قصر حنينة
المحتويات

بدايةً، قصر حنينة هو قصر سكني تاريخي في حي زقاق البلاط بمدينة بيروت في لبنان، شُيّد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر خلال العهد العثماني. يجمع بين أساليب البناء المحلية وتنظيم داخلي متأثر بالمساكن الأوروبية، وتتميز قاعته الكبرى بزخارف ذات طابع استشراقي. ويحمل القصر اسم أسرة الطبيب جوزف حنينة، التي أقامت فيه خلال القرن العشرين. ونتناول فيما يلي مزيدًا من التفاصيل.
من جانب آخر، أُنشئ القصر لأحد النبلاء الروس، ثم انتقلت ملكيته إلى أسرة سلوم مزهر. واستُخدم لاحقًا مقرًا للقنصلية العامة الأمريكية ومسكنًا للقنصل، قبل أن تقطنه أسر من بينها أسرتا حنينة وحداد. ومن سكانه الكاتبة والرسامة ماري شيحا حداد والدكتور داهش. وصُنّف مبنى تراثيًا سنة 2010، ثم أُدرج ضمن قائمة المراقبة للصندوق العالمي للآثار لعام 2016، في سياق جهود المحافظة على التراث المعماري المهدد في بيروت.
أسرتا حنينة وحداد
من جانب آخر، بعد انتقال القنصلية الأمريكية سنة 1936، أقام الطبيب جوزف حنينة وزوجته ماري مزهر، إحدى وارثات العقار، في الطابق الأول، وأنشأ فيه عيادته الخاصة. وبعد وفاته، افتتحت ماري في القصر مطعمًا فرنسيًا صغيرًا باسم «لو بوتي باليه» (Le Petit Palais)، استمر من سنة 1969 حتى وفاتها سنة 1970.
في هذا الإطار، استأجر الطابق الثاني جورج حداد وزوجته الكاتبة والرسامة ماري شيحا حداد، وأصبح صالونها ملتقى للفنانين والمثقفين خلال ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته. ومنذ الأربعينيات غدا منزل الأسرة مركزًا لاجتماعات أتباع الداهشية، التي أسسها سليم العشي المعروف بالدكتور داهش. وقد أقام داهش مع الأسرة في الطابق الثاني، ولذلك عُرف المبنى لدى بعض سكان بيروت كذلك باسم «قصر داهش».
الموقع
التاريخ
وفي هذا السياق، يقع القصر عند تقاطع شارعي حسين بيهم وعبد القادر، مقابل قصر زيادة، في الجزء الغربي من زقاق البلاط قرب منطقتي الظريف والقنطاري. وتغير محيطه مع شق جادة فؤاد شهاب، المعروفة محليًا باسم «الرينغ»، في أواخر ستينيات القرن العشرين ومطلع السبعينيات. فقد اقتُطع جزء من الجهة الشمالية للعقار، وزال شارع توفيق بساط الذي كان يحده من الشمال، فأصبحت الواجهة الشمالية المطلة على الحديقة أكثر انكشافًا على الطريق.
البناء والملكية الأولى
وفي هذا السياق، تختلف المصادر في تأريخ بناء القصر؛ فتذكر صحيفة «الأنباء» سنة 1860، بينما يرجح الباحث المعماري رالف بودنشتاين أنه شُيّد نحو ثمانينيات القرن التاسع عشر، ويستند في استبعاد تاريخ أسبق إلى ظهور أرضه خالية من البناء في مخطط بيروت الذي وضعه يوليوس لويتفيد سنة 1876. ويذكر بودنشتاين أن منشئه كان نبيلًا روسيًا، لكن اسمه ولقبه لم يُحسما بصورة قاطعة.
كذلك، بعد وفاة صاحبه الأول نحو مطلع القرن العشرين، انتقلت ملكية القصر إلى أسرة سلوم مزهر، التي كانت تملك عقارات وتعمل في قطاع الفنادق. وبين سنتي 1903 و1914 استأجره الطبيب الفرنسي جوستين كالميت. ثم شغلته القنصلية العامة الأمريكية بين سنتي 1914 و1936؛ فخُصّص الطابق السكني الأول لمكاتبها، والطابق الثاني لإقامة القنصل العام. وتخللت هذه الفترة إقامة مؤقتة للقنصلية الهولندية فيه خلال الحرب العالمية الأولى، بين سنتي 1917 و1918.
التكوين العام
وفي هذا الصدد، يتكون القصر من كتلة رئيسية شبه مربعة تبلغ أبعادها نحو 25 × 26 مترًا، ويتصل بها من الجنوب الشرقي جناح للخدمات يمتد نحو الشرق. وتبلغ مساحة الطابق نحو 705 أمتار مربعة. ويضم المبنى طابقين سكنيين فوق طابق سفلي منخفض، ويغطي أغلب أجزائه سقف قليل الانحدار مائل من الجهات الأربع ومكسو بالقرميد. ويقارب البناء حدود العقار الجنوبية والغربية، تاركًا حديقة على هيئة حرف «L» تمتد إلى الشمال والشرق.
الواجهات
علاوةً على ذلك، تختلف الواجهة الشمالية عن الواجهات الرئيسية المعتادة لكثير من بيوت بيروت في أواخر القرن التاسع عشر؛ إذ تتوسطها في مستوى الطابق الأول نافذة ثلاثية صغيرة نسبيًا تطل على حوض الحديقة، بدلًا من الفتحة الكبيرة ذات العقود الثلاثة المرتبطة عادة بالقاعة الوسطى. وتتوزع حولها نوافذ مستطيلة مزودة بمصاريع خشبية، وتوجد فتحات إضاءة مستديرة في القسم العلوي من الجدار.
من جهة ثانية، تغلب صفوف النوافذ المستطيلة على الواجهة الجنوبية المطلة على شارع حسين بيهم. وتضم هذه الواجهة مدخلًا ثانويًا للطابق الأول ومدخلًا إلى بيت الدرج، تضيئه في مستوى الطابق الثاني نافذة ذات عقدين. وترتبط بعض الفتحات الصغيرة بمرافق الخدمات الواقعة خلف الواجهة.
من جهة ثانية، تطل الواجهة الغربية على شارع عبد القادر، ويمتد على جزء منها رواق ذو عقود في مستوى الطابق الأول، تعلوه شرفة مكشوفة. وعند الطرف الجنوبي للرواق يبرز جزء من البناء يضم المدخل الرئيسي، وفوقه فتحة ذات ثلاثة عقود مدببة تحملها دعامات مبنية، بدلًا من الأعمدة الرخامية النحيلة الشائعة في بيوت المدينة. وتحمي قضبان حديدية عقود الرواق، الذي ينتهي من جهة الشمال بعقد مدبب مرتفع.
في هذا الإطار، بُنيت الجدران بالحجر الرملي الساحلي المستعمل في بيروت، وكُسيت بطبقة من الملاط، وطُليت الواجهات بالأصفر المغرّي. وتقسمها أفاريز أفقية عند القاعدة وبين الطوابق وعند حافة السقف، ويتميز الإفريز العلوي باتساعه وبروزه؛ وقد نُفّذ في الأصل بالحجر الجيري الفاتح اللون.
وعلى صعيد آخر، أما الواجهة الشرقية فتضم رواقًا من مستويين بين جناح الخدمات والجزء الشمالي من المبنىنى. وتحمل عقود المستوى الأول دعامات مبنية، بينما تستند عقود المستوى الثاني إلى أعمدة رخامية نحيلة. ويرجح بودنشتاين أن هذين الرواقين كانا مفتوحين في الأصل، ثم أُغلقا بنوافذ خشبية مزججة نحو مطلع القرن العشرين، ويربط ذلك بازدياد الحاجة إلى الخصوصية وحجب الرؤية من الخارج.
الحرب الأهلية والمحافظة على القصر
العمارة
كذلك، خلال الحرب الأهلية اللبنانية بين سنتي 1975 و1990، غادر أفراد أسرة حداد والدكتور داهش إلى الولايات المتحدة، وبقي الطابق الثاني في عهدة حارس. أما الطابق الأول، الذي خلا بعد وفاة ماري حنينة سنة 1970، فأقامت فيه أسر نزحت بسبب الحرب منذ نحو سنة 1976، ويذكر بودنشتاين أن آخرها غادر سنة 2005.
علاوةً على ذلك، صُنّف القصر مبنى تراثيًا سنة 2010، إلا أن الإهمال وتدهور حالته استمرا بعد التصنيف. وفي أكتوبر 2015 أُعلن إدراجه، إلى جانب دالية الروشة، ضمن قائمة المراقبة للصندوق العالمي للآثار لعام 2016، بعد ترشيح دعمته جمعية الحفاظ على تراث بيروت ووزارة الثقافة اللبنانية. وتهدف القائمة إلى لفت الانتباه إلى الأخطار التي تهدد المواقع المختارة ودعم جهود المحافظة عليها. وتناول تقرير تلفزيوني سنة 2017 حملة أطلقتها منظمات من المجتمع المدني للتعريف بالقصر وحمايته.
التخطيط الداخلي والزخارف
علاوةً على ذلك، تتبع مواد البناء وطرقه التقاليد المحلية، لكن توزيع الغرف ومسارات الحركة داخل القصر يختلف عن نموذج البيت البيروتي ذي القاعة الوسطى. ويؤدي المدخل الغربي مباشرة إلى بهو مرتفع يمتد عبر مستوى الطابق السفلي والطابق الأول، وكانت تتوسطه نافورة رخامية. ويقابل المدخل درج حجري ذو فرعين مقوسين يصعد إلى ردهة في الطابق الأول، تتفرع منها المداخل المؤدية إلى القاعة الكبرى والغرف وممر الخدمات.
- انظر كذلك
- قصر زيادة
- قصر موسى سرسق
- المراجع
إضافةً إلى ذلك، تقع القاعة الكبرى في القسم الشمالي من الطابق الأول، وتتخذ هيئة حرف «T». وتتألف من ثلاثة أجنحة ينفتح كل منها على القسم الأوسط بصف من ثلاثة عقود، ويطل جناحها الشمالي على الحديقة من خلال نافذة ثلاثية. وتضم القاعة زخارف جصية وأعمالًا خشبية وأسقفًا ملونة، وتجمع زخارفها بين عناصر مستوحاة من العمارة الأندلسية وأخرى من العمارة المملوكية. وكانت تضم في جناحها الشمالي نافورة ثمانية الأضلاع مزينة برخام ملون، فُقدت خلال الحرب الأهلية.
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟