شكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من المحنة
المحتويات
- انظر أيضاً
- الادعاء الثالث: نفي سماع موسى لكلام الله
- الترجمات
- تفنيد الاتهامات الملفقة ضد الأشاعرة
- عنوان الرسالة وتوثيقها
- تراجم أعلام أهل السنة والجماعة
- الثناء على الإمام الأشعري وبيان فضله
- توضيح عقيدة الأشعري والبخاري
- قضية التجديد والحداثة
- الادعاء الخامس: تكفير العوام
- السياق السياسي والفكري المعاصر
- النسخ الخطية
- الادعاء الثاني: نفي المجازاة على الطاعة والمعصية
- دراسة محتوى الرسالة وأهدافها
- رسائل العز بن عبد السلام في التوحيد
- الادعاء الرابع: نفي وجود القرآن في المصاحف
- السياق التاريخي
- الادعاء الأول: زوال النبوة بعد الوفاة
- نبذة عن المؤلف
- الطبعات الحديثة
- مشروعية علم الكلام
- العقيدة الصلاحية
- الأهمية التاريخية

في البداية، شكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من المحنة هي رسالة وجيزة كتبها الإمام أبو القاسم القشيري (ت 465 هـ) لعلماء وعامة المسلمين في عصره، لتكون بياناً عاماً ووثيقة احتجاجية ضد الاضطهاد والتضييق المُمنهج الذي تعرض له علماء أهل السنة والجماعة في مدينة نيسابور بخراسان؛ والمتمثلين تحديداً في أتباع المذهب الأشعري في الأصول، وما ارتبط بهم من فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية في الفروع. ونتناول فيما يلي مزيدًا من التفاصيل.
من جانب آخر، وكان المحرّك الرئيسي لهذه المحنة الوزير عَميد الملك الكُنْدُرِي، الذي وصفتْه المصادر الأشعرية والتاريخية بأنه كان معتزلياً رافضياً من غلاة الشيعة، فنَقِم على الأشاعرة واتخذ سياساتٍ إقصائية حادة ضدهم، وصلت إلى حد استصدار أمر سلطاني بلعنهم على المنابر وإلحاقهم بأهل البدع. فبادر القشيري إلى كتابة هذه الرسالة بهدف تبرئة المذهب الأشعري من الاتهامات التي وُجهت إليه، وأرسلها إلى جميع أنحاء العالم الإسلامي، مستنهضاً هِمم العلماء للوقوف ضد هذه الفتنة التي أدت إلى تهجير ونفي وسجن كبار علماء الأشاعرة في ذلك العصر، والذين يُقدَّر عددهم بنحوِ أربعمائةِ عالمٍ وقاضٍ، في مقدمتهم إمام الحرمين أبو المعالي الجويني، وأبو عثمان الصابوني، وأبو سهل بن الموفق، والرئيس الفراتي، وأبو عبد الله الخبازي.
كذلك، ومن المنظور التحليلي، يرى بعض الباحثين أنه على عكس مؤلفات القشيري الأخرى كـ "اللمع في الاعتقاد" و"الفصول في الأصول" و"الرسالة القشيرية" — التي تُمثّل النصوص العقائدية الثلاثة الأساسية في مؤلفاته — فإن رسالة "الشكاية" لا تُصنّف كعقيدة تقريرية خالصة كالعقيدة الطحاوية مثلاً، رغم ما تشتمل عليه من نقاشات ومباحث كلامية، بل تُوصف بأنها رسالة سِجالية تمثّل دفاعاً جدلياً عن الإمام الأشعري ومذهبه. ومن ناحية المضمون، ركّز القشيري على تفنيد آراء خصومه، مُصنِّفاً إياهم في تيارين رئيسيين، ومستعملاً نعوتاً تعكس الخلاف العَقَدي آنذاك؛ فأشار إلى الكرّامية بـ "المجسمة" تارةً وبـ "الحشوية" تارةً أخرى، متهماً إياهم بتبني مفاهيم التشبيه والتجسيم في الصفات الإلهية؛ في حين نعت المعتزلة بـ "القدرية"، وهو اصطلاح ساد في الأوساط الأشعرية لقولهم بخلق العبد لأفعاله واستقلال قدرته عن القدر الإلهي (أي إرادة الله وقضائه). وبهذا الأسلوب، جمع القشيري بين الذود عن المذهب ودحض منطق الخصوم؛ فجاءت رسالته حجةً موثّقةً لا مجرد شكوى، تنتصر للموقف الأشعري في مواجهة موجة التضييق التي أثارتها سياسات الكُنْدُري.
إضافةً إلى ذلك، وقد حظِيَتْ الرسالة بانتشار واسع؛ ففي بغداد ألف أبو إسحاق الشيرازي كتابه "الإشارة إلى مذهب أهل الحق" تأييداً لها، وفي بيهق أورد أبو بكر البيهقي بعضاً منها في كتابه "الأسماء والصفات"، كما أيّدها القاضي أبو عبد الله الدامغاني الحنفي. وفي مرحلة لاحقة، أورد تاج الدين السبكي نصَّ الرسالة كاملاً في «طبقاته»؛ خشيةَ ضياعها.
انظر أيضاً
لمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة
العقيدة النورية في اعتقاد الأئمة الأشعرية
الادعاء الثالث: نفي سماع موسى لكلام الله
كذلك، تناول القشيري تفنيد ادعاء ثالث نُسب للإمام الأشعري، وهي الدعوى التي زعم مروجوها أنه ينكر سماع النبي موسى عليه السلام لكلام الله. ويصف القشيري هذا الادعاء بأنه بهتان كاذب يخالف صريح مذهب الأشعري الذي يُقر بواقعة التكليم استناداً إلى النص القرآني: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾، مؤكداً أن القاعدة عند الأشعري هي أن كل موجود يجوز أن يُسمع، ولما كان كلام الله موجوداً وقديماً، فإن سماعه جائز عقلاً ومتحقق شرعاً. ويسترسل القشيري في توضيح طبيعة هذا السماع عند الأشاعرة، مبيناً أن الله تعالى أسمعَ موسى كلامه الذاتي القديم بغير واسطة أو رسول، وهو ما يضع فارقاً جوهرياً بين مذهبهم ومذهب القدرية الذين ذهبوا إلى أن الكلام الذي سمعه موسى كان صوتاً مخلوقاً في الشجرة؛ حيث رد الأشعري على هذا التصور بأن الكلام لو كان مخلوقاً في الشجرة لكانت الشجرة هي المتكلمة حقيقةً لا الله. ويختتم القشيري هذا العرض بتأكيد خلوّ مؤلفات الأشعري ومدونات أصحابه وتلاميذه من أي قول ينفي سماع موسى لكلام الله، معتبراً أن نسبة هذا القول إليه محض افتراء لم يقل به أحد من أتباع مذهبه، بل هو قول تفرّد به خصومه ونسبوه إليه لتشويه مذهبه.
الترجمات
من جانب آخر، يُقسم الكتاب إلى عدة محاور رئيسية تتناول قضايا التجديد الحداثي، وتراجم لأعلام أهل السنة، مع دراسة تحليلية لرسالة "شكاية أهل السنة" للإمام القشيري. وتفصيلها كالتالي:
كذلك، تُرجمت الرسالة بنَصّها الكامل إلى اللغة الأردية بواسطة الدكتور "پیر محمد حسن" (Pir Muhammad Hasan) الذي تولى كذلك تحقيقها والتعليق عليها وكتابة مقدمة لها، فيما تولى عبد الرحمن الطاهر السورتي تعريب وتلخيص تلك المقدمة؛ وقد صدرت عن المعهد المركزي للأبحاث الإسلامية في كراتشي عام 1964م (1384هـ) ضمن كتاب جامع بعنوان "الرسائل القشيرية" (Al-Rasa'il al-Qushayriyya). وقد تضمن الإصدار النص العربي للرسالة (ص 1-49) يقابله النص المترجم إلى الأردية (ص 1-38)، مما جعلها المرجع الرئيسي للباحثين في باكستان وعموم شبه القارة الهندية للوصول إلى مضمون المحنة التي سجلها القشيري.
محتوى الكتاب (ما أضافه المحققون)
تفنيد الاتهامات الملفقة ضد الأشاعرة
إضافةً إلى ذلك، وهنا يطرح القشيري سؤالاً منطقياً: إذا كان الحق في هذه المسائل لا يخرج عن قول الأشعري وقول المعتزلة، فإذا أُبطل قول الأشعري وبُدِّعَ ولُعِن، فما الذي يتبقى سوى قول المعتزلة؟ فهل يقبل أحد من أهل السنة ذلك؟ وبالتالي فإن لعن الأشعري في هذه المسائل هو لعن لجميع أهل القبلة الذين يرفضون قول المعتزلة. ويختم القشيري حجَّته بنداء استغاثة قائلاً: ، مؤكداً أن كُتب الأشعري مبثوثة في الآفاق ومذاهبه مشهورة عند أهل السنة، فمن يصفه بالبدعة فإنما هو مفترٍ غير محق في دعواه، وجمهور الأمة خصم له فيما افتراه.
إثبات القدر لله، خيره وشره، ونفعه وضره.
من جانب آخر، أشاد القشيري بدور السلطان السلجوقي طغرلبك في إحياء السنة وقمع البدع، مما جعل صدور أهل الزيغ تضيق بهذه النعمة. ويصف كيف أن خصوم الأشاعرة، مدفوعين بالحسد سلكوا سبيل الوشاية إلى البلاط السلطاني، فعمدوا إلى اختلاق تُهم وأقوال باطلة ونسبوها إلى الإمام الأشعري. يؤكد القشيري جازماً أنها "لا يوجَد في كتبه منها حرف، ولم ير المقالات المصنفة للمتكلمين الموافقين والمخالفين... لشيء منها حكاية ولا وصف". ويصف القشيري هذا الفعل بأنه تزوير وبهتان يفتقر إلى أي دليل أو تقرير، مستشهداً بالحديث النبوي: "إذا لم تستحي فاصنع ما شئت".
- الإيمان بأن القرآن كلام الله غير مخلوق.
- إثبات رؤية الله في الآخرة.
- نفوذ إرادة الله في جميع مُراداته.
علاوةً على ذلك، يروي القشيري تفاصيل لقاء جمعه بأحد كبار المسؤولين في الدولة (لم يسمه) لمحاولة رفع هذه المظلمة. ويكشف هذا اللقاء عن التناقض الصارخ في موقف الخصوم. فعندما سأله القشيري مباشرة: هل صح عنده عن الأشعري هذه المقالات المحكية؟، جاءه الجواب صريحاً: "لا، غير أني لا أستجيز الخوض في هذه المسائل الكلامية، وأمنع الناس عنها وأنهى". والأدهى من ذلك، أن هذا المسؤول صرّح بأنه "ليس يُعلم أنه قال هذه المسائل التي تُحكى عنه، أم لا"، ومع ذلك أعلن أن الأشعري "مبتدع، وأنه في البدعة يزيد على المعتزلة"! يُعلق القشيري على هذا الموقف بمزيج من الحسرة والدهشة، قائلاً: "فسبحان الله! كيف صرّح بأنه لا يعرف مذهب رجل على الحقيقة، وصحّ عنده مقالته ثم يُبَدّعُه من غير تَحَقُّق بمقالته؟"، معتبراً أن ما شهده يفوق العقل والتصديق.
من جانب آخر، بعد أن أثبت القشيري مكانة الإمام الأشعري ومنهجه، انتقل في رسالته إلى تفصيل مضمون المحنة التي حلت بالأشاعرة في عصره، مفنداً الاتهامات التي ألصقت بهم، وموضحاً الآثار الكارثية لهذه الفتنة على وحدة المسلمين. لقد خصص جزءاً كبيراً من رسالته لكشف زيف "المقالات" التي نُسبت إلى الإمام الأشعري زوراً، والتي كانت سبباً في لعنه وتضليل أتباعه.
وفي السياق ذاته، إثبات صفات الجلال لله، من قدرته، وعلمه، وإرادته، وحياته، وبقائه، وسمعه، وبصره، وكلامه، ووجهه، ويده على أنها صفات تليق بجلاله، لا أعضاء جارحة.
وفي هذا الصدد، بعد فشل محاولات الاستعطاف والوساطة، يعرض القشيري حجته العقلية التي تهدف إلى كشف شناعة اتهام الأشاعرة بالبدعة. فهو يُقرر أن المسائل الخلافية بين أهل السنة هي مسائل محدودة، وأن أصول الدين واحدة بينهم، فهم متفقون على قمع "المعتزلة والمجسمة"، ويدهم واحدة في الدفاع عن عقيدة السلف. ثم يعدد القواسم العقدية المشتركة التي تجمعهم، والتي لا يخرج فيها قولهم عن قولين رئيسيين: قول المعتزلة وقول الأشعري، ومنها:
عنوان الرسالة وتوثيقها
كذلك، ابن كثير (ت 774 هـ): أشار إليها في «البداية والنهاية» فقال ما نَصُّه: .
وفي هذا السياق، ابن عساكر (ت 571 هـ): أورد جزءاً وافياً منها في كتابه «تبيين كذب المفتري فيما نَسَبَ إلى الإمام الأشعري».
علاوةً على ذلك، تاج الدين السبكي (ت 771 هـ): يُعد كتابه «طبقات الشافعية الكبرى» المصدر الأوفى والأهم للرسالة؛ حيث أورد نصها كاملاً ضِمن ترجمته للإمام أبي الحسن الأشعري. ولم يكتفِ السبكي بمجرد النقل، بل جعل من الرسالة وثيقةً للاحتجاج لأهل السنة من الأشاعرة، مستعملاً إياها في سياقه الدفاعي والمذهبي الأوسع الذي تبناه في كتابه. وقد حافظ السبكي على العنوان الأكثر شيوعاً وضبطاً للرسالة «شكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من المحنة»، وبفضله وصلت إلينا المادة العلمية والعقدية للرسالة كاملةً، مما أتاح للباحثين المقارنة بين روايته والروايات المختصرة التي أوردها غيره من المؤرخين.
وفي هذا الصدد، سبط ابن الجوزي (ت 654 هـ): أرّخ لأحداث المحنة والرسالة في كتابه «مرآة الزمان في تاريخ الأعيان» ضمن حوادث سنة 445 هـ. وقد تميز تناوله بطابع سردي توثيقي، حيث نقل تفاصيل الصدام الذي وقع في نيسابور بين السلطان طغرلبك —الذي كان حنفي المذهب— وبين أئمة الأشاعرة، موضحاً أن السلطان أمر باللعن بناءً على مقالات نُسبت للإمام الأشعري، فجاءت رسالة القشيري رداً مباشراً على هذا الإجراء. كما نقل محاورات جرت بين الطرفين، تبرز محاولة السلطان تضييق دائرة النزاع بقوله: . وقد ختم السبط عرضه للواقعة بإيراد تعقيب جده أبي الفرج بن الجوزي على الرسالة؛ حيث نقل قوله بأن ترك تصنيفها كان أستر للحال.
ومن ناحية أخرى، عفيف الدين اليافعي (ت 768 هـ): أورد جزءاً يسيراً منها في كتابه «مرآة الجنان وعبرة اليقظان»، في سياق ترجمته للإمام الأشعري، وذلك عقب إيراده جزءاً من رسالة أبي بكر البيهقي إلى الوزير عميد الملك الكُنْدُرِي، والتي أشار إليها بعنوان «الحسناء البالغة المرضية في مكاتبة العميد واستعطافه لنصرة الأشعرية». وتميّز تناوله بطابعين: أولهما الإطار التبجيلي، إذ استهل نقله بوصف الرسالة ذاتها بأنها ، ثم أردف ذلك بسلسلة ألقاب تُجِلّ القشيري وتُعلي من مكانته، واصفاً إياه بـ. وثانيهما النقل التوثيقي، حيث اقتطف من مطلع الرسالة وصفَ القشيري لما حدث في نيسابور عام 445 هـ من لعنٍ طال الإمام الأشعري. ولم يقتصر اليافعي على دور الناقل، بل ختم عرضه بأبيات شعرية نظمها نصرةً للمذهب الأشعري وإشادةً بأئمته، قال فيها:
كذلك، واستشهد ابن تيمية كذلك بنصوص ومراسلات العلماء لتوثيق أحداث المحنة في نيسابور؛ فذكر ما تضمنته رسالة الإمام أبي بكر البيهقي إلى الوزير الكندري، والتي أوضح فيها أن الأشاعرة يمثلون السواد الأعظم من أتباع المذاهب الفقهية (الحنفية والمالكية والشافعية)، مبيناً وسطيتهم العقدية بين نفي الصفات عند المعتزلة وتشبيهها عند المجسمة. كما استشهد بكلام الحافظ ابن عساكر في «تبيين كذب المفتري»، لبيان ظروف المحنة وما أفضت إليه من عزل شيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني، مشيراً إلى تَغَيُّر السياسة الرسمية للدولة السلجوقية كلياً مع تولي السلطان ألب أرسلان مقاليد الحكم وتعيينه للوزير نظام الملك.
من جانب آخر، وفي سياق استعراضه للشكاية، ركّز ابن تيمية على ما ساقه القشيري من حججٍ لتبرئة الإمام الأشعري في مسائل الصفات والقدر؛ إذ أكد أن الأشعري كان ناصراً للسنة ومخالفاً لطريقتي المعتزلة والجهمية، مستدلاً بإثباته لصفات الجلال لله (كالعلم، والقدرة، والإرادة، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام، والوجه، واليد)، وبأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وبجواز رؤية الله في الآخرة ونفوذ مشيئته. واختتم ابن تيمية استعراضه لهذا الجانب ببيان مقصده من النقل، موضحاً أن ثمة تفاصيل أخرى طويلة في المسائل التي نُسبت إلى الأشعري لكنها ليست موضع بحثه، حيث يقول: .
في هذا الإطار، وفي العصر الحديث، نالت الرسالة عنايةً خاصة، إذ أُفردت بالتحقيق والدراسة كرسالة مستقلة نظراً لأهميتها في التاريخ العَقَدي ورصد التحولات المذهبية.
وفي هذا الصدد، جلال الدين السيوطي (ت 911 هـ): استعرض مجريات المحنة في كتابه «تاريخ الخلفاء» من منظور سياسي وتاريخي، بلهجة ناقدة تتجلى فيها معارضته لهيمنة السلطان طغرلبك وتهميشه مكانة الخليفة العباسي أبي جعفر القائم بأمر الله. ومع أنه لم يأتِ على ذكر 'رسالة شكاية أهل السنة' صراحةً، إلا أن توثيقه لملابسات تلك الحقبة يرسم صورة واضحة للسياق الذي ولدت فيه الشكاية. وتبرز هنا مفارقة تاريخية؛ فبينما كان القشيري يأمل خيراً في السلطان طغرلبك مشيداً بدوره في إحياء السنة وقمع البدع، أظهر السيوطي سخطاً تجاه تجاوزاته السياسية؛ حيث أورد حادثة إجبار السلطان الخليفة على تزويجه ابنته، مشيراً إلى انزعاج الخليفة والتماسه الإعفاء من هذا الطلب بكل وسيلة، قبل أن يلين مُكرهاً تحت وطأة القهر. ولم يقتصر نقد السيوطي على الجانب السياسي، بل سجّل ما اعتبره مظالم اقتصادية حين ذكر أن طغرلبك دخل ببنت الخليفة في سنة 455 هـ، "وأعاد المواريث والمكوس وضَمّن بغداد بمئة وخمسين ألف دينار". وقد تجلى موقفه الناقد من السلطان عند تأريخه لوفاته في العام نفسه، فعقّب بالدعاء عليه صراحةً بقوله: . وفي المقابل، أبرز السيوطي الانفراجة التي أعقبت رحيل طغرلبك وتولي ابن أخيه ألب أرسلان؛ حيث نقل عن الذهبي الدور المحوري للوزير نظام الملك الذي أبطل قرار الوزير السابق عميد الملك الكندري بسب الأشعرية، وانتصر للشافعية، وأكرم أئمتهم كإمام الحرمين الجويني والقشيري، وشيّد لهم المدارس النظامية.
إضافةً إلى ذلك، الذهبي (ت 748 هـ): استعرض مجريات المحنة وظروف نشأة الرسالة في كتابه «تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام»؛ حيث انفرد بتسميتها بعنوان مُغاير قليلاً لما ورد في المصادر الأخرى، إذ سمّاها: «شكاية السنة لما نالهم من المحنة»، مورداً لفظ "السنة" مباشرةً عوضاً عن "أهل السنة" التي شاعت في بقية التراجم. تميز تناول الذهبي بالتركيز على السياق السياسي والاجتماعي المحيط بالرسالة؛ حيث وثّق أجواء الاضطراب التي سادت نيسابور إبان إعلان لعن الإمام الأشعري، مبيناً شدة إنكار القشيري من هذا الإجراء ومبادرته للتصنيف احتجاجاً. كما اعتنى بنقل الحوار الجدلي الذي دار بين السلطان طغرلبك والعلماء، موضحاً محاولة السلطان تبرير موقفه بقوله: ، وهو ما واجهه القشيري باستغاثة وثّقها الذهبي في نصّه: "يا معشر المسلمين، الغياث الغياث!".
كذلك، يُعد العنوان الأكثر دقة وثباتاً في المصادر الكلاسيكية التي نقلت نص الرسالة أو أشارت إليها —وفي مقدمتها كتاب «طبقات الشافعية الكبرى» للتاج السبكي— هو: «شكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من المحنة»؛ وذلك بتعريف كلمة "المحنة" بـ (أل) العهدية، إشارة إلى الفتنة التي استدعت كتابتها. ورغم غلبة هذا العنوان تاريخياً، إلا أن الطبعة الحديثة المستقلة (بتحقيق محمد خالد ذو الغنى ومحمد يوسف إدريس) ظهرت بعنوان: «شكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من محنة» بتنكير لفظ "محنة".
وفي هذا الصدد، مرتضى الزبيدي (ت 1205 هـ): قال في «إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين» ما نصّه:
وعلى صعيد آخر، أبو سالم العياشي (ت 1090 هـ): أورد جزءاً كبيراً ومستفيضاً منها في كتابه «ماء الموائد» المعروف بـ «الرحلة العياشية»؛ حيث نقل الحجج العقدية التي ساقها القشيري بالتفصيل. واستند إليها كذلك في كتابه «الحكم بالعدل والإنصاف» لتفنيد دعوى "تكفير العوام" المنسوبة للإمام الأشعري؛ إذ نَقل عن القشيري وصفه لهذه التهمة بأنها "كذب وزور" ومن تلبيسات الكرامية، موضحاً من خلال ذلك حقيقة مذهب الأشعري في مسألة الإيمان.
من جانب آخر، ابن تيمية (ت 728 هـ): نقل جزءاً منها في كتابيه «الفتاوى الكبرى» و«التسعينية»، وذلك في معرض تأريخه للمذهب الأشعري والفتن العقدية؛ إذ نَقَل عن ابن عساكر استفتاءً فقهياً قُدِّم لعلماء عصره حول سُبل التعامل مع جماعة اجتمعت على لعن الأشعرية وتكفيرها. وقد تتابعت ردود فقهاء المذاهب بالإنكار؛ حيث أفتى أبو إسحاق الشيرازي بأن تكفير أو لعن أي فرقة من المسلمين هو مسلك مبتدع ومحرم شرعاً يستوجب تدخل جهات الحكم والولاية لزجر الفاعلين وتأديبهم، وهو الموقف الذي أيّده قاضي القضاة محمد بن علي الدامغاني الحنفي، واصفاً الأشعرية بأنهم أعيان أهل السنة وأنصار الشريعة الذين تصدّوا للرد على أهل البدع كالقدرية والرافضة وغيرهم، ومعتبراً الطعن فيهم طعناً في عموم أهل السنة يستوجب التأديب والعقوبة، في حين وقّع أبو بكر محمد بن أحمد الشاشي بموافقته على مضمون تلك الأجوبة. وقد عقّب ابن عساكر مشيداً بالمكانة العلمية لهؤلاء الأئمة في زمانهم، ولا سيما الدامغاني الذي كان يُلقب بـ«أبي حنيفة الثاني» لغزارة علمه. ويُعقّب ابن تيمية على هذه الفتوى بقوله:
من جهة ثانية، ابن العماد الحنبلي (ت 1089 هـ): تناول في كتابه «شذرات الذهب» تداعيات المحنة وأثرها على الوسط العلمي آنذاك، وذلك ضمن ترجمته لإمام الحرمين الجويني (ت 478 هـ)؛ حيث وثّق حالة الاستقطاب الديني التي أدت إلى هجرة العلماء، قائلاً: . كما استعرض التحول الجذري في المشهد بعد انتهاء المحنة؛ حيث استعاد الجويني مكانته العلمية بتولي التدريس في المدرسة النظامية، والقيام بمهام الخطابة والإمامة. وقد وصف حالة الإقبال على مجالسه حتى "شاعت مصنفاته وبركاته"، وكان يحضر درسه يومياً نحو ثلاثمائة من الطلاب والأعيان. كما أبرز نفوذه السياسي والاجتماعي متمثلاً في نيله مكانة مرموقة لدى السلطان والوزير نظام الملك، وتقلده رئاسة المذهب الشافعي والإشراف على الأوقاف، قبل أن يعود إلى نيسابور ليتفرغ لمشروعه العلمي الضخم «نهاية المطلب في دراية المذهب».
من جهة ثانية، ابن الجوزي (ت 597 هـ): أرّخ للرسالة في كتابه «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم» ضمن أحداث سنة 445 هـ، وانفرد بتسميتها بـ «شكاية أهل السنة لما نالهم من المحنة» (بإسقاط لفظ "بحكاية"). ورغم تقارب مشربه العقدي مع مضمونها في التنزيه —كما في كتابه «دفع شُبه التشبيه بأكف التنزيه» الذي دفع بعض المؤرخين كابن الأهدل (ت 855 هـ) إلى إلحاقه بمدرسة الأشاعرة في العقائد— إلا أنه سجل تحفظاً نقدياً في نهاية تأريخه للواقعة، حيث قال ما نصُّه: .
إضافةً إلى ذلك، ابن تغري بردي (ت 874 هـ): أرّخ لأحداث الفتنة والرسالة في كتابه «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» ضِمن حوادث سنة 445 هـ (والتي وافقت السنة الثامنة عشرة من خلافة المستنصر بالله الفاطمي على مصر). وجاء عرضه جامعاً بين الرصد السياسي والجدل العقدي؛ إذ ذكر أن جذور الأزمة تعود إلى وقوف السلطان طغرلبك —وكان حنفي المذهب— على مقالات للإمام الأشعري فقال: "هذا يُشعِر بأن ليس لله في الأرض كلام"، فأمر بناءً على ذلك بلعنه على المنابر؛ فعَزَّ (أي شقَّ وعظُم) هذا الإجراء على القشيري، فصنّف رسالته التي وثّق ابن تغري عنوانها بلفظ: «شكاية أهل السُّنَّة ما نالهم من المحنة». كما سجّل تفاصيل المقابلة التي جمعت القشيري برفقة جماعة من الأشعرية مع السلطان طغرلبك لالتماس رفع اللعن، فرفض السلطان طلبهم مستنداً إلى رؤيته الخاصة؛ حيث قال: "الأشعري عندي مبتدع يزيد على المعتزلة، لأن المعتزلة أثبتوا أنّ القرآن في المصحف وهذا نفاه". واختتم سياقه بنقل موقف ابن الجوزي تجاه الرسالة؛ حيث أورد تعقيبه الذي يرى فيه أن ترك تصنيفها كان "أستر للحال"، لكونها ركزت على إثبات واقعة اللعن وإظهار عدم استجابة السلطان، دون أن تورد حجّة أو تدفع شبهة للخصم، معتبراً صنيع القشيري في هذا الموضع نوعاً من "التغفّل".
علاوةً على ذلك، وقد نُشرت هذه الرسالة ضمن عدة كتب تعنى بالتراجم والتاريخ، ومن أبرز من اعتنى بذكرها وتوثيقها:
تراجم أعلام أهل السنة والجماعة
علاوةً على ذلك، أبو الحسن الأشعري: يتناول نسبه واتصاله بالصحابي أبي موسى الأشعري، حياته الشخصية والعلمية، وتوصيف الزبيدي والبيهقي لرئاسته مذهب أهل السنة.
وعلى صعيد آخر، أبو القاسم القشيري: عرض مفصل لحياته، بدءاً من مولده وشيوخه، وصولاً إلى "المحنة الكبرى" التي مرّ بها، ودوره التدريسي في بغداد، وعلاقته بالسلطان ألب أرسلان والوزير نظام الملك.
يقدم الكتاب دراسة تاريخية لثلاث شخصيات محورية:
إضافةً إلى ذلك، أبو منصور الماتريدي: يبحث في نسبه وتحقيق اتصاله بالصحابي أبي أيوب الأنصاري، مع استعراض حال بلاده السياسي وسنده العلمي وشيوخه.
الثناء على الإمام الأشعري وبيان فضله
وفي هذا الصدد، في إطار سعي القشيري لإثبات سلامة معتقد الإمام أبي الحسن الأشعري وموافقته لطريقة السلف، خصَّص في رسالته مساحة بارزة للثناء على شخص الأشعري وبيان فضله في الذود عن الدين. لم يكن دفاع القشيري عن الأشعري دفاعاً عن شخصه فحسب، بل كان تأكيداً على أنَّ منهجه هو الامتداد الطبيعي لمنهج السلف في الرد على المبتدعة. ويستند القشيري في ذلك إلى شواهد تاريخية وحكايات موثوقة تناقلها العلماء، كما يُورد تعليقاته التحليلية التي تُبرز أهمية المنهج الأشعري في الحفاظ على العقيدة.
ومن ناحية أخرى، يستهل القشيري حديثه عن الإمام الأشعري بوصفه بألقاب التبجيل، فيذكر أنه . ويوضح القشيري أن منهج الأشعري في الرد على المخالفين لم يكن ابتداعاً، بل كان استجابة لواجب شرعي فرضه الله على العلماء، وهو "النصح عن الدين، وكشف تمويه الملحدين والمبتدعين". فهو لم ينشغل بالجدل ابتداءً، بل كان يُقبل عليه حين يخوض أهل الزيغ في "ذكر ما لا يجوز في دين الله" ليرد عليهم بحكم الفرض الكفائي.
- وهكذا، فإن دفاع القشيري عن الأشعري يقوم على ثلاثة أركان رئيسية:
- الثناء على شخصه وإمامته في الدين.
- إثبات سلامة منهجه القائم على الرد عند الحاجة.
علاوةً على ذلك، الاستشهاد بمواقف الأشعري في حياته ومماته كدليل على عدائه الراسخ للبدعة والمبتدعة.
وفي هذا الصدد، بهذا العرض، يُرسِّخ القشيري في رسالته فكرة أن الإمام الأشعري لم يكن صاحب مذهب جديد، بل كان مجدداً لطريقة السلف في مواجهة التحديات الفكرية التي عصفت بالأمة في عصره.
من جهة ثانية، ثم يسوق القشيري حكاية أكثر تفصيلاً على لسان أبي عبد الله بن خفيف الشيرازي، الذي حكى عن زيارته للبصرة في شبابه بحثاً عن الأشعري. يُبرز القشيري من هذه الحكاية نقطةً محورية في فهم المنهج الأشعري: فعندما سَأل ابن خفيف الأشعري عن سبب سكوته في مجلس العلم بينما تكلم غيره، جاء رد الأشعري حاسماً: "أنا لا أتكلم مع هؤلاء ابتداء، ولكن إذا خاضوا في ذكر ما لا يجوز في دين الله رددنا عليهم، بحكم ما فرض الله علينا من الرد على مخالفي الحق". يُعلِّق القشيري على هذه الحادثة فيقول: "وعلى هذه الجملة سيرةُ السلفِ أصحاب الحديث المتكلمين منهم في الردِّ على المخالفين، وأهلِ الشُّبَهِ والزيغ".
من جهة ثانية، لتعزيز دفاعه، يُورد القشيري حكاية نقلها عن شيخه الأستاذ أبي علي الدقاق، عن الإمام زاهر بن أحمد الفقيه، يصف فيها اللحظات الأخيرة من حياة الأشعري. تذكر الرواية أن الأشعري قال وهو في سكرات الموت: "لعن الله المعتزلة، موَّهوا ومخرَقوا". هذا الموقف في لحظة الاحتضار يُعتبر شهادة على ثبات الأشعري على عقيدة الحق وعدائه للبدعة حتى الرمق الأخير، مما يُسقط أي ادعاء بموافقته لهم أو تأثره بمناهجهم.
توضيح عقيدة الأشعري والبخاري
في هذا الإطار، ينتقل الكتاب لتوثيق عقيدة الإمامين الأشعري والبخاري بالاعتماد على نصوص تاريخية موثوقة؛ حيث يستعرض حقيقة عقيدة الإمام الأشعري كما نقلها ووثقها أبو بكر البيهقي، كما يتناول المنهج العَقَدي للإمام البخاري مستنداً في ذلك إلى شهادة ابن حجر العسقلاني.
قضية التجديد والحداثة
وعلى صعيد آخر، استعراض التحديات والعوائق التي تواجه دعوات التجديد وعلاقتها بالسلطة.
علاوةً على ذلك، يفتتح الكتاب ببحث مفصل حول مفهوم التجديد الحداثي في الفكر والدين، مناقشاً النقاط التالية:
ومن ناحية أخرى، مناقشة قدرة تيارات الإسلام السياسي على إنجاز تجديد حقيقي، مع عرض صور تطبيقية لرؤى الحداثيين في علاج قضايا المجتمعات الإسلامية.
ومن جهة أخرى، دوافع التجديد، مقاصده، وغاياته، مع بيان الأدلة الدينية التي تفتح آفاق الدعوة إليه.
الادعاء الخامس: تكفير العوام
في هذا الإطار، فَنّد القشيري الادعاء الخامس الموجه ضد أبي الحسن الأشعري، والذي يزعم أنه يكفّر عامة المسلمين (العوام)، واصفاً هذا الاتهام بأنه كذب وزور وتلبيس من الكرامية يهدف إلى تهييج الجهلة وتضليلهم. وأوضح القشيري أن مذهب الأشعري في الإيمان يتوافق مع مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان، حيث يرى أن جوهر الإيمان هو "التصديق" القلبي، وهو ما ينطبق على عموم المسلمين الذين يقرون بوجود الله ويصدقون بآياته بالفطرة، حتى وإن لم يتبحروا في العلوم النظرية. وأكد النص على ضرورة التعامل مع عامة الناس بناءً على ظواهرهم، فيُحكم بإسلامهم وتجري عليهم أحكامه من حيث الصلاة خلفهم، والتزاوج معهم، ودفنهم في مقابر المسلمين، مع ترك السرائر لله وحده. كما رد على شبهة اشتراط الأشعري تعلم علم الكلام والمصطلحات المعقدة لصحة الإيمان، موضحاً أن المطلوب من المكلف هو معرفة الخالق من خلال آياته ودلائل صنعه، وليس إتقان المصطلحات الفنية التي يستعملها المتكلمون مثل "الجوهر" و"العرض". وأشار إلى أن استخدام العلماء المتأخرين لهذه الألفاظ كان لغرض تيسير التعليم وتقريب المعارف للمتعلمين، تماماً كما استحدث الفقهاء والنحويون مصطلحات خاصة في علومهم لم تكن مستعملة بنفس الشكل لدى السلف، معتبراً أن غياب هذه الألفاظ عن الصدر الأول لا يعني نقصاً في معرفتهم، كما أن استخدامها لاحقاً لا يعد بدعة في الدين، بل هو وسيلة تعليمية محضة تهدف للوصول إلى اليقين.
السياق السياسي والفكري المعاصر
وفي هذا السياق، عادت الرسالة إلى واجهة النقاش العَقَدي في العصر الحديث بعد إعادة طبعها بشكل مستقل عام 2016م؛ وهو العام الذي شهد انعقاد مؤتمر الشيشان الذي أثار جدلاً واسعاً حول تعريف "أهل السنة والجماعة" واستثنى في توصياته التيار السلفي. وقد واكب هذا الظهور المتجدد لرسالة القشيري صدور رد نقدي من المنظور السلفي، تمثل في كتاب بعنوان: «قصة الأشاعرة: جناية أهل البدعة بحكاية ما أصابهم من الفتنة» لمؤلفه عمار خنفر.
إضافةً إلى ذلك، وعلى صعيد الرقابة الرسمية في الكويت، واجهت الرسالة قيوداً في النشر والتوزيع؛ حيث قررت وزارة الإعلام الكويتية منع كتاب «شكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من محنة» من التداول في الأسواق. وجاء هذا القرار ضمن سياق سياسة الرقابة التي تهدف إلى "حماية الوحدة الوطنية" ومنع إثارة الخلافات المذهبية التي قد تؤثر على السلم الاجتماعي.
ملاحظات
النسخ الخطية
من جانب آخر، تشير المقارنات العلمية بين النسخ الخطية المكتشفة وبين النص الذي أورده السبكي إلى عدم وجود فروق جوهرية كبيرة، مما يؤكد سلامة النص المتواتر ودقته. وقد اعتمدت الدراسات المعاصرة، لاسيما دراسة الدكتور إبراهيم بسيوني في كتابه "الإمام القشيري: سيرته، آثاره، مذهبه في التصوف"، على منهجية المقابلة بين هذه المصادر لإخراج النص بصورة محققة علمياً، مع إضافة عناوين فرعية لتسهيل البحث والاستيعاب.
وفي هذا السياق، نسخة طاجيكستان: أثبتت الدراسات الحديثة وجود نسخة خطية أخرى في مكتبة مسجد يعقوب الشرخي في مدينة دوشنبه بجمهورية طاجيكستان. وقد اعتمد الباحثون على هذه النسخة التي نقلها "عثمان جان رحيموف"، إمام المسجد المذكور، لتعزيز المقابلات النصية للرسالة.
من جانب آخر، رواية تاج الدين السبكي: يُعد النص الذي أورده الإمام التاج السبكي في كتابه "طبقات الشافعية الكبرى" من أوثق المصادر للرسالة؛ أدرجها السبكي كاملةً في ترجمته للإمام أبي الحسن الأشعري، معللاً ذلك بخشيته من ضياعها أو استمرار محاولات إخفائها من جهة المعارضين.
ومن ناحية أخرى، مخطوطة مكتبة قسطموني: توجد نسخة خطية نادرة للرسالة محفوظة في مكتبة قسطموني العامة بتركيا تحت رقم (2713/9).
وفي السياق ذاته، تعددت المصادر التي حفظت نص رسالة "شكاية أهل السنة"، وتنوعت ما بين مخطوطات مستقلة وروايات مسندة داخل بطون الكتب التاريخية، وأبرزها:
الادعاء الثاني: نفي المجازاة على الطاعة والمعصية
إضافةً إلى ذلك، خَصص القشيري هذا الجزء لتفنيد دعوى نُسبت إلى الإمام الأشعري وأتباعه تتعلق بنفي المجازاة (الثواب والعقاب)، حيث نُسب إليهم القول بأن الله لا يجازي المطيعين على إيمانهم وطاعاتهم، ولا يعاقب الكفار والعصاة على كفرهم ومعاصيهم. وصف القشيري هذا الادعاء بأنه "بهتان وتَقَوُّل" يخالف صريح القرآن الذي أكد في آيات كثيرة أن الجزاء يكون من جنس العمل، كقوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ويوضح القشيري أن جوهر الخلاف لا يكمن في وقوع الجزاء، بل في تفسيره؛ فبينما ترى المعتزلة أن الثواب والعقاب واجبٌ عقلي على الله، يذهب الأشاعرة إلى أن الله مالك الملك يفعل ما يشاء، فلا يجب عليه شيء؛ وله أن يتصرف في عباده كما يريد وفق حكمته، فيعذب من يشاء ويرحم من يشاء بمحض ملكه وعدله. ومع ذلك، يؤكد القشيري أن الله قد وعد المحسنين بالثواب وتَوّعد العاصين بالعقاب، ووعده حق وصدق لا يتغير، لكن هذا الثواب يكون بفضله ورحمته، وليس استحقاقاً إجبارياً. ولتأكيد ذلك، استدل القشيري بالحديث النبوي الذي يشير إلى أن العمل وحده ليس كافياً لدخول الجنة، بل هي رحمة الله، حيث قال النبي : «لَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُنْجِيهِ عَمَلُهُ»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة». وهذا التفويض إلى مشيئة الله في الجزاء هو عين الإيمان بالقدر، ولذا ختم القشيري كلامه بالتطرق إليه، مؤكداً أنه ركن أساسي، مستشهداً بآثار عن الصحابة تثبت أنه من أصول العقيدة.
دراسة محتوى الرسالة وأهدافها
كذلك، إثبات موافقة عقيدة الأشعري لمنهج السلف الصالح، وأنها ليست بدعة مستحدثة.
وفي هذا السياق، تهدف الرسالة إلى رصد وقائع الاضطهاد الذي طال علماء الشافعية الأشاعرة، وتفنيد المظالم التي وقعت عليهم، مع التركيز على المحاور التالية:
وعلى صعيد آخر، يخصص الكتاب قسماً خاصاً لتحليل رسالة (شكاية أهل السنة)، مستعرضاً منهج القشيري وغرضه من التأليف في سياق الفتنة.
محتوى الرسالة (ما كتبه القشيري)
- التأكيد على التكامل بين الفقه الشافعي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف السني.
- الدعوة إلى رفع الظلم وكف الألسنة عن تكفير ولعن علماء المسلمين.
- وقد وضّح القشيري هدفه في ختام رسالته فقال ما نَصّه:
كذلك، الرد على الاتهامات الموجهة للأشاعرة وتوضيح براءتهم مما نُسب إليهم في تلك الحقبة.
رسائل العز بن عبد السلام في التوحيد
- السواد الأعظم (كتاب)
- التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية
- براءة الأشعريين من عقائد المخالفين
- العقيدة المرشدة
الادعاء الرابع: نفي وجود القرآن في المصاحف
وفي هذا الصدد، التفريق بين الكتابة والحلول: أوضح أن كون الكلام مكتوباً في المصاحف ومحفوظاً في القلوب لا يقتضي حلوله المادي فيها أو انفصاله عن ذات الله؛ واستشهد بآية سورة الأعراف: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾، مبيناً أن وجود وصف النبي مكتوباً في الكتب السابقة لا يعني حلول ذاته فيها، وكذلك الأمر بالنسبة للقرآن.
كذلك، دَحَض القشيري اتهاماً آخر وُجه إلى أبي الحسن الأشعري وأتباعه، مفاده أنهم يعتقدون أن القرآن الذي أنزله الله ليس هو المكتوب بين دفتي المصحف، وأوضح بطلان هذا الادعاء عبر عدة نقاط رئيسية:
وفي السياق ذاته، إثبات عدم مغايرة المصحف للقرآن: يؤكد القشيري أن موقف الأشعري "وكل مسلم غير مُبتدع" هو أن القرآن كلام الله وهو قديم غير مخلوق، وهو نفسه المكتوب في المصاحف والمقروء بالألسنة، معتبراً اتهام الأشاعرة بغير ذلك مجرد تشنيع ومحاولة للتمويه على العوام.
علاوةً على ذلك، نقد آراء المخالفين: استعرض القشيري آراء المعتزلة ليُبين ما رآه تناقضاً منطقياً؛ فأشار إلى رأي الجبائي (رئيس القدرية البصرية) الذي ذهب إلى أن "القرآن يحُلُّ في جميع المصاحف، ولا يزداد بزيادة المصاحف، ولا ينقص بنقصانها، وهو حالٌّ في حالة واحدة، في ألف ألف مصحف، وإذا زِيد في المصاحف يحصل فيها، وإذا نقصت المصاحف وبطلت لم يبطل الكلام ولم ينقص" وهو ما اعتبره القشيري "قولاً متناقضاً فاسداً". كما انتقد رأي البغداديين من المعتزلة الذين اعتبروا القرآن عَرَضاً، ولا يجوز عندهم البقاء على الأعراض، مما يلزم منه -وفق مذهبهم- أن القرآن الذي أُنزل على النبي محمد ليس بباقٍ اليوم ولا موجود. وختم القشيري كلامه ببيان مفاده أن "من ينتحل مثل هذه البدع ثم يرمي خصمه بما هو بريء منه، فالله سبحانه حسيبه، وجميع أهل التحصيل شهداء على بُهته".
السياق التاريخي
في هذا الإطار، وقعت أحداث هذه الرسالة في عهد الدولة السلجوقية، وتحديداً في زمن السلطان طُغْرُلْبَك. كان الوزير عميد الملك الكندري يؤيد مذهب المعتزلة، فاستصدر أمراً سلطانياً بلعن "أهل البدع" على المنابر، وقصد بذلك الأشاعرة. فأسفر ذلك عن فتنة كبرى، شملت سجنَ عددٍ كبيرٍ من العلماء ونفيَهم، وكان في مقدمتهم: القشيري، والجويني، والبيهقي.
إضافةً إلى ذلك، وبدخوله بغداد برز أثره العلمي؛ إذ كان يجمع بين الأصول على مذهب الأشعري والفروع على مذهب الشافعي. وكان له ولابنه عبد الرحيم من بعده دورٌ محوري في النهوض بالمذهب الأشعري في بغداد، وهو ما أدى لاحقاً إلى احتكاكات مع بعض الحنابلة.
وفي السياق ذاته، لم تكن "الفتنة القشيرية" وليدة لحظتها السياسية في العهد السلجوقي فحسب، بل كانت امتداداً لسلسلة من الصراعات العقدية التي شهدها إقليم خراسان، وتحديداً نيسابور، قبل ذلك بقرن من الزمان. وتبرز محنة ابن حبان (ت 354 هـ) كأهم السوابق التاريخية التي مهدت لهذا المناخ المشحون؛ إذ كان السبب الرئيسي في التضييق عليه هو موقفَه الصارم في إنكار القول بـ "الحد" و"الجهة" في حق الذات الإلهية، وهو ما صرح به في مقدمة كتابه "الثقات". وقد أثار هذا الموقف حفيظة بعض التيارات في نيسابور وسجستان، ولعب الوعاظ دوراً محورياً في تحويل الخلاف العلمي إلى فتنة؛ إذ لم يكتفِ خصومه بمناظرته، بل أثاروا عليه العامة والسلطة. ويذكر التاريخ افتخار الواعظ يحيى بن عمار في سجستان بطرد ابن حبان، إذ نقل عنه أبو إسماعيل الهروي قوله: . وتعكس هذه الحادثة الآليةَ ذاتَها التي استُخدمت لاحقاً لتأليب الرأي العام على القشيري وعلماء الأشاعرة.
كذلك، ففي سنة 445 هـ، أعلن بنيسابور لعن أبي الحسن الأشعري، فضاقت بذلك نفس أبي القاسم القشيري وكتب رسالته "شكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من المحنة". ورغم أن السلطان لم يستجب لشكايته حينها، إلا أن السعايات ضده استمرت حتى فُضت مجالسه وتفرق شمل أصحابه واضطر لمغادرة بلده. فتوجه إلى بغداد سنة 448 هـ، حيث استقبله الخليفة القائم بأمر الله بحفاوة، وعقد له مجالس العلم، قبل أن يعود لاحقاً إلى نيسابور معززاً مكرماً.
الادعاء الأول: زوال النبوة بعد الوفاة
حديث الملائكة السياحين الذين يبلغونه سلام أمته.
وفي هذا الصدد، اجتماعه بالأنبياء ومخاطبتهم في السماوات السبع، مما يثبت حياتهم وصلاتهم وعلمهم.
وفي هذا السياق، حديث «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون» يؤكد أن الموت لا يقطع رتبة النبوة ولا صفة العمل (الصلاة).
من جانب آخر، حديث رد الروح لرد السلام: "ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد عليه السلام".
ومن جهة أخرى، انتقل القشيري إلى المحاججة العقلية، موضحاً أن النبوة رتبة شرف وعلم، ومن المحال عقلاً أن يتحول النبي من العلم إلى الجهل بالموت وهو في أرقى منازل القرب من الله، مؤكداً أن رتبة النبوة تزداد شرفاً وعلواً على الأبد. كما تتبع الجذور الفكرية لهذه الفرية، مبيناً أنها ناتجة عن زعم بعض "الكرامية" أن الميت لا يحس ولا يعلم، وبما أن الإيمان يتطلب المعرفة والتصديق، فالميت عندهم لا يكون مؤمناً، وبالتالي لا يكون نبياً. وصف القشيري هذه المذاهب بـ "الركاكة والفساد"، وأكد أن مذهب أهل السنة (الأشاعرة) يقوم على أن النبي حي في قبره، يُعرض عليه أعمال أمته، ويبلغه صلاتهم وسلامهم.
من جانب آخر، اعتبر القشيري هذه المسألة أولى الأكاذيب التي فنّدها في رسالته، حيث نُسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري وأتباعه قول مفاده أن "محمداً ليس نبياً في قبره، ولا رسولاً بعد موته". وصف القشيري هذا الادعاء بأنه "بهتان عظيم وكذب محض"، مؤكداً خلو كتب الأشعري وأتباعه من هذا القول، وعدم وروده في مجالس مناظراتهم.
إضافةً إلى ذلك، ولإثبات بقاء صفة النبوة وحياة النبي في قبره، استدل القشيري بالقرآن والسنة؛ فمن القرآن استشهد بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]، معتبراً أن الأنبياء أحق بهذه الرتبة من الشهداء، فإذا ثبتت الحياة للشهيد، فالنبي أعلى درجة وأولى بها. كما أورد مجموعة من الأحاديث النبوية التي تؤكد اتصال النبي بأمته بعد وفاته، ومنها:
علاوةً على ذلك، رؤيته لموسى عليه السلام وهو يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر ليلة الإسراء.
نبذة عن المؤلف
من جهة ثانية، واجه في أواخر حياته محنة سياسية وعقدية جراء السياسة المذهبية للوزير الكُنْدُري واضطهاده للأشاعرة، وهي الظروف التي أنتجت رسالته «شكاية أهل السنة»؛ حيث اضطر إثر تلك الأزمة إلى مغادرة نيسابور مؤقتاً، قبل أن يعود إليها ويواصل التدريس والإملاء حتى وفاته.
ومن ناحية أخرى، ترك عدداً من المصنفات، أبرزها "الرسالة القشيرية" في علم التصوف، و"لطائف الإشارات" في تفسير القرآن، و"التحبير في التذكير" في شرح أسماء الله الحسنى، و"نحو القلوب" في علم النحو. ومن أبرز مظاهر تأثيره العلمي أن تلميذه الفارمذي أصبح شيخ أبي حامد الغزالي في التصوف. وفي الوقت ذاته، حمل تلميذه الهجويري منهجَه إلى بلاد الهند عبر كتابه "كشف المحجوب". أما على صعيد تفسير القرآن، فقد فتح كتابه "لطائف الإشارات" آفاقاً جديدة في طريقة فهم الآيات القرآنية، وأثّر فيمَن جاء بعده من أصحاب التفاسير الإشارية كابن عجيبة في تفسيره "البحر المديد".
في هذا الإطار، وصفه ابن الصلاح بأنه: "الفقيه الصوفي، المفتنُّ في العلوم". وأثنى عليه أبو سعد السمعاني بقوله: "أحد مشاهير الدنيا بالفضل والعلم والزهد"؛ في حين لقّبه زكريا القزويني بـ "الأستاذ قدوة المشايخ"، معتبراً إياه "وحيد دهره علماً وورعاً". وتحدث عنه ابن ماكولا قائلاً: "إمام الصوفية"، مؤكداً أنه "من كبار العلماء في الفقه والتفسير والحديث والأصول والأدب والشعر". وقال الذهبي: "كان عديم النظير في السلوك والتذكير، لطيف العبارة، طيب الأخلاق، غواصاً على المعاني".
من جانب آخر، ومن تلاميذه: الهجويري (ت 465 هـ)، أبو علي الفارمذي (ت 477 هـ)، أبو سعد المتولي النيسابوري (ت 478 هـ)، الوزير نظام الملك (ت 485 هـ)، أبو القاسم الأنصاري (ت 512 هـ)، والبغوي (ت 516 هـ).
في هذا الإطار، من شيوخه: أبو الطيب الصعلوكي (ت 404 هـ)، أبو علي الدقاق (ت 405 هـ)، الحاكم النيسابوري (ت 405 هـ)، أبو بكر بن فورك (ت 406 هـ)، أبو عبد الرحمن السلمي النيسابوري (ت 412 هـ)، أبو إسحاق الإسفراييني (ت 418 هـ)، أبو بكر الطوسي (ت 420 هـ)، ابن باكويه (ت 428 هـ)، وعبد القاهر البغدادي (ت 429 هـ).
علاوةً على ذلك، عبد الكريم بن هوازن القشيري النيسابوري (376–465هـ / 986–1072م)، يُكنى بأبي القاسم ويُلقب بـ «زين الإسلام»؛ يرجع نسبُه في أرجح الأقوال إلى قبيلة يمنية تنتهي إلى قُشَير بن كعب. وهو عالم صوفي موسوعي، فقيه شافعي، ومتكلم أشعري، مفسر، ومحدث، ونحوي، وأديب، وشاعر. يُعتبر من أعلام المدرسة الصوفية في خراسان خلال القرن الخامس الهجري، حيث سعى في منهجه إلى التوفيق بين أحكام الشريعة الإسلامية ومبادئ التصوف العملي. قال ابن خلكان: "كان علّامة في الفقه والتفسير والحديث والأصول والأدب والشعر والكتابة وعلم التصوف، جمع بين الشريعة والحقيقة". وقال الخطيب البغدادي: "حدَّث ببغداد وكتبنا عنه وكان ثقة، وكان يعظ وكان حسن المواعظ مليح الإشارة، وكان يعرف الأصول على مذهب الأشعري، والفروع على مذهب الشافعي".
الطبعات الحديثة
إضافةً إلى ذلك، ويُشير المحقق إلى سببين دفعاه إلى إنجاز هذا العمل: أولهما سؤاله للشيخ حسن الشافعي —وهو من علماء الأزهر المعروفين بعلم الكلام— في درسه الأسبوعي بالجامع الأزهر عن رسالة «زجر المفتري»، فتبيَّن أنها غير معروفة لديه، مما حثَّ المحقق على إخراجها. وثانيهما أن منظومة تاج الدين السبكي في العقيدة كانت مجهولة لدى الباحثين على خلاف نونية ابن القيم التي اشتُهرت، فأراد إتاحتها للدارسين.
إضافةً إلى ذلك، أما الطبعة الحديثة الأخرى للرسالة، فقد صدرت عام 2016م عن «دار النور المبين للنشر والتوزيع» في عمّان بالأردن، وحملت عنوان: «شكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من محنة». وقد اعتنى بتحقيقها الباحثان محمد خالد ذو الغنى ومحمد يوسف إدريس.
في هذا الإطار، نُشرت «شكاية أهل السنة» لأول مرة في طبعة حديثة محققة ضمن مجموع بعنوان «رسائل في المذهب الأشعري»، جمَعه وحقَّقه محمد فتحي النادي، وصدر عن مكتبة وهبة بالقاهرة سنة 1431هـ/2010م. ضمَّ هذا المجموع خمسة نصوص تاريخية تتعلق بالمذهب الأشعري، مرتَّبةً ترتيباً زمنياً من الأقدم إلى الأحدث، هي: «شكاية أهل السنة» للقشيري، و«رسالة الحافظ البيهقي»، و«زجر المفتري على أبي الحسن الأشعري» لأبي العباس القرطبي (ت 656 هـ)، و«تقريظ زجر المفتري» لشيخ الإسلام ابن دقيق العيد (ت 702 هـ)، و«نونية تاج الدين السبكي في العقيدة».
وعلى صعيد آخر، يذكر المحقق في مقدمته أن اهتمامه بهذه النصوص نشأ أثناء قراءته في كتاب «طبقات الشافعية الكبرى» للإمام تاج الدين السبكي (ت 771 هـ)، إذ لاحظ أن هذا الكتاب لا يقتصر على تراجم رجال المذهب الشافعي، بل يتضمن كذلك عرضاً وافراً للقضايا الكلامية المتصلة بالمذهب الأشعري، نظراً لأن كثيراً من كبار الأشاعرة كانوا شافعيين في الفروع الفقهية، من أمثال الجويني والغزالي والرازي. فعزم على استخراج الرسائل المتعلقة بالمذهب الأشعري من ذلك الكتاب، ونشرها مجتمعةً في مصنَّف مستقل، مضافاً إليها رسالة أخرى مأخوذة من كتاب «تبيين كذب المفتري» لابن عساكر.
مشروعية علم الكلام
من جهة ثانية، شن القشيري هجوماً على من أسماهم "الحشوية" الذين زعموا أن الاشتغال بعلم الكلام بدعة، ومخالفة لطريق السلف، موضحاً بأن أصول علم الكلام موجودة في القرآن والسنة النبوية، وأن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين سلكوا سبيل النظر والاستدلال والاجتهاد.
من جهة ثانية، يرى القشيري أن السبب الرئيسي وراء جحود البعض لهذا العلم هو الجهل والعجز عن درك الحقائق وقلة البضاعة في العلوم العقلية. فهو يصفهم بأنهم أشخاص لم يفتح الله عليهم في فهم الدقائق، فاستسهلوا ذمه هرباً من كشف جهلهم، معتبراً أن "الناس أعداء ما جهلوا". فكما أن المريض قد يكره الدواء لمرارته أو لجهله بنفعه، فإن هؤلاء يذمون علم الكلام بسبب جهلهم وقصور عقولهم.
ومن ناحية أخرى، اعتبر أن معرفة الله وصفاته بالدليل هي ركن أساسي في الإيمان، وأن التقليد المحض في العقائد لا يكفي لرد شُبهات المُشككين.
علاوةً على ذلك، دافع عن استخدام النظر العقلي طالما أنه يستند إلى الأصول الشرعية، مستشهداً بالقول القرآني: .
علاوةً على ذلك، يتهم القشيري هؤلاء الجاحدين بالتمويه والخداع على عامة الناس. ففي نظره، هؤلاء الذين يرفضون النظر العقلي يقعون بالضرورة في التشبيه والتجسيم، لأنهم يأخذون بظواهر النصوص دون تنزيه عقلي، فجحدوا "الكلام" لكي لا تنكشف بدعهم ومذاهبهم الفاسدة.
إضافةً إلى ذلك، خصص الإمام القشيري في رسالته مساحة للدفاع عن مشروعية علم الكلام (النظر العقلي في العقائد)، معتبراً إياه ضرورة شرعية. وتتلخص رؤيته في النقاط التالية:
من جانب آخر، وفي النهاية، يتبنى القشيري في رسالته موقفاً نقدياً حاداً تجاه جاحدي علم الكلام، ولا يكتفي بالدفاع عن العلم فحسب، بل يحلل الدوافع النفسية والعلمية التي تجعل البعض يعاديه. ويمكن تلخيص رأيه كالتالي:
في هذا الإطار، يرى أن علم الكلام ليس مذموماً لذاته، بل هو أداة ضرورية لنصرة الحق بكشف الشُّبهات وتوضيح الأدلة والبراهين على فساد آراء المخالفين، لحماية العقيدة من شبهات أهل الأهواء وأهل البدع كالخوارج، والجهمية، والمعتزلة، والقدرية.
العقيدة الصلاحية
- جواهر العقائد (نونية خضر بك)
- المصادر
- المراجع
- بالألمانية
- بالإنجليزية
- بالتركية
- بالفارسية
- بالفرنسية
- قراءة مُوسَّعة
الأهمية التاريخية
إضافةً إلى ذلك، تُعَد "شكاية أهل السنة" مصدراً أولياً لفهم الصراعات المذهبية في القرن الخامس الهجري. وبفضل هذه الرسالة وغيرها من الجهود، تغيرت سياسة الدولة السلجوقية لاحقاً، وتحديداً عند تَوَلِّي السلطان ألب أرسلان ووزيره نظام الملك زمام الأمور، حيث عمل نظام الملك —بدعم من السلطان— على رد الاعتبار للأشاعرة وإنهاء مرحلة التضييق التي تعرضوا لها، مُتَوِّجاً ذلك بتأسيس "المدارس النظامية" التي أصبحت صرحاً علمياً لتدريس الفقه الشافعي والعقيدة الأشعرية.
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟