عقيدة معركة الجو والبر
المحتويات

تعريفًا بالموضوع، عقيدة معركة الجو-البر (بالإنجليزية: AirLand Battle) هي عقيدة عسكرية أمريكية ظهرت في أوائل الثمانينيات، وصارت الإطار العام الذي استند إليه جيش الولايات المتحدة في تصوره للحرب التقليدية الكبرى في أوروبا خلال الحرب الباردة. وقد ارتبطت هذه العقيدة على نحو خاص باحتمال اندلاع حرب واسعة مع قوات حلف وارسو في أوروبا الوسطى، ولا سيما في ألمانيا الغربية. ونتناول فيما يلي مزيدًا من التفاصيل.
من جهة ثانية، وتقوم الفكرة الأساسية للعقيدة على أن المعركة الحديثة تُخاض على امتداد أوسع وأعمق، بحيث تتعاون القوات البرية والجوية معًا لضرب قوات العدو الأمامية واحتياطياته الخلفية ومراكز قيادته ووسائل إمداده في الوقت نفسه.
الإرث
كذلك، ظلت معركة الجو-البر مؤثرة حتى بعد نهاية الحرب الباردة. وقد تغيرت العقيدة الأمريكية لاحقًا مع إصدار FM 3-0 سنة 2001، حيث تبنى الجيش مفهوم عمليات الطيف الكامل أو هيمنة الطيف الكامل، الذي وسع الاهتمام من الحرب التقليدية الكبرى إلى أنواع أوسع من العمليات.
- انظر كذلك
- الحرب الباردة
- حلف شمال الأطلسي
- حلف وارسو
- إم1 أبرامز
- إيه إتش-64 أباتشي
- القوات الجوية الأمريكية
- المراجع
كذلك، ومع هذا، بقيت عناصر كثيرة من معركة الجو-البر حاضرة في التفكير العسكري الأمريكي، مثل أهمية العمق، وأهمية التنسيق بين الأفرع، وضرورة ربط الأهداف التكتيكية بالأهداف العملياتية، وكذلك مركزية القيادة والسيطرة والمعلومات في ساحة المعركة. ولهذا كثيرًا ما تُذكر هذه العقيدة بوصفها مرحلة مفصلية في تطور الفكر العسكري الأمريكي الحديث.
التطور والقيادة وصنع القرار
ومن ناحية أخرى، من الناحية السياسية-العسكرية، ارتبط تطور العقيدة بعمل قيادة التدريب والعقيدة (TRADOC)، وهي الجهة التي تولت صياغة التفكير العملياتي الجديد للجيش الأمريكي. وقد كان الجنرال ويليام إي. ديبوي من الشخصيات الأساسية في مرحلة ما بعد فيتنام، ثم جاء بعده الجنرال دون أ. ستاري الذي عُدّ القوة الأهم في نقل الجيش من الدفاع النشط إلى معركة الجو-البر.
من جهة ثانية، كان على القيادة العسكرية الأمريكية أن توازن بين ضرورات السياسة، ومخاوف الحلفاء الأوروبيين، وإمكانات الصناعة العسكرية، والعلاقة المعقدة بين الجيش والقوات الجوية.
من جانب آخر، وفي هذا المعنى، كانت العقيدة كذلك وسيلة لصنع قرار عسكري واضح: إذا اندلعت حرب في أوروبا، فلا ينبغي انتظار العدو حتى يستهلك خط الدفاع الأول، بل يتعدى ذلك إلى تعطيل اندفاعه مبكرًا، وضرب مراكزه واحتياطياته وإيقاعه في الارتباك قبل أن يبلغ كامل قوته على الجبهة.
التحديث العسكري والأنظمة المرتبطة
كذلك، الأباتشي صُممت لضرب دبابات العدو في العمق، قبل أن تصل إلى خط القتال. الأبرامز قوية وسريعة، تناسب حرب الحركة السريعة والاشتباك المباشر. الباتريوت تحمي السماء من الطائرات والصواريخ، حتى لا يُشلّ الجيش من الأعلى. البلاك هوك تنقل الجنود بسرعة، وتدعم العمليات في أي مكان خلال وقت قصير. البرادلي ترافق المشاة في نفس سرعة الدبابات، حتى لا يتأخروا عنها.
وفي هذا الصدد، اقترنت العقيدة ببرنامج تحديث واسع في الجيش الأمريكي، لأن الفكرة الجديدة احتاجت إلى أدوات جديدة. ومن أكثر الأنظمة التي ارتبط اسمها بهذه المرحلة ما عُرف لاحقًا باسم الخمسة الكبار، وهي دبابة إم1 أبرامز، ومركبة برادلي القتالية، ومروحية إيه إتش-64 أباتشي، ومروحية يو إتش-60 بلاك هوك، ومنظومة باتريوت للدفاع الجوي.
في هذا الإطار، وقد حددت العقيدة نوع الأسلحة المطلوبة حيث تكون سريعة، دقيقة، وعميقة (تصل إلى الخلف).
الخلفية التاريخية
ومن ناحية أخرى، كما كان لأثر حرب أكتوبر سنة 1973 دور مهم في هذا التحول، إذ أظهرت الحرب أن ساحة القتال الحديثة أصبحت أكثر فتكًا بسبب الصواريخ المضادة للطيران والمدرعات، وتحسن الاستطلاع، وارتفاع كثافة النيران. وهذا دفع المخططين الأمريكيين إلى التفكير في معركة أكثر حركة، وأكثر اعتمادًا على التنسيق بين الجو والبر، بدل الاكتفاء بالدفاع الثابت نسبيًا.
ومن جهة أخرى، جاءت عقيدة معركة الجو-البر في مرحلة كانت فيها القوات المسلحة الأمريكية تعيد النظر في خبرتها بعد حرب فيتنام. ففي السبعينيات، كان الجيش الأمريكي يحاول أن يجيب عن سؤال كبير: كيف يمكن خوض حرب تقليدية كبرى ضد خصم متفوق عددًا في الدبابات والمدفعية والقوات البرية؟ وكان المقصود بهذا الخصم أساسًا الاتحاد السوفيتي وحلفاءه في حلف وارسو.
كذلك، وكانت العقيدة التي سبقتها، المعروفة باسم الدفاع النشط، قد وُضعت في إصدار عام 1976 من الدليل الميداني FM 100-5. وقد أكدت تلك العقيدة أهمية صد الهجوم السوفيتي عند المقدمة، لكنها تعرضت لانتقادات لأنها ركزت كثيرًا على المعركة الأولى عند الخطوط الأمامية، ولم تعالج بالقدر الكافي مشكلة القوات السوفيتية المتتابعة في العمق، أي القوات التي يمكن أن تدخل القتال بعد الموجة الأولى.
ساحة المعركة الممتدة
من جهة ثانية، وقد أكد دون أ. ستاري أن القتال الناجح يحتاج إلى التفكير في الزمن كما يحتاج إلى التفكير في المسافة، ليس المهم فقط أين تضرب، بل كذلك متى تضرب. لأن تعطيل قوات العدو في الخلف يمكن أن يخلق «نوافذ زمنية» تمنح المدافع فرصة أفضل للمبادأة أو للهجوم المضاد.
في هذا الإطار، ويجد هذا التصور جذورًا تاريخية في الخبرة السوفيتية خلال الحرب العالمية الثانية، ولا سيما في الهجمات الكبرى على الجبهة الشرقية، حيث اعتُمِد في عدد من العمليات على زجّ تشكيلات متعاقبة من المشاة والدروع والمدفعية من أجل إنهاك الدفاعات الألمانية ثم اختراقها واستثمار الانهيار في العمق.
إضافةً إلى ذلك، من أشهر الأفكار المرتبطة بالعقيدة مفهوم ساحة المعركة الممتدة أو البعد الممتد للمعركة. ومقصوده القائد العسكري لا ينظر فقط إلى العدو الموجود أمامه مباشرة، بل ينظر إلى “الصورة الكبيرة” كلها. والصورة الكبيرة تعرف على أنها الأسئلة الأربعة التالية:
- من أين يأتي هذا العدو؟ (طرق الإمداد)
- هل عنده قوات إضافية في الخلف؟ (الاحتياطيات)
- أين قيادته؟ (مراكز القيادة)
- كيف تصل له الأسلحة والذخيرة؟ (الجسور، الطرق، المدفعية)
وفي هذا السياق، هذه الفكرة مرتبطة بشكل مباشر بما كان يُتوقع في أوروبا خلال الحرب الباردة. كان المخططون في حلف شمال الأطلسي يتوقعون أن هجوم الاتحاد السوفيتي سيبنى على نظرية عملية عسكرية في العمق على شكل موجات. موجة أولى تهاجم وتكسر الخطوط الأمامية وبعدها موجة ثانية وثالثة تأتي لتعزيز الهجوم وهكذا يستمر الضغط حتى ينهار الدفاع.
المبادئ الأساسية
ومن ناحية أخرى، العمق (Depth): على القائد أن لا يقتصر في قاتله على خط التماس الأمامي، بل يمتد إلى الخلف حيث القيادة والاحتياطيات والإمداد.
إضافةً إلى ذلك، المبادأة (Initiative): على القائد أن يسعى إلى أخذ زمام الحركة وفرض الإيقاع على العدو.
وعلى صعيد آخر، اشتهرت عقيدة معركة الجو-البر بأربعة مبادئ رئيسة تكررت في الأدبيات العسكرية الأمريكية، وهي:
من جهة ثانية، التزامن (Synchronization): على القائد أن ينسق أفعال الوحدات والأسلحة المختلفة بحيث تضرب في الوقت المناسب وبالترتيب الذي يحقق أكبر أثر ممكن.
علاوةً على ذلك، وكانت هذه المبادئ مهمة لأنها بسّطت فكرة العقيدة للضباط والجنود. فالطالب العسكري أو القائد الميداني لم يكن مطلوبًا منه أن يفهم كيف تتحول هذه الكلمات الأربع إلى سلوك قتالي: تحرك أسرع، قرر أسرع، اضرب أعمق، وانسق بشكل أفضل من العدو.
من جهة ثانية، الرشاقة (Agility): على القائد أن يكون سريعا في الانتقال واتخاذ القرار والتكيف مع تغير الموقف.
النقد
من جانب آخر، العقيدة تفترض أنك تستطيع رصد العدو بسرعة و فهم ما يحدث فورًا واتخاذ قرار صحيح تحت ضغط. لكن في الواقع المعلومات قد تكون ناقصة أو خاطئة والاتصالات قد تتعطل والضغط يجعل القرار أصعب وهذا ما سماه المؤرخ الحربي كارل فون كلاوفيتز “ضباب الحرب”.
ومن ناحية أخرى، العقيدة تعتمد على تعاون دقيق بين الجيش (القوات البرية) وسلاح الجو والمشكلة أن لكل جهة قيادتها وأسلوبها والتنسيق الكامل بينهم صعب عمليًا مما يجعل أي خلل بسيط في الإستخبارات أو التنسيق قد يُفشل الخطة كلها.
في هذا الإطار، العقيدة بُنيت أساسًا لمواجهة في أوروبا (أرض مفتوحة، دبابات، جيوش نظامية). لكن في أماكن أخرى كالصحارى، الجبال، وحرب المدن أو في حروب غير نظامية (ميليشيات، تمرد) ذات الأسلوب قد لا يعمل بكفاءة.
العلاقة بين الجو والبر
إضافةً إلى ذلك، ومن هنا أصبحت مسألة القيادة والسيطرة جزءًا أساسيًا من العقيدة. فلم يكن يكفي امتلاك طائرات ودبابات متقدمة، بل كان لا بد من أن تتبادل الوحدات المعلومات بسرعة، وأن يعرف كل مستوى قيادي متى يضرب وأين يضرب، وكيف ينسق مع بقية الأفرع. ولهذا أكدت بعض الكتابات العسكرية الأمريكية في الثمانينيات أن القيادة والسيطرة كانت من أكثر العناصر مركزية في نجاح معركة الجو-البر.
وفي السياق ذاته، رغم أن الاسم يوحي بتساوٍ بسيط بين الجو والبر، فإن المقصود كان أعمق من مجرد وجود طائرات مع قوات برية. فقد رأت العقيدة أن الحرب الحديثة تحتاج إلى تعاون يومي ومخطط بين القائد البري والقوة الجوية. فالقوات البرية تواجه العدو وتثبته وتدفعه إلى كشف نفسه، بينما تعمل القوة الجوية على ضرب الأهداف الأبعد مثل مراكز القيادة، خطوط النقل، الجسور، تجمعات الاحتياط، ووسائل الدفاع الجوي المعادية.
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟