غودل إيشر باخ

تعريفًا بالموضوع، غودل، إيشر، باخ، هو كتاب صدر عام 1979 من تأليف دوغلاس هوفستادتر. يتناول الكتاب الأفكار الفكرية المشتركة في حياة وأعمال ثلاثة شخصيات بارزة: عالم المنطق كورت غودل، والفنان موريتس كورنيليس إيشر، والموسيقي يوهان سباستيان باخ. ونتناول فيما يلي مزيدًا من التفاصيل.
وفي السياق ذاته، يوضح الكتاب الروابط الفكرية بين الرياضيات والتناظر والذكاء، ويعرض هذه الأفكار من خلال قصص قصيرة ورسومات توضيحية وتحليلات مختلفة.
كذلك، كما يشرح كيف يمكن للأنظمة أن تكتسب معنى وسياقًا من عناصر قد تبدو في الأصل بلا معنى. ويتناول عدة مفاهيم مهمة مثل الإشارة إلى الذات، والقواعد الشكلية، والتشابه البنيوي بين الأنظمة، إضافة إلى معنى التواصل، وكيف يمكن تمثيل المعرفة وتخزينها، وكذلك طرق وحدود تمثيل الرموز، وفكرة المعنى نفسها.
من جهة ثانية، وقد فاز هذا الكتاب بجائزة بوليتزر في فئة الكتب غير الروائية العامة، كما حصل على الجائزة الوطنية للكتاب في مجال العلوم.
إضافةً إلى ذلك، يذكر المؤلف دوغلاس هوفستادتر، بصفته عالمًا في علم الإدراك، أن كتاب غودل، إيشر، باخ: ضفيرة ذهبية أبدية ليس مجرد كتاب عن العلاقة بين الرياضيات والفن والموسيقى، بل يتناول في الأساس كيفية نشوء الإدراك والوعي من آليات عصبية خفية داخل الدماغ، مثل الطريقة التي تتعاون بها الخلايا العصبية الفردية لتكوين عقل متكامل ومنسجم.
أنا حلقة غريبة
كذلك، أعرب المؤلف دوغلاس هوفستادتر عن شعوره ببعض الإحباط من الطريقة التي استقبل بها القراء كتابه، إذ رأى أن كثيرًا من القراء لم يدركوا تمامًا أن فكرة الحلقة الغريبة كانت الفكرة الأساسية في الكتاب. واعتبر أن هذا الالتباس يعود إلى طول الكتاب وتنوع الموضوعات التي يناقشها.
في هذا الإطار، ولمعالجة هذه المشكلة نشر عام 2007 كتابًا بعنوان أنا حلقة غريبة، ركّز فيه بشكل أوضح على شرح هذه الفكرة.
الموضوعات
وفي هذا السياق، يتناول الكتاب كذلك بعض مفاهيم علم الحاسوب مثل فكرة مكدسات الاستدعاء. ويظهر ذلك في أحد الحوارات التي تصف مغامرات أخيل والسلحفاة أثناء استخدامهما ما يشبه «جرعة الإدخال» و«منشط الإخراج»، حيث ينتقلان بين طبقات مختلفة من الواقع. وفي الحوار نفسه يظهر جني يحمل مصباحًا يحتوي على جني آخر يحمل بدوره مصباحًا آخر، ويتكرر الأمر على هذا النحو.
في هذا الإطار، ولوصف هذه الظواهر التي تشير إلى نفسها، ابتكر المؤلف مصطلح «الحلقة الغريبة»، وهو مفهوم تناوله بمزيد من التفصيل في كتاب لاحق له.
وفي هذا السياق، يحتوي الكتاب على أمثلة كثيرة لفكرة التكرار الذاتي والإشارة إلى الذات، حيث تشير الأفكار أو الأشياء إلى نفسها. ومن هذه الأمثلة مفهوم يسمى كويننغ، وهو مصطلح ابتكره المؤلف تكريمًا للفيلسوف ويلارد فان أورمان كواين، ويشير إلى البرامج التي تستطيع إنتاج الشفرة المصدرية الخاصة بها بنفسها.
ومن جهة أخرى، كما يظهر في الكتاب مؤلف خيالي داخل الفهرس يدعى إيغبرت ب جيبستاتر، وهو اسم يتكون من الأحرف إي وجي وبي، ويشبه اسمه جزئيًا اسم المؤلف الحقيقي.
في هذا الإطار، وفي الأقسام اللاحقة يناقش الكتاب المبادئ الأساسية للمنطق، والعبارات التي تشير إلى نفسها، والأنظمة التي لا تعتمد على تصنيفات ثابتة، بل ويتطرق كذلك إلى البرمجة. كما يبتكر المؤلف لغتين برمجيتين بسيطتين لتوضيح أفكاره.
من جهة ثانية، كما يناقش الكتاب شكل القانون الموسيقي في الموسيقى، ويتحدث كذلك عن عمل فني للفنان إيشر يصور يدين ترسم كل منهما الأخرى.
من جانب آخر، ويعرض الكتاب كذلك مثالًا تخيليًا عن مشغل أسطوانات يسمى مشغل الأسطوانات إكس يقوم بتدمير نفسه عندما يشغل أسطوانة بعنوان «لا يمكن تشغيل هذه الأسطوانة على مشغل الأسطوانات إكس»، وهو مثال يوضح فكرة مشابهة لمفارقات نظرية عدم الاكتمال لغودل.
في هذا الإطار، وللتعامل مع التناقضات المنطقية التي قد تنشأ من هذه الأفكار، يناقش المؤلف ألغاز الزِن الفلسفية، محاولًا أن يوضح للقارئ كيف يمكن النظر إلى الواقع من زاوية مختلفة خارج التجربة الشخصية، والتعامل مع الأسئلة المتناقضة برفض الفرضية الأساسية للسؤال، وهي طريقة تُعرف باسم إلغاء السؤال.
الألغاز
ومن جهة أخرى، يمتلئ الكتاب بالعديد من الألغاز الفكرية، من بينها لغز ابتكره المؤلف يقارن بين التفكير داخل نظام منطقي محدد وبين التفكير في طبيعة ذلك النظام نفسه.
كذلك، ويمكن اكتشاف هذه الرسالة بأخذ الكلمة الأولى من كل فقرة في الفصل، حيث تتكوّن جملة تشير إلى اسم باخ. كما يمكن العثور على رسالة مخفية ثانية بأخذ الحروف الأولى للكلمات في السطر الأول وقراءتها بالعكس، لتكوين اسم يوهان سباستيان باخ مرة أخرى، كما يذكر النص نفسه.
كذلك، ومن الأمثلة الأخرى فصل يجمع بين فكرتين هما القصيدة الأكرُستيكية (التي تُكوَّن كلماتها من الحروف الأولى للجمل) والتعدد اللحني في الموسيقى. وفي الحوار بين أخيل والسلحفاة يشير المؤلف إلى وجود رسالة مخفية في الفصل تشير إلى كل من المؤلف نفسه والموسيقي يوهان سباستيان باخ.
الترجمة
في هذا الإطار، يذكر المؤلف دوغلاس هوفستادتر أن فكرة ترجمة كتابه لم تخطر بباله أثناء كتابته، لكن عندما طرح الناشر الفكرة عليه شعر بحماس كبير لرؤية كتابه بلغات أخرى، وخاصة اللغة الفرنسية. ومع ذلك كان يدرك أن ترجمة الكتاب ليست سهلة، لأن هناك الكثير من الأمور التي يجب مراعاتها أثناء الترجمة. فالكتاب لا يعتمد فقط على التلاعب بالكلمات، بل يعتمد كذلك على تراكيب لغوية خاصة يكون فيها شكل النص ومعناه مترابطين ويعكسان بعضهما. ومن الأمثلة على ذلك أحد الحوارات المكتوبة بطريقة يمكن قراءتها على وجه التقريب بالشكل نفسه من البداية إلى النهاية ومن النهاية إلى البداية.
الاستقبال والتأثير
من جانب آخر، وفي عام 2019 نظم عالم الرياضيات البريطاني ماركوس دو سوتوي سلسلة من الفعاليات في مركز باربيكان في لندن احتفالًا بالذكرى الأربعين لصدور الكتاب.
إضافةً إلى ذلك، ذكر الكاتب مارتن غاردنر في مقال له عام 1979 أنَّه كل بضع عقود يظهر مؤلف غير معروف يقدّم كتابًا يتميز بعمق ووضوح واتساع في الأفكار، إضافة إلى الذكاء والجمال والأصالة، بحيث يُعترف به فورًا على أنه حدث أدبي مهم.
كذلك، حصل كتاب غودل، إيشر، باخ: ضفيرة ذهبية أبدية على جائزة بوليتزر في فئة الكتب غير الروائية العامة، كما فاز كذلك بالجائزة الوطنية للكتاب في مجال العلوم.
إضافةً إلى ذلك، وفي تقرير تحقيقي صدر في 19 فبراير عام 2010 حول هجمات الجمرة الخبيثة التي وقعت عام 2001، أشار مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى أن بروس إدواردز إيفينز ربما استلهم من الكتاب فكرة إخفاء رموز سرية تعتمد على تسلسل النيوكليوتيدات في الرسائل الملوثة بالجمرة الخبيثة التي يُعتقد أنه أرسلها في سبتمبر وأكتوبر عام 2001، وذلك باستخدام الحروف البارزة كما ورد في إحدى صفحات الكتاب. كما ذُكر أنه حاول إخفاء الكتاب عن المحققين بإلقائه في سلة المهملات.
علاوةً على ذلك، وفي صيف عام 2007 أنشأ معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا دورة تعليمية عبر الإنترنت لطلاب المدارس الثانوية تعتمد على هذا الكتاب.
هيكل الكتاب
وعلى صعيد آخر، أحيانًا يستعمل الكتاب التلاعب بالألفاظ دون أن يكون له ارتباط قوي بالفكرة الأساسية، مثل الحوار الذي يحمل عنوان «تقدمة مو»، والذي لا يرتبط ارتباطًا مباشرًا بعمل باخ الموسيقي المعروف باسم «التقدمة الموسيقية».
كذلك، وتتناول الحوارات الأولى أصل هذه الشخصيات، بينما تقدم الحوارات اللاحقة شخصيات جديدة مثل السلطعون. وغالبًا ما تكون هذه القصص إشارية إلى نفسها أو تتحدث عن بنيتها وطبيعتها.
وفي هذا الصدد، يعتمد الكتاب على أسلوب يجمع بين السرد القصصي والحوار. فالفصول الرئيسية تتناوب مع حوارات بين شخصيات خيالية، وغالبًا ما تكون هذه الحوارات بين أخيل والسلحفاة، وهي فكرة استُخدمت قديمًا من قبل الفيلسوف زينون الإيلي، ثم استعملها لاحقًا الكاتب لويس كارول في قصة حوارية بين الشخصيتين.
وفي هذا السياق، كما أن أحد الحوارات في الكتاب مكتوب بأسلوب يسمى القانون السلطعوني، وهو أسلوب تكون فيه الجمل قبل منتصف النص تقابلها جمل مطابقة بعد المنتصف. ومع ذلك يبقى الحوار مفهومًا لأن بعض العبارات يمكن استخدامها للتحية أو الوداع في الوقت نفسه، مثل عبارة «يوم سعيد»، كما أن ترتيب الجمل يجعل بعضها يبدو كأنه إجابة للسؤال الوارد في الجملة التالية. وهناك كذلك نوع آخر يسمى القانون البطيء، حيث تقوم إحدى الشخصيات بتكرار كلام شخصية أخرى ولكن بشكل أبطأ وبصيغة معاكسة.
كذلك، كما يستعمل الكتاب التلاعب بالألفاظ والعبارات المزدوجة المعنى لربط الأفكار المختلفة. ومن الأمثلة على ذلك استخدام عناوين أو عبارات تشبه أسماء أعمال موسيقية ليوهان سباستيان باخ، إلى جانب فكرة تسمى نظرية الأعداد الطباعية التي تحاول صياغة عبارات عن نفسها، مما يؤدي إلى مفارقات منطقية.
علاوةً على ذلك، وفي أحد الحوارات تظهر قصة عن جني (وهي كلمة مأخوذة من العربية)، إضافة إلى إشارات مختلفة إلى كلمة “تونك” التي قد تدل على مشروب أو على مصطلح موسيقي، ويحمل الحوار عنوان الجني والتونيك.
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟