قواعد الفن
المحتويات

في البداية، قواعد الفن: نشأة وبنية الحقل الأدبي (بالفرنسية: Les Règles de l’art. Genèse et structure du champ littéraire) هو كتاب لعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو صدر عام 1992، ومُكرّس لعلم اجتماع الأدب وتحليل الحقل الأدبي. وانطلاقاً، بوجه خاص، من قراءة متعمقة لرواية التربية العاطفية لـ غوستاف فلوبير، يسعى بورديو إلى تبيان أن العمل الأدبي يمكن دراسته انطلاقاً من البنى الاجتماعية التي يُنتج في إطارها. وفيما يلي تفاصيل أوسع عن ذلك.
المحتوى
الهابيتوس في كتاب قواعد الفن
كذلك، ويمضي المؤلف فيما بعد لدراسة تشكل الحقل الأدبي واستقلاله في القرن التاسع عشر، مسلطاً الضوء على الصراعات المحتدمة بين الكتّاب، والناشرين، والنقاد، وغيرهم من الفاعلين لفرض معايير الشرعية والقيمة الأدبية. وتتبدى دعوة «الفن للفon» بمثابة رغبة عارمة لدى الأدباء للتحرر من القيود السياسية والاقتصادية وكسب استقلالية أرحب. ويتعمق الكتاب كذلك في استجلاء مفاهيم محورية أخرى من صلب علم اجتماع بورديو، وفي مقدمتها الحقل، والهابيتوس، وطبيعة الروابط القائمة بين المواقع الاجتماعية والممارسات الثقافية.
روابط خارجية ومراجع
من جهة ثانية، يُعرّف بورديو «الهابيتوس» بأنه جملة الاستعدادات والمَلَكات التي نكتسبها على دروب تاريخنا الاجتماعي. وهو يقابل طرائق التفكير، والإحساس، والإدراك، والفعل التي استدخلناها تدريجياً. وتوجه هذه الاستعدادات سلوكياتنا من دون أن تحددها ميكانيكياً. وفي قواعد الفن، تتيح هذه المقولة مقاربة الكتّاب انطلاقاً من مسارهم الاجتماعي وموقعهم في الحقل الأدبي. وبذلك، لا تُعد خياراتهم وأذواقهم وأساليب كتابتهم قرارات فردية فحسب، بل هي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً باستعدادات مكتسبة اجتماعياً. وبصفتها تلك، تبني المقولة جسراً بين الفرد والمجتمع، لتفسر لنا كيف يتسنى للكتّاب إبداع أعمال أصيلة مع بقائهم تحت تأثير الشروط الاجتماعية التي نشأوا في ظلها وضوابط الحقل الأدبي.
الأدب باعتباره ظاهرة اجتماعية
كذلك، في الجزء الأول، يحلل بورديو رواية التربية العاطفية ومكانة فلوبير في العالم الاجتماعي والأدبي لعصره. ويوضح أن الشخصيات وعلاقاتها وتطلعاتها توافق مواقع اجتماعية ملموسة. ويسمح تحليل مسار فريدريك مورو، على وجه الخصوص، بإبراز التوترات والخيارات التي يواجهها البرجوازيون الشباب في القرن التاسع عشر. وهكذا يطور بورديو فكرة «التماثل البنيوي» بين الحقل الأدبي والفضاء الاجتماعي.
التصوير والكتابة
علاوةً على ذلك، تمثل اللوحة التشكيلية في كتاب قواعد الفن مرجعاً أساسياً لفهم تحول الحقل الأدبي خلال القرن التاسع عشر. ويوضح بورديو أن الهزات التي ضربت فن الرسم في حقبتي ستينات وسبعينات القرن التاسع عشر تُضيء بالتوازي تلك التي طالت الكتابة. ويجسد صالون المرفوضات لعام 1863 تقويض السلطة الأكاديمية وبزوغ فضاء فني أكثر استقلالية. ويضطلع إدوارد مانيه هنا بدور يضاهي دور فلوبير في الأدب؛ إذ يقطع اثنياهما مع التقاليد الراسخة ويفرضان طرائق جديدة في الرؤية والتمثيل.
علاوةً على ذلك، ويجلي نموذج إميل زولا في رواية الحانة هذا البعد الاجتماعي للفن والرواية؛ إذ تبيّن زيارة اللوفر التي تقوم بها مجموعة شعبية احتفالية مدى اصطدام الشخصيات بفضاء فني تعجز عن الإحاطة برموزه أو مواضعاته. فهم ينبهرون بفخامة المكان ويركزون اهتمامهم على الإطارات، والتذهيب، والأرضيات الخشبية بدلاً من تأمل الأعمال ذاتها. ومن خلال هذا المشهد، يسلط زولا الضوء على الهوة الاجتماعية الفاصلة بين شريحة من الجمهور والمؤسسة الفنية، وما تعانيه من عقبات تحول دون نفاذها إلى أشكال الثقافة المشروعة.
المتاحف بصفتها فضاءات للسلطة
وفي هذا الصدد، في تحليل بورديو، يبرز المتحف بوصفه فضاءً حقيقياً للسلطة، لا مجرد مساحة بسيطة لحفظ الأعمال وعرضها. فتظهيره العمراني، وفخامته، والقواعد التي تنظم الزيارة، تسهم جميعها في إرساء فصل صارم بين عالم الفن والعالم الدنيوي. وعليه، يفرض المتحف طريقة محددة في معاينة الأعمال، ويشارك في تحديد من يُعدّون أهلاً لتقديرها. وتُنتج هذه الوظيفة تمييزاً اجتماعياً بين الزوار الذين يمتلكون الاستعدادات الثقافية المطلوبة وأولئك الذين قد يشعرون بالإقصاء أو الغربة حيال هذا العالم.
إضافةً إلى ذلك، ويكشف تاريخ المتحف الحديث، لاسيما في أعقاب الثورة الفرنسية، عن بُعْده السياسي كذلك. فإذ وُصِع خصيصاً لصون الأعمال وإتاحتها للشعب، غدا تدريجياً أداة للذاكرة الجماعية والشرعية الثقافية. ومن ثم، تمارس المؤسسة المتحفية نفوذها عبر الفضاء، والأعمال المعروضة، والسلوكيات التي تفرضها، لتسهم بذلك في إقرار تراتبية في النظرات وأنماط التلقي الفني، عارضةً في الوقت ذاته مظهراً مضللاً للديمقراطية الثقافية.
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟