الدوارة
من جانب آخر، اشتق نيوتن نظرية مبكرة حاول بها تفسير مبادرة الحضيض. وللنظرية أهمية تاريخية، غير أنها لم تُستعمل على نطاق واسع، وقد افترضت وجود قوى تبيّن لاحقًا أنها غير موجودة، مما جعلها غير صحيحة. وظلت نظرية المدارات الدوارة مجهولة إلى حد بعيد وغير مطوَّرة أكثر من ثلاثة قرون حتى عام 1995. وقد اقترح نيوتن أن التغيرات في الحركة الزاوية لجسيم يمكن تعليلها بإضافة قوة تتناسب عكسيًا مع مكعب المسافة، دون التأثير في حركته القطرية. وباستعمال صورة أولية لمتسلسلة تايلور، عمّم نيوتن نظريته على جميع قوانين القوة، شريطة أن تكون الانحرافات عن المدارات الدائرية صغيرة، وهو ما يصح على أغلب كواكب المجموعة الشمسية. بيد أن نظريته لم تفسر مبادرة حضيض القمر دون التخلي عن التربيع العكسي في قانون الجذب العام لنيوتن. كما أن معدل مبادرة الحضيض المحسوب بنظرية نيوتن للمدارات الدوارة أقل دقة مما تعطيه الطرائق الأحدث مثل نظرية الاضطراب.
المناخ على المدى الطويل
إضافةً إلى ذلك، تزيد مبادرة حضيض الأرض حصةَ حضيضها ببطء، ويستغرق دوران الإهليلج دورة كاملة نسبةً إلى النجوم الثابتة نحو 112,000 سنة. ويبادر محور الأرض القطبي، ومعه الانقلابان والاعتدالان، بدور يقارب 26,000 سنة نسبةً إلى النجوم الثابتة. ويجتمع هذان الضربان من المبادرة، فيستغرق دوران الإهليلج دورة كاملة نسبةً إلى الاعتدال الربيعي ما بين 20,800 و29,000 سنة، وبمتوسط 23,000 سنة، أي حتى يعود الحضيض إلى التاريخ نفسه من السنة، بافتراض تقويم يتتبع الفصول تتبعًا تامًا.
كذلك، ويوضح الشكل المجاور أثر المبادرة في فصول نصف الكرة الشمالي نسبةً إلى الحضيض والأوج، ويلاحظ أن المساحات التي يمسحها المدار خلال فصل بعينه تتغير مع الزمن. وتقتضي الميكانيكا المدارية أن يتناسب طول الفصول مع المساحات الممسوحة من أرباع المدار الفصلية، ومن ثم فحين يكون الاختلاف المركزي كبيرًا جدًا قد تطول الفصول الواقعة في الجانب البعيد من المدار طولًا ملحوظًا.
- انظر كذلك
- مبادرة محورية
- مبادرة عقدية
- عجلي تحتي
- مدار وردي
- مرسمة العجليات
كذلك، وهذا التفاعل بين الدورة الشاذة والدورة الاستوائية مهم في التغيرات المناخية طويلة الأمد على الأرض، وتسمى دورات ميلانكوفيتش. ودورات ميلانكوفيتش أساسية لفهم آثار مبادرة الحضيض. ويُعرف نظير لذلك على المريخ كذلك.
التاريخ
إضافةً إلى ذلك، لاحظ الفلكي اليوناني أبرخش مبادرة حضيض مدار القمر، على صورة دوران أوج القمر بدور يقارب 8.85 سنوات، وقد رُوعيت هذه المبادرة في آلة أنتيكيثيرا (نحو عام 80 ق.م) بقيمة مفترضة قدرها 8.88 سنوات للدورة الكاملة، أي بدقة تقارب 0.34% من القياسات الحالية. أما مبادرة أقباء الشمس، بوصفها حركة متمايزة عن مبادرة الاعتدالين، فقد قدّرها كميًا لأول مرة بطليموس السكندري في القرن الثاني، كما حسب أثر المبادرة في حركة الأجرام السماوية. وتنجم مبادرة حضيض الأرض وسائر الكواكب عن جملة من الظواهر، ظل تفسير جزء منها عسيرًا حتى القرن العشرين، حين فُسِّر الجزء الأخير غير المعلَّل من مبادرة عطارد تفسيرًا دقيقًا اعتمادًا على النسبية العامة.
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟