ذات حميم

قبل الخوض في التفاصيل، ذات حِمْيَم (بخط المسند: 𐩹𐩩 𐩢𐩣𐩺𐩣، ذ ت / ح م ي م؛ وتُكتب كذلك ذات حَمِيم) إلهة عربية جنوبية قديمة من آلهة اليمن القديم، وإحدى كبرى معبودات مجمع الآلهة في سبأ. يرد اسمها منذ أقدم الوثائق المكتوبة في شبه الجزيرة العربية وفي المستوطنات السبئية في الحبشة. وعُبدت كذلك في حضرموت، حيث كانت الإلهة الراعية لمعبدين كبيرين في ريبون. أما في قتبان فلا ترد عبادتها إلا في شواهد متفرقة، وتظهر فيها حاميةً للمعابد، في حين ترتبط الإشارات القليلة إليها في النقوش المعينية كلها بالتأثير السبئي. وتعرض الأقسام التالية جوانب أخرى من الموضوع.
في سبأ
إضافةً إلى ذلك، وتُذكر ذات حميم دائمًا في الابتهالات الختامية للنقوش السبئية، في المرتبة الثالثة أو الرابعة بعد عثتر وهوبس والمقه. ويشهد ذلك على استمرار عبادتها طوال العصر الوثني، حتى نهاية القرن الثاني الميلادي على الأقل. وفي النصف الأول من القرن نفسه ذُكر معبد ثانٍ لها يُدعى «ريدان» في نقش من موقع ضاف في المرتفعات.
إضافةً إلى ذلك، تدل كثرة ورود اسم ذات حميم في النقوش على مكانتها في الديانة العربية الجنوبية القديمة؛ فهي تظهر منذ أقدم الوثائق إحدى الآلهة الرئيسية في مجمع الآلهة السبئي. وقد قُدّمت إليها النقوش الإهدائية في قلب مملكة سبأ، وفي المناطق الطرفية كذلك، مثل تهامة (في نقش من موقع الحامد) والمستوطنات السبئية في وادي الجوف. وأُقيم لها معبد في بلدة خربة سعود، واسمها القديم كتلم.
ومن جهة أخرى، أما ذكرها في نقوش الممالك المحلية في الجوف، ومنها معين، فيبدو مرتبطًا كله بنوع من الولاء المحلي لسبأ، لا بعبادة أصيلة في تلك الممالك.
معبدا ريبون
علاوةً على ذلك، المعابد الوحيدة لذات حميم التي أمكن تحديدها أثريًا تقع كلها في أراضي حضرموت، في ريبون. وهما مجمّعان ضخمان يتألف كلٌّ منهما من عدة مبانٍ، ويقعان على ضفتين متقابلتين من الوادي نفسه. الأول معبد ذات حميم «ذات كفس/نعمان»، و«كفس» و«نعمان» لقبان للإلهة يردان في النقوش المحلية. والثاني معبد ذات حميم «ذات رحبان».
من جهة ثانية، وتشهد ضخامة المعبدين، ونحو خمسمئة ذكر لاسم الإلهة في نقوش الموقع، على الإجلال الذي حظيت به هناك وعلى مكانتها البارزة في مجمع الآلهة الحضرمي. ومع ذلك فالشواهد على عبادتها في مواقع المملكة الأخرى نادرة، وتكاد تقتصر على العاصمة شبوة والجزء الشرقي من وادي حضرموت.
في قتبان
وفي السياق ذاته، يوحي العدد المحدود لشواهد ذات حميم في النقوش القتبانية، وأغلبها يعود إلى الربع الأخير من الألف الأول قبل الميلاد، بأنها كانت فيها إلهة ثانوية. فنادرًا ما قُدّمت إليها الإهداءات، وإذا ذُكرت في الابتهالات الختامية للنقوش جاءت في آخر القائمة. ومع ذلك يبدو أن عبادتها امتدت على رقعة واسعة، شملت هجر كحلان وحنو الزرير ومريمة ووادي ضراء ومنطقة البيضاء.
المراجع
المصادر
إضافةً إلى ذلك، وذهبت جاكلين بيرين إلى أن صور النساء على بعض شواهد القبور القتبانية تمثّل ذات حميم، والأرجح أن هذا الرأي لا يُعتدّ به. فالأقرب أن تلك المنحوتات صور للمتوفَّين في هيئة المبارِك.
من جانب آخر، وتحمل ذات حميم في النقوش القتبانية أحيانًا لقب «عثتر» مضافًا إلى اسم معبد، كما في عبارة «ذات حميم عثتر يغل». وقد اقتُرح أن هذا اللقب اسم إلهٍ مؤنث مشتق من اسم الإله عثتر، ثم صار اسمًا عامًا يدل على فئة من الإلهات الثانويات. ويُقارَن بـ«الإشتارات» (ishtarātu) في بلاد الرافدين، ويُرجَّح أن هذه الإلهات كُنّ حاميات للأماكن المقدسة.
وظائفها ومكانتها
كذلك، وكانت مرتبتها في التسلسل الإلهي في ريبون دون مرتبة الإله سيان. وكان لها عيدها الخاص، ويُسمّى بالمصطلح نفسه «معد» الذي يُسمّى به عيد سين. وحمل أحد كهنتها لقب «محمد رحبن»، وقد يُفهم بمعنى «المُمَجَّد في (معبد) رحبان». ويُقارَن هذا اللقب باسم النبي محمد (أو بلقبه على الأرجح).
من جانب آخر، يُظهر تحليل الإهداءات المقدمة إلى ذات حميم في ريبون أنها كانت مسؤولة عن تنظيم العلاقات الزوجية، وربما عن حقوق ملكية الأرض كذلك. وتؤكد النقوش كذلك وجود آلهة ثانوية تابعة لها، على غرار الكائنات الإلهية المعروفة في النقوش العربية الجنوبية باسم «أ ش م س» أو «م ن ض ح ت». ويُشار إلى هذه الآلهة التابعة بعبارة «رعبت ذت حميم» (بالمفرد) وعبارة «صرعي ذت حميم» (بالجمع).
في إثيوبيا وإريتريا
في حضرموت
من جهة ثانية، عُبدت ذات حميم كذلك في المستوطنات السبئية في إثيوبيا وإريتريا. وكُتب اسمها هناك محليًا بصيغة «ذت حمن» (𐩹𐩩 𐩢𐩣𐩬، ذ ت / ح م ن)، لا في الكتابات الجدارية من موقعَي فقيا ودخنامو فحسب، بل حتى في نقش ملكي من مملكة دعمت الإثيوبية الشديدة التأثر بسبأ. وتدل نصوص من عهد الملك الأكسومي عيزانا، سابقة على اعتناقه المسيحية، على نوع من المقابلة بين ذات حميم وإله الأرض في أكسوم. ويرد اسم هذا الإله في تلك النصوص بصيغتي «م د ر»، ويقابله في النص اليوناني «Γῆ» (أي «الأرض»).
تحريم تصويرها
وفي هذا السياق، يُستفاد من نقش تكفيري من معبد كفس/نعمان، ومن نصّين مجتزأين من معبد رحبان، أن ريبون القديمة عرفت نوعًا من تحريم التصوير، إذ كان يُحظر فيها صنع أي صورة لذات حميم. وقد اقترحت الباحثة آنه مولتهوف تفسير عبارة «مثل مݽل» في النقوش المعينية والحضرمية بمعنى «مِثْلَه» في العربية. غير أن فرانتسوزوف وروسي يريان أن هذا التفسير مردود بعد تحليل دقيق لسياقات النقوش.
الاسم
ومن ناحية أخرى، يرد اسم ذات حميم في جميع مدوّنات النقوش العربية الجنوبية القديمة، فقد عُبدت في سبأ وقتبان وحضرموت. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنها إلهة شمسية، أي مظهر من مظاهر الإلهة شمس، استنادًا إلى معنى «الحرارة» الذي يحمله الجذر «ح م م»، غير أن هذا الرأي تعرّض للنقد. ورأى باحثون آخرون أن اسم الإلهة يتصل بالأحرى بالجذر «ح م ي» بمعنى «حَمَى»، وهو جذر كثير الورود في النقوش العربية الجنوبية. لكن هذه المحاولات الاشتقاقية، وإن راجت حتى أواخر القرن العشرين الميلادي، تبدو اليوم غير موثوقة.
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟