عمارة زيانية
المحتويات

بدايةً، العمارة الزيانية هي العمارة التي نشأت في مملكة تلمسان (مملكة بني زيان) بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر الميلاديين في المنطقة الشمالية الغربية من الجزائر الحالية. وهي امتدادٌ للتقاليد المعمارية الإسلامية الغربية، والمعروفة باسم "الطراز الأندلسي المغربي"، حيث طُوِّرت عناصرها لتُنتج تصاميم مميزة استمرت لقرون. وقد تأثر هذا الطراز المعماري بدرجة كبيرة بالخلافة الموحدية والعمارة الأندلسية المورية، مما أدى إلى إرثٍ معماري مغاربي خالد. وفيما يلي تفاصيل أوسع عن ذلك.
المئذنة
وفي السياق ذاته، أما بالنسبة للبنية الداخلية للمئذنة، فهي تشبه إلى حد كبير مئذنة مسجد قلعة بني حماد.
من جانب آخر، تتميز مآذن الزيانين بشكلها المربع وموقعها في زوايا الجدار الخلفي للمسجد، باستثناء مسجدي تلمسان والجزائر العاصمة، حيث تقع المئذنة في منتصف الجدار الخلفي، محاذية للمحراب. كما تتميز بارتفاعها المعتدل، الذي يتناسب مع حجم المسجد، سواء كان كبيرًا أم صغيرًا.
كذلك، يمكن تتبع تاريخ هذه المآذن إلى العصر الزياني في وسط المغرب العربي. ومن بينها ثماني مآذن، تشمل مئذنة جامع سيدي أبو الحسن، ومئذنة جامع سيدي إبراهيم، ومئذنة الجامع الكبير في تلمسان، ومئذنة جامع الناظور، ومئذنة أكادير، ومئذنة جامع أولاد الإمام، ومئذنة الجامع الكبير في الجزائر، ومئذنة جامع المستور.
وفي هذا الصدد، ترك الزيانيون الكثير من المآذن في أنحاء مملكتهم، والتي حُفظت حتى يومنا هذا، وقد بُني جزء كبير منها في عاصمتهم تلمسان. هذه المآذن مربعة الشكل، وتتألف عادةً من طابقين.
ومن جهة أخرى، تأثرت مآذن الزيانين، سواء في مظهرها الخارجي العام أو عناصرها الزخرفية، بمآذن الموحدين. ومن الأدلة على هذا التأثير أن مآذن الزيانين تتكون من طابقين بدلًا من ثلاثة.
المشور
وفي السياق ذاته، داخل المجمع الفخم، كانت مجموعة من المساكن والأجنحة والحدائق تحيط بالمناظر الطبيعية، وتكملها مرافق أساسية مثل المسجد والحمام.
وعلى صعيد آخر، صمّم المعماريون بعض هذه القصور لتناسب فصول السنة المختلفة. فقد حافظ المسكن الصيفي، المبني من الطوب اللبن، على برودة منعشة، بينما وفّر المسكن الشتوي، المبني من الحجر، الدفء خلال الأشهر الباردة.
في هذا الإطار، تزدان جدران القصر بزخارف غنية، مُعززة بالزليج والجص المنحوت بدقة متناهية. كما زُيّن هذا الصرح بفن الخط العربي. وقد لفتت بقايا أحد القصور انتباه علماء الآثار المعاصرين بفضل محرابها المركزي في قاعة الاستقبال الكبرى. استُلهم هذا التصميم من قصور الزيريين السابقة، مما ميّزه عن تصاميم القصور المعاصرة في مناطق أخرى. وفي عامي 2010-2011 م، أُقيمت نسخة حديثة مُعاد بناؤها فوق هذه البقايا، والتي لا تزال علاقتها بتصميم القصر الأصلي غير واضحة.
ومن ناحية أخرى، المشور هو القصر الملكي والمقر الرئيس لسلاطين الدولة الزيانية. بناه يغمراسن بن زيان، ثم وسّعه أبو حمو موسى الأول، الذي أضاف إليه بعض المرافق. ومن أهم النصوص التاريخية التي ذكرت قصر المشور الوصف الدقيق الذي قدمه الرحالة حسن الوزان، حيث قال: "يقع قصر المشور الملكي جنوب المدينة، وهو محاط بأسوار عالية على شكل حصن. ويضم قصورًا صغيرة أخرى مع حدائق وبساتين، جميعها مبنية بشكل متقن ومزينة بزخارف معمارية رائعة. وللقصر بوابتان، إحداهما تفتح على الريف المفتوح، والأخرى في وسط المدينة حيث يقيم رئيس الحرس."
علاوةً على ذلك، ومن الجدير بالذكر أن قصر المشور يمثل معلمًا بارزًا لمملكة تلمسان، حيث يعرض الفن المعماري الزياني مع تأثير واضح من الطراز الأندلسي.
ومن ناحية أخرى، في العصر الزياني ظهرت أربعة قصور بارزة: دار الملك، ودار أبي فهر، ودار السرور ، ودار الراحة. كان أبو تاشفين الأول، خلال فترة حكمه من عام 1318 إلى عام 1337 م، صاحب الرؤية وراء بناء ثلاثة من هذه القصور.
عمارة المساجد
وفي السياق ذاته، كان آل عبد الواد (اسم آخر لبني زيان) بارعين في العمارة الإسلامية، تاركين وراءهم مباني تتميز بدمجها الفريد للزخارف المحلية من الزليج والخزف. ومن الأمثلة على ذلك مسجد سيدي بلحسن، الذي يُعتبر من أفضل المباني المحفوظة من العمارة الزيانية، وقد زُيّن بعناصر زخرفية وفنية رائعة. ومن الأمثلة الأخرى مسجدا أولاد الإمام وسيدي إبراهيم. وقد شيّد الزيانيون مآذن للمساجد القائمة، مثل مئذنة مسجد أكادير، ومئذنة مسجد الجزائر، ومئذنتي الجامع الكبير في تلمسان وندرومة.
الأنماط الهندسية
وفي السياق ذاته، يُمكن ملاحظة أحد الأنماط الهندسية البارزة في مباني العصر الزياني في مسجد سيدي بلحسن، الذي دمج أشكالًا هندسية مع عناصر نباتية وخطية. ومن الأمثلة على ذلك الزخارف الهندسية التي تضم أشكالًا من كلا النوعين. مع ذلك، برزت بعض الزخارف الهندسية منفردةً دون زخارف إضافية، وهو أمر نادر في العمارة الزيانية، مثل المضلعات النجمية الشكل. كما تقاطعت أشكال هندسية أخرى لتكوين مربعات أو مضلعات، وغالبًا ما شكلت إطارًا للزخارف الخطية، لا سيما على واجهة المحراب. وطُبقت أنماط مماثلة على المئذنة، المُزينة بأشكال هندسية من بلاط الزليج. وشكّلت الزخارف المتقاطعة، التي تتميز بتقاطعات أصغر داخلها، هيكل المئذنة، وهو تصميم موجود كذلك في مئذنة مسجد أولاد الإمام. علاوةً على ذلك، تميزت الكثير من المباني الأخرى بأنماط هندسية تجلّت من خلال الزليج المعروض في مربعات ونجوم مضلعات ومشتقاتها بألوان متعددة. فضلًا عن ذلك، فإن الأشكال المضلعة النجمية الشكل والزخارف الجبسية، بما في ذلك أعمال المشربيات الخزفية، موثقة كذلك ضمن الزخارف الزيانية.
العمل المدني
التزيين
ومن ناحية أخرى، خلال حكم الزيانيين في تلمسان، شُيّد عددٌ كبيرٌ من البنى التحتية المدنية والمباني، التي خدمت أغراضًا متنوعة. تُشير النصوص التاريخية إلى وجود الكثير من الحمامات المنتشرة في أنحاء المدينة. وقد أشاد أحد الرحالة المغاربة بنظافة حمام الأعلى، الذي اكتسب شهرة واسعة. إضافةً إلى ذلك، بنى الزيانيون الكثير من الفنادق (التي كان المسلمون يسمونها خانات) لاستضافة التجار الأوروبيين في تلمسان وكذلك في مدينة وهران. وقد لاحظ حسن الوزان، وهو رحالةٌ من تلك الحقبة، وجود فنادق ذات أسوارٍ ضخمة خلال رحلته إلى مدينة وهران. وفي تلمسان، نظرًا لأهمية المدينة التجارية الكبيرة، خصّص السلطان أبو حمو الأول مساحاتٍ واسعةً في الجهتين الشمالية والجنوبية لهذه الفنادق. لا تزال بعض المنشآت المدنية من العصر الزياني قائمة حتى اليوم، مثل جسر صفصاف وحوض تلمسان الكبير، الذي بُني في عهد أبي تاشفين الأول، والذي كان يُستعمل لتوزيع المياه على الحقول والمنازل في أوقات الجفاف ولمقاومة الحصار في أوقات الحرب.
المدارس الإسلامية
إضافةً إلى ذلك، انتشرت المدارس الإسلامية على نطاق واسع في مدينة تلمسان خلال العصر الزياني، وكانت بمثابة ملاذٍ لطلاب العلم. وقد أشار الرحالة حسن الوزان إلى هذه المدارس، قائلًا: "في مدينة تلمسان مساجد كثيرة ممتازة، فيها أئمة وخطباء، وخمس مدارس متقنة البناء ومزخرفة." كما ذكر ابن الأحمر هذه المدارس، موضحًا أن عدد المدارس التي أُنشئت في مدينة تلمسان خلال العصر الزياني بلغ خمس مدارس رئيسة.
من جهة ثانية، أبدى حكام آل عبد الواد اهتمامًا بالغًا ببناء المدارس الإسلامية، وقد كان دعاة الشيعة هم من نشروا هذه الثقافة بحضورهم الكثيف هناك في قرن الشيعة، بيد أن أفولهم في النهضة السنية حوّل المغرب للتسنن وخاصةً للمذهب المالكي، ولذلك بنى بنو زيان مدارسهم على المذهب المالكي رغبةً في اجتثاث جذور المذهب الموحدي. كما هدفت هذه المدارس إلى نشر العلم والثقافة في تلمسان، وتوجيه الطلاب، مما أسهم في ازدهار الحياة العلمية والثقافية. واحتوت المدارس في المملكة على مكتبة لخدمة الطلاب، فضلًا عن جناح خاص لاستضافة الطلاب والمسافرين. وتلقى هذا الصرح التعليمي دعمًا ماليًا من السلطة المركزية والتجار والعلماء الميسورين.
وفي السياق ذاته، من أبرز الأمثلة على مدارس الزيانين المدرسة التاشفينية (التي هدمتها قوات الاستعمار الفرنسي لاحقًا) التي بناها أبو تاشفين الأول في أوائل القرن الرابع عشر الميلادي، وكانت ثاني مدرسة من معالم مدينة تلمسان العظيمة آنذاك. تميزت المدرسة بزخرفتها البديعة التي استعملت فيها بلاط الزليج النابض بالحياة، والذي زيّن جوانب عديدة من المبنى. تضمن هذا الأسلوب الرائع تجميع قطع البلاط بمهارة فائقة بألوان مختلفة، كالفيروزي والأزرق الفاتح والأسود والأبيض، لتشكيل فسيفساء متقنة، نتج عنها زخارف عربية وهندسية بديعة. جعلها هذا بالفعل أكبر مدرسة في كامل المغرب الإسلامي الكبير آنذاك، واستمرت في أداء رسالتها العلمية حتى نهاية القرن السادس عشر الميلادي. كان من بين أساتذتها المشهورين العالم المالكي أبو موسى المشاذلي، الذي كان من كبار العلماء.
وفي هذا السياق، كانت السلالة الزيانية أول من بنى مدارس إسلامية في الأراضي التي سيطرت عليها مملكة تلمسان في وسط المغرب العربي، على غرار السلالتين المجاورتين، الحفصيين والمرينيين، اللتين أدخلتا أولى المدارس الإسلامية إلى شرق وغرب المغرب العربي. بُنيت أول مدرسة دينية عام 1310 م في تلمسان على يد أبي حمو الأول، وسُميت "المدرسة القديمة" (وتُعرف الآن باسم مدرسة أولاد الإمام).
المظهر الخارجي
إضافةً إلى ذلك، أما المداخل، فتختلف أشكالها ومواقعها وعددها من مسجد لآخر. يقع المدخل الرئيس لمسجد سيدي بلحسن في منتصف الجدار الشرقي، وهو مدخل تذكاري بارز. أما المدخل الثاني فيفتح في الجهة الجنوبية الغربية، وهو مدخل بسيط وعادي يشبه المداخل الثلاثة لمسجد أولاد الإمام، أحدها على الجدار الشرقي والآخران على الجدار الشمالي المطل على الفناء المشترك مع المدرسة تاريخيًّا.
وفي هذا السياق، تظهر أسطح المساجد الثلاثة من الخارج على شكل هرم مائل أو مقطوع. يتناسب هذا النمط من التسقيف مع مناخ المنطقة، إذ يُسهّل تصريف مياه الأمطار وانزلاقها خلال فصل الشتاء، ويُوفّر التبريد داخل المسجد خلال فصل الصيف. تبدو الأسطح مغطاة ببلاط أخضر لامع صلب، وتمتد عموديًا على طول جدار القبلة في مسجدي سيدي بلحسن وأولاد الإمام، وبشكل موازٍ في مسجد سيدي إبراهيم، حيث تبرز قبته أمام المحراب قليلًا إلى الخارج، وتضم نوافذ صغيرة للإضاءة والتهوية، بعضها مفتوح والبعض الآخر مغلق. كما توجد نوافذ إضافية للإضاءة والتهوية في جدران المساجد الثلاثة.
وفي هذا السياق، يضم مسجد سيدي إبراهيم ثلاثة مداخل تذكارية بارزة تشغل جوانب المسجد الثلاثة باستثناء الجانب الجنوبي الشرقي. وقد تم تنظيمها بطريقة متوازنة ومنسقة.
إضافةً إلى ذلك، اتخذت المساجد في عهد آل عبد الواد شكلًا معماريًّا مستطيلًا، موجهًا من الشمال إلى الجنوب في مسجدي سيدي بحسن وسيدي إبراهيم، ومن الشرق إلى الغرب في مسجد أولاد الإمام. وتشغل المآذن إحدى زوايا المستطيل، مثلًا، الزاوية الجنوبية الشرقية في مسجد سيدي بحسن، والزاوية الشمالية الغربية في مسجد سيدي إبراهيم، والزاوية الشمالية الشرقية في مسجد أولاد الإمام.
الخلفية التاريخية
ومن جهة أخرى، عندما أعلن الأمير يغمراسين بن زيان استقلاله عن حكم الموحدين عام 1235 م، كان يهدف إلى ترسيخ كيان الدولة وإرساء دعائمها. وقد عيّن مدينة تلمسان عاصمةً سياسيةً لسلالة بني عبد الواد، وقاعدةً للمغرب العربي، ومركزًا للتأثير الثقافي في المغرب الإسلامي خلال العصور الوسطى. لعبت تلمسان دورًا هامًا في مختلف المجالات، لا سيما التجارة، حيث برزت كمركز تجاري رئيس، متفوقةً على تيارت في المنطقة. واحتضنت مراكز تجارية أوروبية سهّلت التواصل بين التجار الأفارقة والأوروبيين. ولعبت تلمسان دورًا حيويًا في تجارة الذهب الأفريقي، الذي وصل إلى أيدي الأوروبيين عبر هذه المدينة المحورية. وشهدت سلالة الزيان تطورًا وازدهارًا ملحوظين في مجال التخطيط العمراني. على الرغم من فترات الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي شهدتها تلمسان في ظل حكم الزيانيين، فقد شهدت المباني الدينية والمدنية والعسكرية نشاطًا ملحوظًا. إضافةً إلى ذلك، برز عدد كبير من العلماء، تاركين بصمةً واضحةً في مجالات العلوم والعمارة في المنطقة. ونتيجةً لذلك، اعتُبرت مدينة تلمسان (عاصمة الزيانيين) من أكثر مدن العالم تحضرًا وأمنًا.
كذلك، بعد معركة العقاب، شهد المغرب الإسلامي ظهور ثلاث سلالات رئيسة ابتداءً من القرن الثالث عشر: السلالة الحفصية في شرق المغرب (إفريقية/تونس)، والسلالة الزيانية في وسط المغرب (تلمسان)، والسلالة المرينية في غرب المغرب (مراكش). كان هذا الانقسام نتيجة حتمية للوضع السياسي المتوتر في المنطقة آنذاك، والذي أدى إلى صراعات وحروب. ومع ضعف دولة الموحدين، سعت كل سلالة من هذه السلالات إلى ترسيخ حكمها وتحديد حدودها على حساب السلالات الأخرى.
المظهر الداخلي
وفي هذا السياق، حافظت المساجد الزيانية على أساسها المعماري، باستثناء مسجد المشور الذي شهد تغييرًا جذريًا في شكله المعماري، ولم يتبقَّ منه سوى المئذنة كعنصر أصلي. في الواقع، تُعدّ المساجد الزيانية صغيرة الحجم مقارنةً بالمساجد المرابطية السابقة في تلمسان، مما يؤكد وظيفتها الثانوية كما يتضح من أبعادها العامة. فمثلًا، يبلغ طول مسجد سيدي بلحسن قرابة 10.20 مترًا وعرضه 9.70 مترًا، ويتميز بعدم وجود فناء داخلي. بينما يبلغ طول مسجد أولاد الإمام قرابة 9 أمتار وعرضه 6.30 مترًا. أما مسجد سيدي إبراهيم فيُعتبر الأكبر والأكثر اتساعًا، حيث يبلغ طول قاعة الصلاة فيه قرابة 19 مترًا وعرضها 15.40 مترًا.
ومن ناحية أخرى، يحتوي كل مسجد على باب صغير يؤدي إلى المئذنة. ويتصل مدخلا مسجدي سيدي بلحسن وأولاد الإمام مباشرة بقاعة الصلاة، بينما يؤدي مدخلان في مسجد سيدي إبراهيم إلى الجزء الخلفي من قاعة الصلاة، ويؤدي مدخل واحد إلى فناء مركزي مفتوح.
زخارف نباتية وزهرية
كذلك، حظيت الزخارف النباتية والزهرية باهتمام كبير خلال العصر الزياني. ويتجلى ذلك في تنوع العناصر المستعملة في مختلف المباني، بما في ذلك مسجد سيدي بلحسن. ومن بين هذه الزخارف سعف النخيل بأشكاله المختلفة، سواء كانت أشكاله بسيطة أو مزدوجة أو ثلاثية، فضلًا عن السيقان الحلزونية والمنحنية، والأوراق ثلاثية الفصوص، وكذلك الأوراق الرباعية، إلى جانب كرمة العنب التي كانت موجودة كذلك في زخارف حرفيي المرابطين: تتشابه جميع المباني الزيانية في أسلوب الزخرفة مع اختلافات طفيفة فقط. فمثلًا، تميز مسجد أولاد الإمام بزخارف نباتية تمثلت في سعف النخيل البسيط الذي يتضمن أوراقًا خماسية الشكل. ومن بين مكونات هذه الزخرفة النباتية "المحرة" والتي تتفرع منها سعف النخيل. ويتكرر هذا العنصر كذلك في تصميم مسجد سيدي إبراهيم.
التحصينات
إضافةً إلى ذلك، خلال فترة حكمهم، اتخذ الزيانيون تدابير هامة لتحصين الكثير من مدن المغرب الأوسط، بما في ذلك هنين، وندرومة، وتنس، وعاصمتهم تلمسان. فمثلًا، أحاطت بمدينة الجزائر أسوار مهيبة وعظيمة تحت قيادة السلطان أبو تاشفين الأول. بينما تركزت أغلب جهودهم في تلمسان بسبب الغارات المتكررة للمرينيين، حيث أحاطوا عاصمتهم بخندق عميق يحيط بالمدينة، مدعمًا بأسوار شاهقة مبنية من الطين والرمل والحجر الجيري.
إنشاءات أخرى
علاوةً على ذلك، دفعت الظروف السياسية والعسكرية التي واجهتها الدولة الزيانية، إلى جانب التطورات التي شهدتها الدولتان المرينية والحفصية المجاورتان، إلى التركيز على إنشاء تحصينات عسكرية متنوعة تتناسب مع الظروف السياسية والعسكرية السائدة وتعزز موقعها. ونتيجة لذلك، أصبحت هذه التحصينات العسكرية معقلًا للمنطقة.
في هذا الإطار، شيّد سلاطين الزيان الكثير من الحصون والقلاع والأبراج، وغيرها من التحصينات. ففي تلمسان، بنوا أبراجًا دفاعية لتعزيز عاصمتهم، من بينها قلعة المشوار وقلعة القلعة. وقد تكثف بناء هذه المنشآت خلال حصار بجاية وهجمات أخرى على الحفصيين، مثل تمززدكت التي زُودَت بثلاثة آلاف جندي. كما بنى أبو تاشفين المزيد من التحصينات على الجانب الشرقي من المملكة لتعزيز موقعه في تلك المنطقة، بما في ذلك قلعة بكر وقلعة ياقوت.
كذلك، في منتصف القرن الثالث عشر، تأسست تلمسان بدمج مدينتي تاجرارت وأغادير القديمتين في مدينة واحدة موحدة تحت حكم السلطان يغمراسن. في عهده، تحولت تلمسان إلى مدينة موحدة محمية بأسوار عالية، تتألف من سبع طبقات على وجه التقريب في بعض المناطق. كما شرع يغمراسن في بناء أسوار كاشوت المهيبة عام 1265 م. وصفها رحالة مغربي بأنها "أقوى الأسوار وأكثرها صلابة"، مما يدل على ارتفاعها وحصانتها.
الزخارف الخطية
ومن ناحية أخرى، استُخدم الخط العربي كذلك بالتنسيق مع الزخارف الهندسية والنباتية الأخرى، حيث يُشكّل بخط النسخ الذي يغطي أغلب الهوامش في مختلف الكتابات، وكثير منها آيات قرآنية. وكان هذا الخط الأكثر استخدامًا خلال العصر الزياني، على عكس المرابطين الذين كانوا أكثر استخدامًا للخط الكوفي. كما وُجد الخط الكوفي في محراب مسجد سيدي بلحسن ومجمع سيدي إبراهيم. كما استُخدم في تيجان الأعمدة واللوحات التذكارية، وظهر بشكل بارز في المساجد مثل مسجد سيدي إبراهيم، وكذلك المآذن مثل مآذن جامع ندرومة الكبير ومئذنة جامع المشوار.
الملاحظات
الاستشهادات
القصور
وفي السياق ذاته، انتشر بناء القصور على نطاق واسع في جميع أنحاء المملكة خلال العصر الزياني؛ إذ أبدى سلاطين الدولة الزيانية اهتمامًا كبيرًا بالبناء والتشييد. ومن بين أهم المعالم المعمارية التي شُيّدت خلال العصر الزياني القصور، ومنها قصر المشور.
وفي السياق ذاته، كان لدى يغمراسن شغفٌ كبيرٌ بالبناء والتشييد، وقد ورث ابنه أبو سعيد وحفيده أبو حمو الأول هذا الشغف، فأسسا مباني دينية ومعمارية حضرية. وتشير السجلات التاريخية إلى أن السلطان أبو حمو الأول بنى قصرًا قرب مدينة مزونة عندما فتحها عام 1311 م. وكان ابنه أبو تاشفين الأول (1318-1337 م) مهتمًا كذلك بالبناء، مما جعل عصره فترة ازدهار حضري في تلمسان. وبلغ عدد المنازل والقصور في عهده قرابة ستة عشر منزلًا وقصورًا. وكان مولعًا بشكل خاص ببناء القصور، ومن بين قصوره ثلاثة قصور شهيرة: دار الملك، ودار السرور، وقصر أبي فهر في مجمع المشوار. ومع ذلك، لا نعرف مواقعها الدقيقة لأن المرينيين دمروها عندما هاجم أبو العباس أحمد تلمسان عام 1387 م.
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟