عمارة أغلبية
المحتويات

تعريفًا بالموضوع، العمارة الأغلبية هي العمارة التي تعود إلى حكم الدولة الأغلبية في إفريقية (تونس الحالية) خلال القرن التاسع وبداية القرن العاشر الميلادي. حكمت الدولة الأغالبة اسميًا نيابةً عن الخلفاء العباسيين، الذين ربطتهم بهم علاقات سياسية وثقافية عديدة. إن العمارة الأغلبية قد تكون متأثرة بالعمارة البيزنطية والعمارة الساسانية السابقة، وتُعتبر العمارة الأغلبية امتدادًا للعمارة الإسلامية الممتدة من آسيا الوسطى وإيران، وهي تفرّع عن العمارة العباسية المعاصرة في الشرق. كما تميز العصر الأغلبي بوجود عدد كبير نسبيًا من المعالم التي صمدت حتى يومنا هذا، وهو أمر نادر في العمارة الإسلامية المبكرة. يُعد جامع القيروان الكبير، أحد أهم معالم هذه الفترة، نموذجًا لعمارة المساجد في المنطقة. ويضم أحد أقدم المآذن في العالم، ويحتوي على أحد أقدم المحاريب الباقية في العمارة الإسلامية. ونتناول فيما يلي مزيدًا من التفاصيل.
الخلفية التاريخية
إضافةً إلى ذلك، حظيت القيروان، باعتبارها مركز قوة الأغالبة، باهتمام ورعاية كبيرين. واهتم حكام الأغالبة بتزويد المدن بالماء - الذي كان يُنظر إليه على أنه واجب ديني - وببناء أو إعادة بناء المساجد كدليل مادي على وجود السلالة وشرعيتها. كان لتأسيس مدن أو مساكن ملكية جديدة، مثل العباسية والرقادة، قيمة رمزية كذلك كجزء من تصوير الأسرة الحاكمة لقوتها، وربما ساهم كذلك في إبعادها عن التوترات الاجتماعية والسياسية داخل القيروان. ولعب المسيحيون السابقون الذين اعتنقوا الإسلام دورًا محوريًّا في مجال العمارة في إفريقية خلال تلك الحقبة. وكان بعضهم من العبيد المحررين، المعروفين باسم "الموالي"، الذين استمروا في خدمة أسيادهم السابقين، وغالبًا ما كانوا يعملون كمشرفين في مشاريع البناء التي يرعاها أسيادهم.
ومن ناحية أخرى، في سنة 800 م، عيّن الخليفة العباسي هارون الرشيد إبراهيم بن الأغلب واليًا على المغرب العربي بأكمله (نظريًا، الأراضي الواقعة غرب مصر) فأسس الدولة الأغلبية، التي حكمت إفريقية اسميًّا نيابة عن الخلفاء العباسيين في بغداد، لكنها كانت تتمتع بحكم ذاتي فعلي. عمليًّا تركزت سلطتهم السياسية بشكل رئيس في منطقة إفريقية. و في ظل حكمهم، نمت القيروان لتصبح المركز الثقافي والروحي الرئيس للمسلمين السنة في المغرب العربي خاصة مع هجرات العرب، بعد أن كان السكان الأصليون للمنطقة اعتنقوا المذهب الشيعي في مدن المغرب (طالع: الدولة الإدريسية) ومذهب الخوارج في المناطق ذات النزعة القبلية. على الرغم من أن هذه المدينة كانت من حيث المبدأ العاصمة السياسية والاقتصادية، إلا أن حكام الأغالبة أنفسهم كانوا يقيمون عادةً في مواقع أخرى قريبة بُنيت خصيصًا لإيواء الحكومة، تزعم المصادر أنه بعد توليه السلطة عام 800 م، كان أول عمل قام به إبراهيم بن الأغلب هو تأسيس مقر إقامة ملكي جديد، وهو العباسية (التي سميت تكريمًا للعباسيين)، جنوب شرق القيروان مباشرة و تم بناؤها بين عامي 801 و 810 م، وتضمنت مسجدًا جامعًا وقصورًا خاصة به.
ومن ناحية أخرى، في عهد زيادة الله الأول (حكم من 817 إلى 838 م)، أحد أكفأ حكام السلالة، شرع الأغالبة في حملة فتوحات في وسط البحر الأبيض المتوسط، شملت فتح صقلية (بدءًا من عام 827 م)، وفتح مالطا (870)، وحملات إلى البر الإيطالي (أغلبها في ثلاثينيات وأربعينيات القرن التاسع الميلادي). وفي عام 876 م، نقل إبراهيم الثاني بن أحمد مقر إقامته الملكي من العباسية إلى مدينة قصر جديدة أسسها، أطلق عليها اسم رقادة، بالقرب من القيروان. احتوت المدينة على مسجد وحمامات وسوق وعدة قصور. أقام في قصر يُسمى قصر الفتح، والذي ظل مقر إقامة خلفائه (باستثناء بعض الفترات التي انتقلوا فيها إلى مدينة تونس).
من جهة ثانية، جرى الفتح الإسلامي للمغرب الكبير تدريجيًا خلال القرن السابع الميلادي. خلال هذه الفترة، تأسست مدينة القيروان عام 670 ميلاديًا، وكانت بمثابة العاصمة الإقليمية للمغرب العربي. كما تأسس جامع القيروان الكبير، وهو جامع المدينة، في سنة 670 ميلاديًا. أدت الثورة العباسية عام 750 ميلاديًا إلى سيطرة الخلفاء العباسيين على الدولة الإسلامية، وأطاحت بالخلفاء الأمويين السابقين. وفي إفريقية، كان لا بد من قمع الكثير من الثورات والهجمات على القيروان، وخاصة من الخوارج.
في هذا الإطار، بدأ حكم الأغالبة يضعف بحلول نهاية القرن التاسع، وفي سنة 909 م تم الإطاحة بهم نهائيًّا على يد جيش من قبيلة كتامة الأمازيغية بقيادة أبي عبد الله الشيعي، مما أدى إلى تأسيس الخلافة الفاطمية الشيعية الجديدة التي اتخذت من إفريقية مركزًا لها. وقد حافظت الدولة الفاطمية على الإرث المعماري الأغلبي ورعته حتى سقوطها.
مساجد جماعية أخرى
وعلى صعيد آخر، لا يُعرف تاريخ بناء الجامع الكبير في صفاقس بدقة، ولكن يُفترض أنه بُني في نفس الفترة الزمنية على وجه التقريب، قرابة عام 849، إلا أنه خضع لتعديلات واسعة النطاق بعد العصر الأغلبي. يُقال إن راعي بنائها هو القاضي علي بن أسلم الجبانياني. يضم المسجد فناءً مستطيلًا صغيرًا وقاعة صلاة كبيرة ذات أعمدة، ولكن يبدو أنه في القرن العاشر، ربما في عام 988، تم تقليص حجم المسجد عن طريق إزالة نصفه الغربي، مما جعله ذا تصميم أرضي أضيق، استُبدل المحراب الأصلي بمحراب جديد على الطراز الزيري في منتصف جدار القبلة المختصر. وبذلك أصبحت المئذنة، التي ربما كانت تقع في الأصل في منتصف الجانب الشمالي من الفناء (كما هو الحال في الجامع الكبير بالقيروان)، في زاوية فناء مُصغّر. إن المئذنة الأغلبية الأصلية، والتي ربما كانت برجًا نحيفًا نسبيًا من طابقين، مخفية الآن داخل مئذنة زيرية أكبر بُنيت حولها في أوائل القرن الحادي عشر. ثم جرى توسيع المسجد مرة أخرى في القرن الثامن عشر بتمديد قاعة الصلاة غربًا، مما أعطاه تصميمه الحالي. ولعلّ الشكل الأغالبي الأصلي للمسجد كان مشابهًا جدًا للجامع الكبير في القيروان. وكما هو الحال في الأخير، كانت قاعة الصلاة مغطاة بسقف خشبي مسطح مدعوم بأقواس تستند على أعمدة قديمة مُعاد استخدامها، تُزيّن الواجهة الخارجية الشرقية للمسجد بسلسلة من المحاريب المزخرفة على شكل حدوة حصان. قد تكون هذه المحاريب من المسجد الأصلي، لكن مظهرها غير المألوف قد يُشير إلى أنها تعود إلى فترة لاحقة، على الأرجح فترة الزيريين.
من جهة ثانية، وصف البلاذري (توفي عام 892) المسجد الجامع في العاصمة الإدارية للأغالبة، العباسية، بأنه يبلغ طوله وعرضه 200 ذراع، ومبني من الطوب وأعمدة رخامية، وسقفه من خشب الأرز. يشبه هذا الوصف وصف المسجد الجامع في بغداد في ذلك الوقت، مما قد يعني أن المسجد الجامع استُلهم منه، يعود الشكل العام الحالي للجامع الكبير في الزيتونة بتونس، الذي تأسس نحو عام 698 م، إلى إعادة بنائه في عهد الأمير الأغلبي أبو إبراهيم أحمد (حكم من 856 إلى 863). يشبه تصميمه إلى حد كبير تصميم الجامع الكبير في القيروان، حيث يضم فناءً وقاعة صلاة ذات أعمدة، ولكنه كان يفتقر إلى المئذنة. وقد عُدّلت أغلب تفاصيل الجامع وزخارفه في فترات لاحقة، ومئذنته الحالية هي إضافة لاحقة كذلك، الأجزاء الأكثر حفظًا من القرن التاسع هي الجزء الداخلي من قاعة الصلاة (على الرغم من إعادة بناء جزء منها لاحقًا) والأبراج الدائرية البارزة في الزوايا الشمالية والشرقية للمسجد. كما بنى الأغالبة مسجدين جماعيين آخرين في تونس، وهما الجامع الكبير بصفاقس (قرابة 849) والجامع الكبير بسوسة (851)، لكنهما يختلفان في الشكل تمامًا.
كذلك، أمر ببناء الجامع الكبير في سوسة عام 851 م أبو العباس محمد الأول، وأشرف على بنائه مدام الخادم، وهو مولى أبي العباس ومحرر من المماليك. يتميز بتصميم أرضي مستطيل الشكل يبلغ عرضه قرابة 57 متراً وطوله 50 مترًا (أو 59 × 51 مترًا بحسب مصدر آخر)، مقسمة بين فناء وقاعة للصلاة. تحتوي قاعة الصلاة على 13 رواقًا تفصل بينها صفوف من الأقواس. كانت القاعة في الأصل بثلاثة أروقة (ثلاثة أقواس) في العمق، ولكن تم توسيعها لاحقًا في نفس القرن بهدم جدار القبلة وتمديده بطول ثلاثة أروقة أخرى، يعود محرابها الحالي إلى أواخر العصر الزيري. في حين أن مخطط الأرضية لا يختلف كثيرًا عن مخطط الجامع الكبير في القيروان، إلا أن هيكل المبنى مختلف تمامًا بدلًا من أن تكون قاعة الصلاة مغطاة بأسقف خشبية مسطحة، فهي مغطاة بقباب من الحجارة غير المنتظمة، الأجزاء الأصلية من القاعة مغطاة بقباب أسطوانية، بينما أجزاء التوسعة اللاحقة مغطاة بقباب متقاطعة. لا تزال القبة الموجودة أمام المحراب الأصلي قائمة، وهي الآن في منتصف قاعة الصلاة، وتشبه قباب الجامع الكبير في القيروان، فهي ذات شكل أسطواني مثمن، وأقواس مزخرفة، ونقش كوفي، وزخارف نباتية منحوتة، أما طبلة القوسين على جانبي القبة، فهما مغطيان بنقوش تشبه رقعة الشطرنج، تتكون من معينات مملوءة بزخارف نباتية ووردية. في فناء المسجد، يمتد نقش كوفي طويل على طول الحافة العلوية للجدران المحيطة بالفناء، ويحتوي على أغلب مقتطفات القرآن الكريم. أما في الجانب الجنوبي من الفناء، فقد اختفى النقش الآن خلف رواق مقوس إضافي أُضيف في القرن الحادي عشر (ورُمِّم عام 1675 م) أمام الواجهة المقوسة الأصلية لقاعة الصلاة. في الركن الشمالي الشرقي للمسجد يوجد حصن أسطواني يعلوه جناح مثمن الأضلاع ذو قبة، والذي كان على الأرجح صومعة، وهي مساحة على مستوى السطح حيث كان المؤذن يرفع الأذان.
الحصون والأربطة
كذلك، من بين الكثير من الأربطة التي شُيّدت خلال هذه الحقبة، يُعدّ رباط سوسة ورباط المنستير من أبرز الأمثلة الباقية. يعود تاريخهما إلى أواخر القرن الثامن (قبل العصر الأغلبي بقليل)، مما يجعلهما أقدم المعالم الأثرية الباقية من العصر الإسلامي في تونس، على الرغم من خضوعهما لتعديلات لاحقة. تأسس رباط المنستير عام 796 م على يد والي العباسي هرثمة بن عيان، ولكنه خضع لتعديلات وترميمات وتوسعات متعددة، مما يجعل تحديد التسلسل الزمني لبنائه أمرًا صعبًا. وقد اكتسب مكانة مرموقة مع مرور الوقت كمكان للتعليم، وملاذ ديني، ومقبرة.
وفي السياق ذاته، رباط سوسة، الذي تأسس خلال فترة حكم والي العباسي يزيد بن حاتم المهلبي (توفي عام 787 م)، مبني من الحجر ويتكون من سور مربع الشكل يبلغ طوله قرابة 38 مترًا وارتفاعه 11 مترًا، تعزز الأبراج الدائرية زواياها ووسط جوانبها الأربعة، باستثناء الزاوية الجنوبية الشرقية، حيث يشكل برج مربع قاعدة لبرج أسطواني طويل يعلوه. في منتصف الجانب الجنوبي، يبرز نتوء مستطيل الشكل كبوابة دخول. البوابة مؤطرة بأعمدة قديمة أعيد استخدامها. يوجد داخل البوابة فتحات ضيقة كانت مخصصة لبوابة حديدية قديمة، وللمدافعين لإلقاء المقذوفات أو الزيت المغلي على المهاجمين. كانت غرف الحراسة متصلة بالرواق تؤدي البوابة إلى الفناء، الذي تحيط به أروقة من كل جانب، وخلفها صفوف من الغرف الصغيرة وطابق علوي. في الجانب الجنوبي من هذا الطابق العلوي توجد غرفة مقببة بها محراب (مكان مخصص لاتجاه الصلاة)، وهو أقدم مسجد أو قاعة صلاة محفوظة في شمال إفريقيا. توجد غرفة صغيرة أخرى في القلعة، فوق البوابة، تحتوي على محراب آخر، وهي مغطاة بقبة مدعومة بأعمدة. هذا هو أقدم مثال لقبة ذات أعمدة في شمال إفريقيا الإسلامية. من المرجح أن البرج الأسطواني الواقع فوق الزاوية الجنوبية الشرقية كان مخصصًا ليكون منارة. ويمكن الصعود إليه عبر درج حلزوني داخلي، ويوجد فوق مدخله لوحة رخامية منقوش عليها اسم زيادة الله الأول وتاريخ 821 م، وهو أقدم نقش تذكاري من العصر الإسلامي لا يزال موجودًا في تونس. وقد فسر بعض العلماء هذا التاريخ على أنه تاريخ تأسيس الرباط بأكمله وليس تاريخ بناء البرج فقط، أو كتاريخ إعادة بناء.
إضافةً إلى ذلك، شجع خطر الهجمات البيزنطية من البحر على بناء الحصون والتحصينات على طول ساحل إفريقية. وكانت الأربطة أحد أنواع المباني التي انتشرت بكثرة في ظل حكم الأغالبة. كانت هذه المواقع بمثابة حصون سكنية وملاذات دينية، فهي في آن واحد هياكل دفاعية وأديرة إسلامية يجتمع فيها المحاربون المتدينون للجهاد. وكانت عادةً عبارة عن أسوار محصنة مربعة أو مستطيلة الشكل، ذات أفنية داخلية محاطة بغرف وغرف مشتركة بُنيت هذه الأربطة على فترات منتظمة على طول الساحل. زعم الجغرافيون في العصور الوسطى أن الأربطة بُنيت على مسافات دقيقة من بعضها البعض للسماح بنقل الإشارات من رباط إلى آخر باستخدام المرايا والنيران، مما يسمح بنقل الرسائل بسرعة على طول ساحل شمال إفريقيا لا تزال بقايا الكثير من الأربطة والتحصينات الصغيرة الأخرى موجودة على طول المناطق الساحلية التونسية. وقد بُني بعضها فوق تحصينات رومانية أو بيزنطية سابقة أو كانت حصونًا بيزنطية سابقة أعاد ترميمها الحاميات الإسلامية. لذلك تأثير العمارة البيزنطية موجود في بعض التحصينات التي بناها الأغالبة.
مستشفيات بيماريستان
- طالع كذلك
- العمارة التونسية
- ملاحظات
وفي هذا الصدد، بُني أول مستشفى معروف في تونس الحالية على يد زيادة الله الأول بين عامي 825 و835 م في حي الدمة بمدينة القيروان. أصبح هذا المستشفى نموذجًا للمستشفى الذي بُني لاحقًا في تونس وصفاقس وسوسة. تأسس أول مستشفى في تونس قرابة عام 903 م، خارج أسوار المدينة. كان التصميم المعتاد لهذه المباني يتألف من فناء مركزي محاط برواق مقوس يؤدي إلى الكثير من الغرف. وكان المدخل عبر ممر مسقوف (سقيفة) على المحور المركزي للفناء. وعلى طول هذا الممر، كانت توجد مقاعد للزوار القادمين لرؤية المرضى، إلى جانب غرف للحراس. وفي الجهة المقابلة للمدخل من الفناء، كانت توجد عادةً غرفة للصلاة. ومن الفناء، كان بالإمكان كذلك الوصول إلى قسم معزول مخصص لمرضى الجذام. غالبًا ما كانت المستشفيات مجهزة بخزان وبئر خاصين بها لتوفير المياه.
الجامع الكبير في القيروان
إضافةً إلى ذلك، يُعدّ الجامع الكبير في القيروان أحد أهمّ المعالم الأثرية للأغالبة، وقد أُعيد بناؤه بالكامل عام 836 م على يد الأمير زيادة الله الأول، على الرغم من إجراء الكثير من الإضافات والترميمات لاحقًا مما يُعقّد التسلسل الزمني لبنائه. و إلى جانب بناء زيادة الله الأول، يبدو أن حملة أخرى من الإصلاحات والتجديدات قد جرت في عهد أبي إبراهيم أحمد، كان تصميم المسجد نقطة مرجعية رئيسة في التاريخ المعماري للمساجد في المغرب العربي. يضم المسجد فناءً مستطيلًا ضخمًا، وقاعة صلاة كبيرة ذات أعمدة، ومئذنة سميكة من ثلاثة طوابق. تنقسم قاعة الصلاة إلى 17 رواقًا أو صحنًا بواسطة صفوف من الأقواس، مع رواق عرضي على الجانب الجنوبي يمتد بمحاذاة جدار القبلة، عموديًّا على الرواق الأخرى. صُنعت الأعمدة من أنواع مختلفة من الرخام والجرانيت والبورفيري، بينما تتميز تيجانها بتصاميم متنوعة، مما يشير إلى أنها نُقلت من الكثير من المباني القديمة المختلفة. يعكس تصميم قاعة الصلاة كذلك استخدامًا مبكرًا لما يُعرف بـ"التصميم على شكل حرف T"، حيث أن الصحن المركزي (المؤدي إلى المحراب) والممر العرضي على طول جدار القبلة أعرض من الممرات الأخرى، ويتقاطعان أمام المحراب. ويواجه مدخل الصحن المركزي من الفناء قبة عالية تُسمى قبة البهو.
في هذا الإطار، ظهرت أولى المآذن البرجية المعروفة في عهد الدولة العباسية. وبحسب مؤرخ الفن ، لم تُبنَ المآذن العباسية المبكرة لرفع الأذان، بل كانت تُعتبر معالم بارزة ترمز إلى وجود الإسلام، ومناسبة للمساجد الكبرى. ولم يتطور دورها كمنصة للمؤذن ورفع الأذان إلا لاحقًا، بما أن المآذن الأولى كانت ابتكارًا أدخله العباسيون، فقد ارتبطت رمزيًّا بسلطتهم. وتُعد مئذنة جامع القيروان الكبير، التي تعود إلى فترة إعادة بناء الأغالبة، أقدم مئذنة باقية في شمال إفريقيا والعالم الإسلامي الغربي، وواحدة من أقدم المآذن في العالم. وهي تتألف من برج ضخم ذي قاعدة مربعة، يبلغ عرضه 10.5 مترًا عند القاعدة ويتناقص تدريجيًا نحو قمته التي يبلغ ارتفاعها 18.5 مترًا. ويعلوه قسم مربع ثانٍ، يعلوه بدوره قسم ثالث مقبب (أُعيد بناؤه في فترة لاحقة)، ويرجح المستشرقون أنه من المرجح أن شكل البرج قد تم تصميمه على القديمة في شمال إفريقيا، وربما على وجه الخصوص منارة سلقطة (سوليكثوم).
وفي هذا الصدد، يُعد المحراب من أقدم الأمثلة من نوعه، وهو مزين بشكل غني بألواح رخامية منحوتة بزخارف نباتية بارزة، وببلاط خزفي ذي وبريق. بجوار المحراب يوجد أقدم منبر باقٍ في العالم، مصنوع من ألواح خشب الساج المنحوتة بدقة، ويُعتقد أن كلًّا من الألواح المنحوتة للمنبر وبلاط السيراميك (الخزف) للمحراب مستوردان من العراق العباسي. تُعدّ القبة الأنيقة أمام المحراب، ذات القاعدة المزخرفة بدقة، من أبرز المعالم المعمارية لهذه الفترة. يتناقض تصميمها الخفيف مع البنية الضخمة للمسجد المحيط، وقاعدة القبة مزينة بزخارف دقيقة من الأقواس العمياء، وأقواس منحوتة على شكل أصداف، وزخارف متنوعة منحوتة بنقوش بارزة، يعود تاريخ القبة، فضلًا عن الأروقة المحيطة بالفناء، والمنبر، وبلاط المحراب، إلى فترة تدخل أبي إبراهيم أحمد في المسجد.
البنية التحتية للمياه
علاوةً على ذلك، أنشأ الأغالبة كذلك شبكة واسعة من محطات المياه لتوفير المياه لمدينة القيروان ومجمعاتها القصرّية المجاورة، الواقعة في منطقة جافة وقاحلة. جُمعت المياه في سلسلة من الخزانات الكبيرة، لا يزال اثنان منها قائمين حتى اليوم خارج أسوار القيروان، ويُعرفان باسم أحواض الأغالبة. خلال العصر الغالب، كانت المياه تُجلب إلى المدينة والخزانات من السهول المحيطة بها عن طريق سحبها من وادي مرق الليل وروافده. حُوّلت المياه بنظام من السدود الصغيرة والقنوات إلى الخزانات. كما بُنيت قناة مائية لجلب المياه من ينابيع جبال شرشيرا (أو خريشيرا)، التي تبعد 36 كيلومترًا غرب القيروان. يُرجح أن القناة المائية بُنيت خلال العصر الأغلبي، وقد جُددت وطُورت بشكل أفضل لاحقًا خلال العصر الفاطمي. يتكون كل من خزاني المياه الأغلبيين الباقيين في القيروان، واللذين بُنيا بين عامي 860 و862 م، من حوضين دائريين كبيرين كانا بمثابة خزانات ترسيب، والتي بدورها كانت تملأ صهريجًا مغطى. في وسط أكبر حوض مائي يوجد اليوم عمود حجري متعدد الفصوص، ربما كان جزءًا من أساسات جناح ترفيهي كان قائمًا فوق الماء. كما زُوّدت مدينة الرقادة المجاورة بخزانات مربعة كبيرة فوق سطح الأرض، كانت جدرانها مُدعمة بأبراج دائرية.
ومن ناحية أخرى، كان للهندسة الهيدروليكية تاريخ طويل في المنطقة، فقد نجت بعض القنوات المائية وغيرها من المنشآت المائية من العصر الروماني والبيزنطي ورممها المسلمون لاحقًا وبنوا نماذج أكثر تطورًا في أوائل العصر الإسلامي. ومع اعتقاد بعض المستشرقين أن صهريج "سفرة"، الواقع في وسط مدينة سوسة القديمة، صهريجًا يعود إلى ما قبل الإسلام، قد جُدِّد أو أُعيد بناؤه في عهد إبراهيم الثاني (حكم من 875 إلى 902 م)، إلا أن الاعتقاد السائد هو أنه بناء إسلامي خالص. يتألف الصهريج من حجرة كبيرة ذات سقف مقبب أسطواني، مقسمة بصفوف من الأقواس المدعومة بأعمدة مربعة، مع فتحات مستطيلة في السقف تسمح بإضافة الماء من الخارج. كما يوجد حوض ترسيب دائري صغير على جانبه الجنوبي.
أسوار المدينة
وفي هذا السياق، تشير السجلات إلى أن أسوار مدينة صفاقس قد بُنيت عام 859 على يد القاضي المحلي علي بن أسلم البكري، في عهد أبي إبراهيم أحمد (حكم من 856 إلى 863 م)، خضعت الجدران لعمليات ترميم وتعديل كبيرة على مر الزمن. تتميز هذه القلاع بشكلها الرباعي أو المستطيل على وجه التقريب، وهي محصنة اليوم بحوالي 69 برجًا بأشكال متنوعة (مستطيلة في الغالب ولكن بعضها متعدد الأضلاع). تشغل قصبة المدينة (القلعة) وثلاثة أبراج أو حصون أخرى أكثر تحصينًا الزوايا الأربع لهذا المستطيل. تتألف تحصينات الأغالبة من جدران ستائرية مبنية من والحجارة المنحوتة، مع ممتد على طول قمتها. عادةً ما تكون واجهتها الخارجية مائلة وأحيانًا تتسع عند القاعدة. بعض الأبراج مزينة من الخارج بطنف ذي أسنان (دنطيل).
وفي هذا السياق، كما احتفظت مدينة سوسة القديمة ببعض أسوارها الدفاعية، والتي يعود تاريخ نقش باقي عليها إلى عام 859 م. بُنيت الأسوار من الحجر، وهو أمر شائع في مباني هذه المدينة، لكن أسوار المدن الأخرى في المغرب العربي كانت تُبنى عادةً من الطين المدكوك أو الطوب. تُتوّج الأسوار بشرفات دائرية على الطراز البيزنطي. في الركن الجنوبي الغربي من الأسوار تقع القصبة، التي بُنيت لأول مرة عام 850 في عهد أبي العباس محمد (حكم من 841 إلى 856 م)، ولكن أُعيد بناؤها عدة مرات منذ ذلك الحين. في الركن الجنوبي الغربي من القصبة يوجد برج أطول بكثير يُعرف باسم برج خلف الفتا، سُمّي على اسم عبد مُعتَق ومسؤول حكومي خدم زيادة الله الأول وأشرف على بنائه. شُيّد هذا البرج في نفس وقت تأسيس القصبة على وجه التقريب. وربما استُخدم هذا البرج كذلك كمنارة أو برج إشارة. يبلغ ارتفاعه 13 مترًا، ولكن نظرًا لبنائه على موقع مرتفع، فإن قمته ترتفع 77 مترًا فوق مستوى سطح البحر، مما يجعله مرئيًا من بعيد ويمنحه إطلالات رائعة على المنطقة، يتألف البرج من قسمين مكعبين متراصين فوق بعضهما البعض، ويحتوي كل منهما على أربع غرف. تحتوي الغرفة الموجودة في الطابق الثاني على محراب صغير، مما يشير إلى أنها كانت تُستعمل كغرفة صلاة للجنود الذين كانوا يتمركزون فيها.
المساجد
أعمال مدنية
ومن جهة أخرى، كما بنى الأغالبة بنية تحتية واسعة النطاق ومبانٍ أخرى لأغراض مدنية. وتشير النصوص التاريخية إلى أنهم بنوا الكثير من الحمامات العامة، والخانات (فنادق قديمة)، وبيمارستانات (مستشفيات قديمة)، إلا أن هذه المباني لم تصمد. كما بنوا الكثير من الجسور فوق الأنهار، ولا يزال اثنان منها قائمين بالقرب من القيروان وهرقلة.
مساجد صغيرة
وعلى صعيد آخر، بينما رعى حكام الأغالبة بناء مساجد جماعية كبيرة للتعبير علنًا عن تقواهم وتعزيز سمعتهم، استمر الرعاة المحليون الأقل ثراءً في تكليف بناء مساجد صغيرة في الأحياء. يُعدّ مسجد ابن خيرون الصغير في القيروان، المعروف كذلك باسم "مسجد الأبواب الثلاثة"، مثالًا على ذلك. يُنسب النقش الموجود على واجهته تأسيسه إلى راعٍ غير معروف نسبيًا، هو محمد بن خيرون، عام 866 م. وبحسب الباحث مراد رماح، تُعتبر واجهة المسجد أقدم واجهة خارجية مزخرفة في العمارة الإسلامية. وهي مصنوعة من الحجر الجيري، ومنحوتة بنقوش كوفية، إلى جانب زخارف نباتية كالأغصان والوريدات.
القصور
إضافةً إلى ذلك، ومن المساجد المحلية الصغيرة الأخرى التي تعود إلى هذه الفترة مسجد بو فتاتة في سوسة، والذي يعود تاريخه إلى عهد أبي عقال الأغالب بن إبراهيم (حكم 838-841 م). وهو مبني كذلك من الحجر الجيري، ويضم قاعة صلاة ذات أعمدة أمامها رواق خارجي بثلاثة أقواس. ويوجد نقش كوفي كبير محفور أعلى الواجهة الأمامية. يُعد كل من مسجد ابن خيرون ومسجد بو فتاتة من الأمثلة المبكرة على المساجد ذات "التسعة أروقة"، أي أن تصميمها الداخلي مربع الشكل، مقسم إلى تسعة أروقة مربعة أصغر، عادةً ما تكون مقببة، مرتبة في ثلاثة صفوف من ثلاثة. وقد وُجد هذا النوع من التصميم لاحقًا في أجزاء كثيرة من العالم الإسلامي، في الأندلس وحتى آسيا الوسطى، مما يشير إلى أن هذا التصميم ربما انتشر على نطاق واسع بفضل الحجاج المسلمين العائدين من مكة المكرمة. أُضيفت مآذن إلى كلا المسجدين خلال العصر الحفصي.
العباسية
ومن جهة أخرى، لم يتبق الكثير من المعلومات أو ما هو معروف عن المقر الملكي الأغالبي في العباسية كان قصر إبراهيم الأول بن الأغالب يُعرف باسم الرصافة، وهو اسم مكاني ربما كان مرتبطًا بنوع معين من الحدائق، وقد أُطلق هذا الاسم نفسه على العقارات الريفية في وقت سابق في الشام في بداية العصر الأموي (نهاية الخلافة الراشدة) وفي وقت لاحق في الخلافة الأموية في الأندلس. كانت العباسية تضم كذلك مسجدًا جامعًا وسوقًا وقصرًا آخر يُسمى قصر الأبيض، جعلها مدينة مستقلة فعليًّا.
رقاقة
وفي السياق ذاته، كان هذا القصر ذو الفناء محاطًا بحي سكني والكثير من المباني الأخرى. وإلى الشمال الشرقي منه، كانت هناك حوضة مائية كبيرة غير منتظمة الشكل، يتراوح عرضها بين 90 و130 مترًا. ومن المرجح أنها كانت بمثابة خزان لإمدادات المياه للمدينة الملكية، ولكن ربما كانت كذلك جزءًا لا يتجزأ من المشهد المعماري للقصور. ومن بين القصور الأخرى المذكورة في المصادر التاريخية، كان أحدها قصر البحر، مما يشير إلى قصر مرتبط بحوض مائي كبير. لم يُعثر بعد على هذا القصر في الرقادة، ولكن توجد أدلة على وجود مبانٍ بجوار حوض الماء الرباعي المذكور آنفًا، والتي يمكن تحديدها كجزء من هذا القصر. كان من شأن المسطحات المائية الكبيرة أن تلعب دورًا جماليًّا من خلال عكس صور المباني المجاورة ومنحها مظهرًا أكثر إشراقًا. ربما استُخدم حوض الماء في رقادة كذلك لإقامة حفلات القوارب ومسابقات ، يُعد قصر البحر في الرقادة أقدم مثال على هذا النوع من "القصور المائية" في منطقة البحر الأبيض المتوسط، مع وجود أمثلة لاحقة في العاصمة الفاطمية المنصورية والعاصمة الحمادية قلعة بني حماد. وربما استُلهم تصميمه من قصور سامراء العباسية، حيث كانت توجد بركة كبيرة أمام باب العمة، ومن المحتمل أن يكون أصله من فن العمارة الساسانية الإيرانية القديمة، مثل قصر شيرين في إيران، أما القصر الثالث المسمى، قصر الفتح، فكان مقر إقامة الأمير إبراهيم الثاني، لكن موقعه غير معروف.
من جانب آخر، تم التنقيب جزئيًّا عن بعض الآثار المتبقية من مدينة رقادة الملكية ومقر إقامتها في وقت لاحق. كانت تقع على بعد 4 كيلومترات جنوب القيروان، وقد عُثر على بقاياها في موقع تبلغ مساحته قرابة 9 كيلومترات مربعة، مما يشير إلى أن المدينة نمت لتصبح كبيرة نسبيًّا. عُثر في الموقع على شظايا من الزخارف الجصية المنحوتة المشابهة لتلك الموجودة في سامراء العباسية.
كذلك، لم يقم علماء الآثار بدراسة سوى مبنى قصر واحد. بُني هذا القصر من الطوب اللبن، ومرّ بمراحل بناء وتوسعة متعددة. شُيّد في البداية على شكل سور مربع على وجه التقريب، بأبعاد 55 × 55 مترًا، ودُعمت جدرانه الخارجية بأبراج أو دعامات دائرية. كانت الجدران المدعمة بهذا الشكل سمة مميزة لعمارة الحصون الرومانية، كما وُجدت كذلك في العمارة الإسلامية المبكرة. احتوى المبنى على فناء مستطيل مركزي محاط بغرف، من بينها قاعة استقبال كبيرة في منتصف الجانب الشمالي. وبناءً على تصميمه، يُرجّح أن يكون هذا المبنى هو ما تُشير إليه المصادر التاريخية باسم قصر الفناء. كان يُدخل إلى المبنى من الجنوب عبر مدخل مُنحني (ممر يلتف بزاوية 90 درجة مرتين)، وهي سمة شائعة في العصر العباسي كإجراء دفاعي ووسيلة للحفاظ على خصوصية السكان في الداخل. وكان المدخل يؤدي مباشرة إلى الفناء. كان يوجد خزان تحت وسط الفناء حيث تُجمع مياه الأمطار وتُخزن لاستخدامها لاحقًا. أما قاعة الاستقبال الشمالية، ذات الشكل المربع على وجه التقريب، فكانت مقسمة إلى ثلاثة أروقة تمتد من الشمال إلى الجنوب بواسطة صفين من أربعة أعمدة. وربما كان محراب صغير أو تجويف نصف دائري في الجزء الخلفي من القاعة يُشير إلى موقع مقعد الأمير أو عرشه. أصبح هذا النوع من القاعات ذات الأعمدة الباسليقية سمة متكررة في العمارة القصرّية في العالم الإسلامي الغربي. وفي مرحلة لاحقة من البناء، وُسّع سور القصر شمالًا وغربًا حتى بلغ قياسه 105 × 105 أمتار. وقد شُغلت المساحة الإضافية بأماكن سكنية. وخضع التصميم الداخلي لمزيد من إعادة التنظيم لاحقًا خلال فترتي سيطرة الفاطميين والزيريين للموقع.
الخصائص العامة
من جانب آخر، ظلّت العمارة الأغالبة متأثرة بشدة بتقاليد العصور القديمة، ويتجلى ذلك في الاستخدام الواسع النطاق للحجر وبعض التقنيات الزخرفية المرتبطة به. كما أُعيد استخدام آثار إفريقية الرومانية بشكل متكرر كمصدر لمواد البناء، لا سيما الرخام والحجر المنحوت. ونظرًا لارتباط الأغالبة بالعباسيين في بغداد، فقد استوردوا أو تبنّوا أحدث التقنيات من الطراز العباسي السائد في العراق، كما يتضح في بلاط المحراب المطلي بالخزف المصقول (البرونز) في جامع القيروان الكبير، وزخارف الجص المنحوتة في الرقة، ونقوش الحجر في مسجد ابن خيرون.
من جانب آخر، شهد قرن الحكم الأغلبي قدرًا من الاستقرار السياسي والاستمرارية، مما أتاح ازدهار رعاية الفنون المعمارية. ويُعدّ العدد الكبير نسبيًّا من المعالم الأثرية الباقية من هذه الفترة في منطقة واحدة أمرًا غير معتاد في هذا العصر من العمارة الإسلامية، مما يسمح بدراسة أكثر تفصيلًا لتطورها المعماري.
وفي السياق ذاته، يظهر استخدام القوس ذي الشكل الحذوي في إفريقية بوضوح في هذه الفترة، على الرغم من أن هذا الشكل ليس بارزًا كما كان في فترات ومناطق أخرى من العمارة الإسلامية. بعض الأقواس الصغيرة، وخاصة تلك المستعملة في المحاريب والزخارف، لها منحنى متصل واحد (أي منحنى يمكن رسمه بضربة واحدة بالفرجار)، ولكن في أغلب الأحيان كانت الأقواس مدببة قليلاً أو مشوهة بالقرب من قممها العلوية.
التحصينات
وفي هذا السياق، خلال العصر الأغالبة، يمكن ملاحظة بدايات الزخارف العربية ذات الترتيب الهندسي، ولكن هذه التقنية الزخرفية شهدت تطورًا ملحوظًا في فترات لاحقة. و لم تكن الزخارف الهندسية المميزة للفن الإسلامي المتأخر تحتل دورًا بارزًا بعد. استُخدمت النقوش العربية المنحوتة بالخط الكوفي على نطاق واسع وإن كان بشكل متفرق في الزخرفة كذلك. وتشهد هذه الفترة على وجود تركيبات نباتية متنوعة من الأوراق والسيقان، حيث تختلف التصاميم باختلاف ما إذا كانت تملأ أفاريزًا طويلة أو لوحات أكبر. من الزخارف المميزة للعصر الأغلبي استخدام الزهرية داخل مربعات أو دوائر أو معينات. نُحتت هذه الزخارف على الحجر ووُجدت في مساجد القيروان وسوسة. كما أن البلاطات المربعة على محراب الجامع الكبير في القيروان مُرتبة بنمط يُذكّر بهذه الزخرفة.
كذلك، على الرغم من إعادة استخدام الكثير من الأعمدة وتيجانها من المباني القديمة، إلا أن بعض تيجان الأعمدة الموجودة في مساجد الأغالبة تبدو وكأنها إبداعات معاصرة من العصر الأغالبي. فهي تتميز بزخرفة بسيطة وعريضة منحوتة على شكل أوراق على كل جانب من جوانب التاج، لكنها برأي المستشرقين مستوحاة في نهاية المطاف من النماذج الكورنثية القديمة. كما أنها تشبه نماذج من مصر، وهو ما أشار إليه جورج مارسيه بأنه قد يدل على نمط عام مستعمل في المغرب الإسلامي الكبير خلال تلك الحقبة.
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟