عالم بلا يهود
المحتويات

قبل الخوض في التفاصيل، عالم بلا يهود: الخيال النازي من الاضطهاد إلى الإبادة الجماعيةكتاب للمؤرخ ألون كونفينو، صدر عن مطبعة جامعة ييل سنة 2014. يقدم الكتاب تفسيرًا من منظور التاريخ الثقافي لمعاداة السامية النازية والهولوكوست، مركزًا على الصور والرموز والروايات التي استعملها النازيون وغيرهم من الألمان لتصور مجتمع، ثم عالم، يخلو من اليهود. ونتناول فيما يلي مزيدًا من التفاصيل.
وفي هذا السياق، أثار الكتاب نقاشًا بين مؤرخي الهولوكوست؛ فرأى بعض المراجعين أنه يقدم مقاربة مبتكرة لفهم الثقافة النازية، بينما انتقد آخرون ميله إلى التعميم وعدم كفاية الأدلة لبعض استنتاجاته المتعلقة بالدوافع والعواطف.
من جانب آخر، ينطلق كونفينو من التساؤل عن الدلالة التي حملها تدمير المعابد اليهودية وإحراق لفائف التوراة خلال ليلة البلور في نوفمبر 1938. ويجادل بأن دراسة السياسات والقوانين والأيديولوجيا العرقية وحدها لا تكفي لفهم الانتقال من اضطهاد اليهود إلى إبادتهم؛ بل ينبغي كذلك دراسة الخيال التاريخي والعواطف والرموز التي جعلت فكرة عالم خالٍ من اليهود قابلة للتصور في الثقافة النازية.
1933–1938: اليهودي بوصفه أصل الحداثة
في هذا الإطار، ثم ينتقل إلى قضايا الأصل والهوية المحلية والأنساب، وإلى الطرق التي عُرّف بها الانتماء الألماني في مقابل اليهود. ويناقش الفصل الثالث المفارقة المتمثلة في تصوير اليهود في الدعاية النازية باعتبارهم حاضرين في كل مكان، في وقت كانت فيه السياسات العامة تعمل على إقصائهم من المجتمع الألماني.
وفي هذا السياق، يضم القسم الأول ثلاثة فصول. يبدأ الكتاب بحملات إحراق الكتب سنة 1933، التي يقرأها كونفينو باعتبارها رمزًا لبداية جديدة سعى النازيون إلى إعلانها من خلال تطهير الثقافة الألمانية مما عدوه أفكارًا وقيمًا غير مرغوب فيها.
الخلفية والمنهج
من جانب آخر، ويعطي المؤلف أهمية خاصة للأفعال الرمزية العامة، ومنها إحراق الكتب سنة 1933 وتدمير المعابد وإحراق النصوص الدينية اليهودية خلال ليلة البلور. ويفسرها ضمن مشروع أوسع لإعادة تشكيل التاريخ والهوية الألمانيين، وليس فقط بوصفها إجراءات منفصلة من الاضطهاد.
وعلى صعيد آخر، طور الكتاب هذه المقاربة بالاعتماد على مصادر أرشيفية من عدة بلدان، وركز على الطريقة التي تصور بها النازيون وبعض الألمان ماضيهم ومستقبلهم، والموقع الذي احتله اليهود في تلك التصورات. وبدل السؤال عما كان الألمان يعرفونه عن الإبادة، يهتم كونفينو بكيفية نشوء فكرة «ألمانيا بلا يهود» ثم إمكان تصور «عالم بلا يهود».
من جهة ثانية، سبق كونفينو نشر الكتاب بمقالة أكاديمية سنة 2009 اقترح فيها إعادة النظر في بعض المناهج الشائعة في تفسير الهولوكوست، ولا سيما التركيز المنفرد على الأيديولوجيا العرقية وتصاعد السياسات النازية وسياق الحرب. واقترح بدلًا من ذلك التعامل مع اضطهاد اليهود وإبادتهم بوصفهما كذلك مسألة ثقافية ترتبط بالذاكرة والهوية والرموز والخيال.
الاستقبال النقدي
من جهة ثانية، ورأى ريتشارد شتايغمان-غال أن الكتاب يقدم أفكارًا جديرة بالاهتمام، وخصوصًا في بحثه عن دوافع النازية وصلتها بالمسيحية، لكنه اعتبر طبيعته الأقرب إلى المقالة التاريخية المطولة سببًا في قلة التفصيل في بعض الموضوعات.
إضافةً إلى ذلك، وقدم جيفري هيرف اعتراضًا مماثلًا، إذ رأى وجود فجوة في بعض المواضع بين الاستنتاجات والأدلة المستعملة لإثباتها، وانتقد استنتاج الدوافع والعواطف من الأفعال أو من غياب التصريحات المباشرة عنها.
علاوةً على ذلك، حظي الكتاب باهتمام واسع في الدوريات المتخصصة في التاريخ ودراسات الهولوكوست. ووصف المؤرخ فيرينتس لاتسو العمل بأنه تحليل رائد من منظور التاريخ الثقافي للحساسيات والخيالات والأهداف النازية، وأشاد بأصالته التفسيرية. لكنه تحفظ على ميل المؤلف إلى التعميم بشأن المجتمع الألماني، وعلى محدودية اعتماده على التاريخ الاجتماعي في إظهار تنوع المواقف والخبرات.
من جانب آخر، وبذلك انقسم استقبال الكتاب أساسًا حول قيمة منهجه الثقافي: فقد رأى مؤيدوه أنه وسع نطاق تفسير الهولوكوست بإدخال الخيال والرمز والعاطفة في التحليل، بينما رأى منتقدوه أن هذا المنهج يحتاج في بعض المواضع إلى سند اجتماعي وأرشيفي أكثر تفصيلًا.
وفي هذا السياق، كانت سوزانا هشل أكثر تحفظًا؛ إذ رأت أن بعض استنتاجات المؤلف حول المشاعر والخيال لا تستند إلى أدلة أولية كافية، وانتقدت التعميم وعدم توضيح آلية الانتقال من الاضطهاد إلى الإبادة بالقدر الذي يوحي به العنوان الفرعي للكتاب.
إضافةً إلى ذلك، وفي منتدى أكاديمي نشرته Journal of Genocide Research، رأى عاموس غولدبرغ أن الكتاب يمثل إسهامًا مهمًا على المستويين التاريخي والمنهجي، بينما ناقش باحثون آخرون حدود المقاربة الثقافية التي يقترحها كونفينو.
البنية والمحتوى
من جهة ثانية، ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام رئيسية مرتبة زمنيًا، تسبقها مقدمة بعنوان «حكاية نازية عن الألمان واليهود والزمن»، وتليها خاتمة بعنوان «عالم مع اليهود».
1941–1945: اليهودي وأصل التاريخ
من جهة ثانية، يتناول القسم الثالث سنوات الإبادة الجماعية. ويبحث كونفينو في الطريقة التي ظهرت بها إبادة اليهود في الخطابات والتصورات النازية بوصفها جزءًا من مشروع تاريخي جديد، لا مجرد نتيجة عملية للحرب أو لتطور الجهاز الإداري للقتل.
من جهة ثانية، وتأتي الخاتمة بعنوان A World with Jews («عالم مع اليهود»)، وتنتقل من الخيال النازي عن الإزالة إلى التفكير في المكان الذي أصبحت تحتله الإبادة في الذاكرة الأوروبية واليهودية بعد الحرب.
النشر والترجمات
- انظر كذلك
- الهولوكوست
- ليلة البلور
- قوانين نورمبرغ
وفي هذا السياق، صدرت ترجمة عبرية للكتاب سنة 2017 بعنوان עולם ללא יהודים: הדמיון הנאצי – מרדיפות לרצח עם، بترجمة آيا بروير، ونشرت بالتعاون بين ياد فاشيم ومطبعة معهد بن غوريون ودار آسيا.
من جانب آخر، صدرت الطبعة الأولى ذات الغلاف الصلب عن مطبعة جامعة ييل سنة 2014، وحملت ردمك . وصدرت النسخة الإلكترونية في 15 أبريل 2014 برقم ، ثم أصدرت الدار طبعة ورقية في 28 أبريل 2015 تحمل ردمك .
1938–1941: اليهودي وأصل الماضي الأخلاقي
إضافةً إلى ذلك، يركز القسم الثاني على ليلة البلور وما تلاها. ويولي كونفينو اهتمامًا خاصًا لإحراق لفائف التوراة وتدمير الرموز الدينية، ويرى في ذلك محاولة رمزية للقطيعة مع موقع اليهودية في التاريخ المسيحي والأوروبي.
علاوةً على ذلك، ويتناول القسم كذلك السنوات الأولى للحرب، حين اتسعت سياسات الاضطهاد والترحيل وأصبح تصور إزالة اليهود من المجال الأوروبي أكثر حضورًا في الخطاب والممارسة النازيين.
أطروحة الكتاب
إضافةً إلى ذلك، ويشير الكتاب إلى أن النازيين منحوا اليهود موقعًا خاصًا داخل تصورهم للصراع التاريخي؛ إذ جرى ربطهم بظواهر متعارضة في الخطاب النازي، من الرأسمالية إلى البلشفية والحداثة السياسية. وبذلك تحولت فكرة القضاء على اليهود، في رؤية كونفينو، إلى جزء من تصور النظام لنشوء نظام عالمي جديد.
من جهة ثانية، ويربط كونفينو هذه الصورة ببعض تقاليد العداء المسيحي لليهود، لكنه لا يساوي بين المسيحية والنازية. ويجادل بأن النازيين سعوا إلى تقديم ألمانيا الجديدة باعتبارها متحررة من الجذور اليهودية للتاريخ الديني والأخلاقي الأوروبي، وأن هذا التصور ساعد في إعطاء اضطهاد اليهود معنى يتجاوز السياسات العنصرية المباشرة.
من جانب آخر، تقوم أطروحة كونفينو على أن معاداة السامية النازية لم تكن مجرد تطبيق لنظرية عرقية، بل ارتبطت كذلك برواية تاريخية جعلت اليهود رمزًا لماضٍ ديني وثقافي اعتبره النازيون عائقًا أمام نشوء حضارتهم الجديدة. ووفق هذا التصور، أصبحت إزالة اليهود واليهودية مرتبطة بفكرة تأسيس بداية تاريخية جديدة.
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟