دالة الحموضة
المحتويات

على سبيل التعريف، دالة الحموضة هي مقياس للقدرة الديناميكية الحرارية لنظام مذيب على منح الهيدرونات أو قبولها، أو لخاصية ديناميكية حرارية وثيقة الصلة بذلك، مثل ميل أيون اللييات في نظام المذيب إلى تكوين إضافة لويس. ولا تُعد دالة الحموضة خاصية للمذيب وحده، بل تعتمد كذلك على المذاب، أو على مجموعة من المذابات المتقاربة بنيويًا، التي تُقاس بالنسبة إليها هذه القدرة الديناميكية الحرارية. وتُستعمل دوال الحموضة عادةً لوصف الأوساط الحمضية أو القاعدية المركزة. ومن أشهرها دالة هاميت للحموضة H، التي تستعمل قواعد دالة غير مشحونة، ولا سيما الأمينات العطرية الأولية. وتعرض الأقسام التالية جوانب أخرى من الموضوع.
إضافةً إلى ذلك، تُحدد دوال الحموضة عادةً على مدى من تراكيب نظام مذيب معين، بقياس درجة الهيدرونة، أي البرتنة أو تكوين إضافة لويس، لسلسلة من القواعد أو الأحماض الدالة المتشابهة بنيويًا والمختلفة في القوة. ويمكن إجراء هذه القياسات باستخدام مطيافية الأشعة فوق البنفسجية والمرئية أو مطيافية الرنين المغناطيسي النووي.
علاوةً على ذلك، يُعد الأس الهيدروجيني (pH) أشهر مقياس للحموضة في المحاليل المائية، ولا سيما المحاليل المخففة. إلا أن دوال الحموضة الأخرى تُستعمل عندما لا يكون الأس الهيدروجيني مقياسًا مناسبًا، مثل الأوساط المركزة أو غير المائية. ومن أبرزها دالة هاميت للحموضة H للأوساط شديدة الحموضة، وH للأوساط شديدة القاعدية. ويُستعمل مصطلح «دالة الحموضة» كذلك في وصف بعض المقاييس المطبقة على الأوساط القاعدية، بينما لا يُستعمل مصطلح دالة القاعدية على نطاق واسع في هذا السياق.
دوال حموضة أخرى لكواشف مختلفة البنية
وفي هذا السياق، إلى جانب H، طُورت دوال حموضة أخرى مصممة خصيصًا لكواشف دالة ذات بنى مختلفة، وذلك لأن نسبة معاملات النشاط بين صورتَي الكاشف تختلف باختلاف الشحنة والبنية الجزيئية له. فمثلًا:
من جهة ثانية، وتشترك هذه الدوال جميعها في المبدأ نفسه الذي تقوم عليه دالة هاميت، أي قياس درجة الهيدرونة لسلسلة من الكواشف الدالة المتشابهة بنيويًا، لكنها تختلف في اختيار عائلة الكاشف بما يناسب طبيعة المذاب المراد دراسة سلوكه.
وفي هذا الصدد، دوال متخصصة لوصف حموضة الأوساط غير المائية أو الممزوجة بمذيبات عضوية، حيث تختلف طبيعة التآثر بين المذيب والمذاب اختلافًا جوهريًا عن الأوساط المائية المركزة.
علاوةً على ذلك، دالة أخرى تصف تأين الكحولات الثلاثية والكربينولات لتكوين كاتيونات الكربوكاتيون المستقرة، وتُستعمل في دراسة الوسط الحمضي اللازم لتوليد هذه الأنواع من الأيونات الموجبة.
كذلك، دالة تُستعمل لوصف بروتنة الأولفينات (المركبات غير المشبعة)، إذ تختلف استجابة هذه المركبات للوسط الحمضي عن استجابة الأمينات العطرية المستعملة في تعريف H.
الصياغة الديناميكية الحرارية الدقيقة
وفي هذا الصدد، في التعريف التشغيلي البسيط لدالة هاميت، تُستبدل النسبة بين التراكيز بنسبة بين النشاطات الكيميائية للشكلين المبرتَن وغير المبرتَن للكاشف الدال، مع إدراج معاملات النشاط الخاصة بكل صورة. ويقوم التبسيط الذي اقترحه هاميت أصلًا على افتراض أن نسبة معاملات نشاط الشكلين المبرتَن وغير المبرتَن للكاشف تبقى ثابتة على وجه التقريب بصرف النظر عن الكاشف المستعمل، طالما كانت الكواشف متقاربة بنيويًا (وهو ما يُعرف أحيانًا بافتراض الإلغاء). غير أن هذا الافتراض هو بالضبط مصدر القصور الذي نوقش سابقًا، إذ تبيّن أن معاملات النشاط لا تتصرف بالطريقة نفسها لجميع فئات الكواشف، وهو ما دفع إلى تطوير معالجات بديلة كطريقة بونيت-أولسن وطريقة الحموضة الزائدة، واللتين تتعاملان مع تباين معاملات النشاط بصورة أكثر واقعية بدلًا من افتراض إلغائها الكامل.
مقارنة دوال الحموضة بالأس الهيدروجيني
جدول توضيحي لقيم دالة هاميت في بعض الأوساط الشائعة
في هذا الإطار، في المحلول المائي المخفف، يكون أيون الهيدرونيوم HO النوع البروتوني الرئيس في الوسط، ويكون الأس الهيدروجيني مقياسًا عمليًا مناسبًا للحموضة. أما في الأوساط المركزة أو غير المائية، فإن الحموضة لا يمكن وصفها بصورة كافية بمجرد تركيز أيونات الهيدروجين، لأن النشاط الكيميائي والتآثرات بين المذيب والمذاب تؤثر في السلوك البروتوني للوسط. ولهذا تستعمل دوال الحموضة لمقارنة قدرة الأوساط المختلفة على منح الهيدرونات أو قبولها.
كذلك، ولا تعني قيمة H = −21 أن تركيز أيونات الهيدروجين يساوي 10 مول/لتر؛ فهذا تفسير غير صحيح لدالة الحموضة. بل تعبر القيمة عن قدرة الوسط الحمضية بالنسبة إلى المقياس المرجعي والكاشف الدال المستعملين في تعريف الدالة. ولذلك لا يجوز تفسير قيم H السالبة على أنها قيم سالبة للأس الهيدروجيني بالمعنى المباشر.
ومن ناحية أخرى، هذه القيم تقريبية وتعتمد على الكاشف الدال والطريقة الطيفية المستعملة في القياس، وتُظهر الفارق الكبير بين حموضة الأحماض التقليدية المركزة وحموضة الأحماض الفائقة.
إضافةً إلى ذلك، وقد تكون قيم دالة هاميت H سالبة جدًا في الأوساط فائقة الحموضة. فمثلًا، أُبلغ عن قيم تقارب −21 لبعض مخاليط خامس فلوريد الإثمد SbF وحمض الفلوروسلفونيك HSOF.
تطبيقات دوال الحموضة
علاوةً على ذلك، دراسة حركية التفاعلات الحمضية التحفيز في الأوساط المركزة، والاستدلال على آليات هذه التفاعلات من خلال طريقة تغير سرعتها مع تغير حموضة الوسط.
من جانب آخر، تقدير ثوابت التفكك الحمضي (pKa) لقواعد ضعيفة جدًا لا يمكن دراسة توازن برتنتها في الماء المخفف، مثل بعض الأمينات الضعيفة والكيتونات والإسترات، وذلك بالاستقراء من بيانات مقاسة في أوساط أكثر حموضة.
وفي هذا السياق، تُستعمل دوال الحموضة في عدد من المجالات العملية للكيمياء الفيزيائية والعضوية، من أبرزها:
- انظر كذلك
- أس هيدروجيني
- مقياس الأس الهيدروجيني
- دالة هاميت للحموضة
- حمض فائق
- قاعدة فائقة
- معادلة هندرسون-هاسلبالخ
- ثابت تفكك الحمض
وفي هذا الصدد، دراسة استقرار الوسط الحمضي اللازم لتحفيز تفاعلات صناعية معينة، مثل بعض تفاعلات الأسترة والهدرجة والبلمرة الكاتيونية التي تجرى في أوساط شديدة الحموضة.
كذلك، توصيف قوة الأحماض الفائقة ومقارنتها الكمّية، وهو ما يُستعمل في تصميم أوساط تفاعل قادرة على بروتنة جزيئات ضعيفة القاعدية جدًا أو توليد كاتيونات كربونية مستقرة نسبيًا لدراستها.
دالة هاميت للحموضة
وفي هذا السياق، دالة هاميت للحموضة H هي أشهر دوال الحموضة، وقد اقترحها لويس بلوي هاميت لوصف حموضة الأوساط التي تتجاوز المجال الذي يمكن فيه استخدام المقاييس التقليدية للحموضة بصورة مباشرة. وتُعرَّف تشغيليًا باستخدام قاعدة دالة ضعيفة B وحمضها المرافق BH، وفق العلاقة:
في هذا الإطار، وتُعد دالة H المقياس الأكثر شيوعًا لحموضة الأوساط شديدة الحموضة. وقد استُخدمت لتوصيف أوساط مثل حمض الكبريتيك المركز ومخاليط حمض الفلوروسلفونيك وخامس فلوريد الإثمد وغيرها من الأوساط فائقة الحموضة.
كذلك، وقد قِيست دالة H تاريخيًا باستخدام مركبات النيتروأنيلين وغيرها من القواعد العطرية الضعيفة بوصفها كواشف دالة، وذلك بقياس تراكيز الأشكال المبرتنة وغير المبرتنة باستخدام مطيافية الأشعة فوق البنفسجية والمرئية. ويمكن استخدام تقنيات طيفية أخرى، مثل مطيافية الرنين المغناطيسي النووي.
إضافةً إلى ذلك، حيث هو ثابت تفكك الحمض للحمض المرافق BH، وc وc هما تركيزا الشكل غير المبرتَن والشكل المبرتَن، على التوالي. وفي الصياغة الديناميكية الحرارية الدقيقة تُستعمل النشاطات بدلًا من التراكيز، وهو ما سيُفصَّل لاحقًا.
الخلفية التاريخية
من جانب آخر، نشأت فكرة دوال الحموضة من محاولة تجاوز القصور العملي للأس الهيدروجيني في وصف الأوساط شديدة التركيز. ففي المحاليل المائية المخففة يُعبّر الأس الهيدروجيني بدقة عن تركيز أيون الهيدرونيوم، لكن هذا التعريف يفقد معناه العملي كلما زاد تركيز الحمض، إذ تتداخل تأثيرات النشاط الكيميائي وتركيب المذيب نفسه مع سلوك البروتون. لمعالجة هذا القصور، اقترح الكيميائي الأمريكي لويس بلوي هاميت بالتعاون مع الباحثة ديروب عام 1932 مقياسًا جديدًا يعتمد على قياس درجة برتنة سلسلة من الأمينات العطرية الضعيفة (الأنيلينات المستبدلة بمجموعات نيترو) بدلًا من الاعتماد على تركيز أيون الهيدروجين مباشرة، وذلك بافتراض أن معاملات النشاط لهذه الكواشف المتشابهة بنيويًا تتغير بالطريقة نفسها مع تغير تركيب الوسط، فيُلغي بعضها بعضًا رياضيًا.
من جانب آخر، وقد وسّع هاميت لاحقًا هذا المفهوم في كتابه المرجعي «الكيمياء العضوية الفيزيائية» الذي صدرت طبعته الأولى عام 1940، فأصبحت دالة الحموضة H أداة قياسية لدراسة حركية التفاعلات الحمضية التحفيز في الأوساط المركزة، ومهّدت الطريق لاحقًا لتطوير عائلة كاملة من دوال الحموضة المتخصصة بحسب طبيعة الكاشف الدال ونوع التفاعل المدروس.
العلاقة بمفهوم الحمض الفائق
علاوةً على ذلك، يرتبط استخدام دالة هاميت ارتباطًا وثيقًا بتعريف الحمض الفائق، إذ يُصنَّف الوسط الحمضي حمضًا فائقًا إذا كانت قيمة H فيه أكثر سالبية من قيمة H لحمض الكبريتيك النقي (التي تبلغ نحو −12). وبهذا المعنى، تُستعمل دالة هاميت أداةً كمّية أساسية لترتيب قوة الأحماض الفائقة المختلفة ومقارنتها ببعضها، مثل مزيج حمض الفلوروسلفونيك مع خامس فلوريد الإثمد المعروف تجاريًا، والذي يُعتبر من أقوى الأحماض الفائقة المعروفة نظرًا لقيمة H شديدة السالبية له.
دالة الحموضة في الأوساط شديدة القاعدية
وفي هذا السياق، حيث c وc هما تركيزا القاعدة المرافقة والشكل الحمضي للكاشف، على التوالي. وفي المحاليل المائية المخففة، تقترب دالة من هذا النوع من الأس الهيدروجيني عندما تصبح النشاطات قريبة من التراكيز. وقد طُورت مقاييس ودوال أخرى لوصف الأوساط القاعدية، وتختلف طريقة تعريفها بحسب الكاشف الدال ونظام المذيب.
من جهة ثانية، يمكن استخدام دوال الحموضة كذلك لوصف الأوساط القاعدية القوية. ومن أبرزها الدالة H، التي تستعمل حمضًا دالًا ضعيفًا بدلًا من قاعدة دالة. فإذا كان BH حمضًا ضعيفًا وكانت B قاعدته المرافقة، يمكن التعبير عن الدالة بالعلاقة:
قصور دالة هاميت ومشكلة اختيار الكاشف الدال
إضافةً إلى ذلك، وفي اتجاه موازٍ، طوّر روبن كوكس وكيث ييتس منهجًا يُعرف بطريقة الحموضة الزائدة، وهو امتداد أكثر عمومية لمعالجة بونيت-أولسن، يسمح بوصف حموضة الوسط عبر مدى أوسع من التراكيز ولمجموعة أكبر من أنواع القواعد الدالة، مع مراعاة تغير معاملات النشاط بصورة أدق من التقريب الذي افترضته دالة هاميت الأصلية.
وفي هذا الصدد، يقوم تعريف دالة H على افتراض أساسي، وهو أن نسبة معاملات النشاط لصورتَي الكاشف الدال (المبرتنة وغير المبرتنة) تبقى ثابتة على وجه التقريب مهما اختلف الكاشف المستعمل، طالما كانت الكواشف متقاربة بنيويًا. غير أن الأبحاث اللاحقة أظهرت أن هذا الافتراض لا يتحقق بدقة، إذ تختلف قيم H المقاسة باختلاف نوع الكاشف الدال المستعمل (مثل الأنيلينات مقارنةً بالأميدات أو الإندولات)، وهو ما يعني أن الدالة ليست خاصية موضوعية بحتة للوسط، بل ترتبط جزئيًا بطبيعة الكاشف نفسه.
إضافةً إلى ذلك، وقد ارتبطت هذه المشكلة تاريخيًا بما عُرف بفرضية زوكر-هاميت، التي اقترحها الباحثان لويس زوكر ولويس هاميت عام 1939 بوصفها معيارًا لتحديد آلية التفاعلات الحمضية التحفيز، إذ افترضا أن التفاعل يتبع آلية أحادية الجزيء إذا تناسب لوغاريتم ثابت سرعته خطيًا مع دالة H، بينما يتبع آلية ثنائية الجزيء إذا تناسب مع تركيز أيون الهيدروجين مباشرة. غير أن هاميت نفسه أوضح لاحقًا أن هذه الفرضية غير دقيقة في كثير من الحالات، لأن التناسب الخطي مع H لا يُعد دليلًا حاسمًا على الآلية، بسبب اختلاف سلوك المذاب عن سلوك الكاشف الدال المستعمل في تعريف الدالة.
من جانب آخر، ولتجاوز أوجه القصور هذه، طوّر الباحثان بونيت وأولسن عام 1966 معالجة بديلة تعتمد على علاقات خطية بين طاقة جيبس الحرة لتفكك أزواج مختلفة من القواعد أو الأحماض الدالة في الوسط نفسه، فصار بالإمكان تقدير ثوابت التفكك pKa لقواعد ضعيفة جدًا استنادًا إلى بيانات كواشف أخرى معروفة، دون افتراض تطابق معاملات النشاط بين الكواشف المختلفة.
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟