مرجع
آخر الزيارات

حملة جنوب وهران (1897–1903)

2٬873 كلمة•0 مشاهدة•🗒️ منذ يومين
باختصار: حملة جنوب وهران هي سلسلة مواجهات عسكرية وقعت بين عامي 1897 و 1903 في إقليم جنوب وهران والمناطق الصحراوية المتاخمة للحدود بين قوات الاستعمار الفرنسي ضد قبائل منطقة جنوب وهران والحدود المدعومة روحياً وسياسياً من السلطنة الشريفة. تتناول المقالة 8 أقسام، منها «التداعيات السياسية والاقتصادية الممتدة»، «الاستعداد الخارجي» و«المواجهة الحاسمة».
المحتويات
  1. التداعيات السياسية والاقتصادية الممتدة
  2. الاستعداد الخارجي
  3. المواجهة الحاسمة
  4. الآثار الاستراتيجية والعسكرية
  5. ما بعد المعركة وتأمين المراكز
  6. الاستعداد الداخلي
  7. سير الحملة والتحركات الميدانية
  8. مراسلات القيادة العسكرية وتطور الإنذارات
حملة جنوب وهران (1897–1903)

بدايةً، حملة جنوب وهران هي سلسلة مواجهات عسكرية وقعت بين عامي 1897 و 1903 في إقليم جنوب وهران والمناطق الصحراوية المتاخمة للحدود بين قوات الاستعمار الفرنسي ضد قبائل منطقة جنوب وهران والحدود المدعومة روحياً وسياسياً من السلطنة الشريفة. انتهت الحملة بانتصار القوات الفرنسية واحتلالها واحات توات، وقورارة، وتيديكلت، وعين الصفراء، وأدت إلى وقف حركة المقاومة العشائرية في تلك المنطقة لمدة طويلة وجعلت الفرنسيين سادة الموقف الميداني، وأنهت هجمات الخيالة البدوية داخل الأقاليم التي تسيطر عليها فرنسا. وترتب على الحملة إلى جانب الاستيلاء على الواحات، سيطرة الجيش الفرنسي على منطقة بشار وفكيك ومناطق قصور الصحراء الشرقية، ثم توجه القائد الفرنسي صوب مناطق الشرق المغربي حيث أكمل توغله بفرض الحماية الفرنسية لاحقاً. وتعرض الأقسام التالية جوانب أخرى من الموضوع.

ومن جهة أخرى، حينما فرضت فرنسا نفوذها العسكري وسياستها التوسعية في الواحات الجنوبية، وأعلنت ضم واحات توات وقورارة رسمياً كجزء من أقاليمها، كانت ردود الفعل من قبائل المنطقة عنيفة خاصة وأن كثيراً من سكان تلك القصور والواحات التاريخية مثل تيميمون وفكيك كانوا يرفضون الإدارة الاستعمارية ويمسكون بتبعتهم الروحية والسياسية للسلطنة الشريفة. فقامت المقاومة المحلية باستمالة قبائل أيت خباش البدوية والقبائل ذات المراس الحربي إلى جانبها مما جعلهم عماد جيشها، وهي قبائل كانت بالأساس متذمرة من التدابير المالية والإدارية ومعاهدات الحدود الاستعمارية بل وهيأت السبيل لحدوث اضطرابات كبيرة ومناوشات مسلحة على طول خط الحدود الصحراوية مما جعل القادة المحليين يعتمدون عليهم لشن هجمات خاطفة ضد خطوط الإمداد الفرنسية، فقضوا على القوافل التجارية العسكرية الفرنسية الدورية التي كانت تشكل اختراقاً للمناطق الممتدة بين فكيك والتوات. فباتت قصور الصحراء والقبائل المستقلة في جبال طوروس الغربية والواحات الجنوبية كلها في حالة استنفار عام لصد الزحف العسكري الفرنسي. حتى وقعت معركة تيميمون عام 1900 م فهدمت القوات الفرنسية عدداً من القصور الحصينة وذبحت مقاتليها، فسرت الأخبار في البلاد والقبائل المجاورة بأن حملة عسكرية ضخمة تستهدف إخضاع كافة قبائل المنطقة الحدودية وجنوب وهران على يد جيش إفريقيا والفيلق الأجنبي الفرنسي.

في هذا الإطار، في هذه الفترة اتسمت العلاقات بين القيادة العسكرية الفرنسية والسلطنة الشريفة بالفتور والترقب الدبلوماسي الحذر، فمنذ بداية تسلم الجنرال هوبير ليوطي القيادة العسكرية في الإقليم، وصلته تقارير من الحكام العسكريين في عين الصفراء ووهران لتقديم الدعم اللوجستي الكامل له، وأبرم مع الإدارات المحلية اتفاقيات لتأمين خطوط السكك الحديدية لمدد طويلة ولم تصل أي تفاهمات ملموسة من جانب السلطات المغربية لضبط حدود القبائل، فأدرك الجميع في هذا الوقت بالذات أن المواجهة الشاملة ستقع بين الجنرال ليوطي ومقاتلي القبائل الحدودية بقيادة الشريف مولاي المصطفى. وكان الجانب الفرنسي ينظر بعين الارتياب إلى تحركات المقاومة، لا سيما بعد إرسال القادة المحليين وفداً ضخماً إلى أعيان القبائل في تافيلالت يضم 200 فارس لإبلاغهم عن تلك المواجهات المتوقعة ودعوتهم للتحالف وتشكيل جبهة موحدة ضد التمدد العسكري للجنرال ليوطي، مبيناً لهم أنه إن لم يتحدوا حارب الجيش الفرنسي كل قبيلة على حدة وقهرها وسلب واحاتها وأملاكها الحيوية، فعزم ليوطي على مهاجمة خصومه وتسديد ضربة عسكرية قوية ومباغتة قبل أن يستعدوا للنزال الشامل. لذلك أرسل هو الآخر تقارير عاجلة إلى الحاكم العام للجزائر شارل جونار يدعوه لالتزام الحسم العسكري، وبعد مداولات مطولة آثرت الحكومة الفرنسية إطلاق يد ليوطي ميدانياً لتنفيذ خطته الإستراتيجية بتأسيس مراكز عسكرية متقدمة لوقف هجمات القبائل البدوية.

وعلى صعيد آخر، كانت كفة الحملة تميل لصالح الجيش الفرنسي كونهم أفضل تسليحاً بـالمدفعية الحديثة والبنادق سريعة الطلقات مقارنة بمقاتلي القبائل، وقد تعرض القادة المحليون لضغط عسكري شديد أدى إلى تراجع المقاتلين وتشتتهم تاركين مواقعهم الدفاعية للقوات الفرنسية وجنود الفيلق الأجنبي الفرنسي المتقدمين، كما وقعت بعض العائلات والنساء في أسر القوات الفرنسية أثناء اقتحام القصور والواحات ولم تقبل القيادة العسكرية الفرنسية بالانسحاب من المراكز الحدودية بل قامت بتثبيتها وتوطيد الإدارة العسكرية فيها بشكل دائم كعقاب للقبائل التي شاركت في الهجمات المسلحة.

التداعيات السياسية والاقتصادية الممتدة

  • انظر كذلك
  • معركة المنقار
  • سلالة العلويين الفيلاليين الحاكمة
  • الاحتلال الفرنسي للمغرب
  • معركة تاغيت

في هذا الإطار، أدت نتائج حملة جنوب وهران وثبات القوات الفرنسية بالمنطقة إلى اهتزاز قبضة ونفوذ المقاومة العشائرية التقليدية في واحات الحدود وتخوم تافيلالت، مما سهل على القيادة الفرنسية لاحقاً استكمال تمددها وضاماً لمناطق الشرق المغربي تدريجياً وبأقل كلفة عسكرية عما قبل. دخلت القوات الفرنسية مدينة وجدة وتخوم تافيلالت لاحقاً لتأمين الإقليم بشكل كامل بدون مواجهات كبرى.محمد فريد، تاريخ الدولة العلية العثمانية. ص 90وأدى كذلك الانسحاب الاضطراري للفرير والجيوش البدوية من الواحات الرئيسية نتيجة وطأة المدفعية الحديثة إلى بقاء تجمعات أيت خباش قوية ونشطة داخل عمق الصحراء النائية والممرات الوعرة، حيث استطاعت العشائر لملمة صفوفها المتبقية والقيام ببعض المناوشات الخفيفة والإغارات السريعة المتقطعة ضد دوريات التموين إبان انشغال القوات الفرنسية الرئيسية في تثبيت الترتيبات الإدارية لشمال الجزائر وإقليم وهران الأوسع جغرافياً.عباس صباغ، تاريخ العلاقات العثمانية الإيرانية. ص 134كان لسياسة الحصار والخنق الاقتصادي المشددة والممتدة التي مارسها الجنرال هوبير ليوطي ضد العشائر المتمردة في الواحات والحدود أن جعلت قادة القبائل يبحثون عن حلفاء وتجارات إقليمية بديلة وممرات لوجستية جديدة عبر منافذ الساحل والصحراء الكبرى، فعقدوا تفاهمات تجارية محلية مع شبكات التهريب والقبائل المجاورة بالصحراء والساحل الغربي أمنت لهم تعويضاً جزئياً لخسارة بعض واحات النفوذ والمراكز الإستراتيجية الحيوية التي أحكم الجيش الفرنسي سيطرته وقبضته الأمنية عليها.علي الصلابي، الدولة العثمانية عوامل النهوض والسقوط. ص 206

الاستعداد الخارجي

علاوةً على ذلك، ولم ينس الجنرال هوبير ليوطي وهو في طريقه لتنظيم المراكز المتقدمة أن يرسل تقارير عسكرية إلى الحكام العسكريين في الأقاليم الجنوبية الجزائرية يذكرهم بضرورة قطع خطوط الإمداد اللوجستي عن واحات فكيك وبشار، ويحثهم على تضييق الخناق الاقتصادي على القبائل الحدودية، ويعلمهم عن النوايا بالتحرك لتثبيت نقاط المراقبة، ويوصيهم بمهاجمة وتطويق واحة قورارة بمجرد وصول القوات الفرنسية الزاحفة، وكان هدف ليوطي من ذلك أن يجعل القبائل المتمردة بين شقي الرحى من الشمال بهجومه المباشر، ومن الجنوب والشرق بتطويق القوات الفرنسية للواحات الحيوية لمنع وصول المؤن والذخائر للمقاومة. فكان رد القيادة العسكرية في الواحات الجنوبية بعد أشهر بالموافقة والـتأكيد على إتمام الحصار بنجاح، وأنهم أحبطوا تحركات المقاتلين في تيميمون والمناطق المحيطة بها.

إضافةً إلى ذلك، أراد شارل جونار منذ تسلمه منصبه توفير الهدوء التام والتنسيق الدبلوماسي المستقر مع القوى الأوروبية المعنية بالمسألة المغربية لضمان عدم التدخل في خطة التوسع الفرنسي، وتمثل هذا الهدوء في الاتفاقيات والترتيبات الدبلوماسية المستقرة بين فرنسا وكل من بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا لتأمين حرية الحركة العسكرية الفرنسية في تخوم الحدود.

المواجهة الحاسمة

وفي هذا السياق، أسرع الجنرال هوبير ليوطي ووحدات جيش إفريقيا بالمسير لفرض السيطرة الميدانية الكاملة على واحة تاغيت وممرات المنقار بعدما علم أن جموع القبائل على وشك الاحتشاد والوصول إليها، وقد بلغها في أغسطس 1903 م واحتل المواقع الحيوية الهامة بها واعتلى الأماكن الهضبية والتلال المرتفعة المحيطة بالواحات، مما مكن القوات الفرنسية من التحكم في محاور التحرك والسيطرة التامة على مجرى المعركة وتوجيه القصف المدفعي لاحقاً.وفي صبيحة يوم الاشتباك الكبير، كان الطرفان قد أعدا العدة للحرب واصطفا استعداداً لبدء المعركة الحاسمة في فيافي المنقار وتاغيت. وما إن أعلنت ساعة البدء حتى هدرت المدافع الفرنسية الثقيلة وتعالت أصوات البنادق والاشتباكات من كلا الفريقين. وبعد معركة حامية الوطيس، انتصر الفرنسيون بمساعدة رماة الرشاشات وبنادق الليبل سريعة الطلقات والمدفعية الحديثة، وانكسر جيش المقاومة البدوية وسقط بعض أبرز قادة العشائر صرعى في أرض المعركة ووقع الكثير من مقاتلي القبائل في الأسر، وأسرت كذلك بعض عائلات ونساء القصور المتمردة،Porch, Douglas (1991). p. 188 ولم تقبل القيادة العسكرية الفرنسية بتسليم الواحات بل أخضعتها للإدارة المباشرة تشفياً وتأديباً للقبائل التي عاونت حركة التمرد، وأما القائد المحلي وقادة الخيالة فقد انسحبوا تحت ضغط القصف العنيف من المعركة متجهين صوب واحات تافيلالت وعمق الحدود بعد أن أنقذهم بعض فرسان القبائل من الأسر والالتفاف العسكري، مما حدا بالجنرال ليوطي بإصدار الأوامر الصارمة للكولونيل مينستريل ووحدات الهجانة بتعقب المقاتلين، الأمر الذي جعل القادة المنسحبين يتركون المراكز الحدودية المتقدمة ويلوذون بالقصور الداخلية النائية.Lyautey, Hubert (1903). p. 130محمد جميل بيهم. تاريخ الصحراء الشرقية والحدود. بيروت 1957. ص 103Gaffarel, Paul (1905). p. 74 أما من ثبت استمرار تمردهم من الأسرى، فقد أمرت السلطة العسكرية بنفيهم أو إخضاعهم لعقوبات مشددة، وأن تصنع من التحصينات المهدومة ركاماً ينصب كعلامات حدودية ثابتة للمراكز الفرنسية الجديدة في ساحة الإقليم.التاريخ السياسي للحدود والواحات، ج 3. ص 23-24. د حسن كريم الجاف. الدار العربية للموسوعات. بيروت. ط 2008 موذكر الدكتور حسن كريم الجاف في أبحاثه بأن سكان القصور والقبائل المستقرة في واحات بني جيل والقصور المجاورة كان لهم دور مهم ومحوري في استقرار الإقليم بعد المعركة، وذلك بأن جمعاً كبيراً منهم قد فضلوا التعاون مع القوات الفرنسية وتجنب دعم صفوف المقاومة البدوية المتمثلة في أيت خباش بسبب التضرر الكبير والظلم المالي والاضطراب الاقتصادي الذي وقع عليهم سابقاً على يد غارات الخيالة البدوية، وبسبب انتمائهم لنمط الحياة المستقرة ورغبتهم في حماية تجارتهم من الإغارات المسلحة؛ وقد كافأ الجنرال هوبير ليوطي أعيان هذه القصور والقبائل المستقرة بعد انتهاء الحملة بإعطائهم نوعاً من التسيير الذاتي لشؤونهم المحلية واعترف بمجالسهم التقليدية وإدارتهم للقصور تحت الإشراف العسكري الفرنسي العام لضمان ولائهم واستقرار خطوط السكك الحديدية الإستراتيجية.

الآثار الاستراتيجية والعسكرية

وفي هذا السياق، مكنت تلك الحملة القوات الفرنسية من التحكم الكامل بالطرق الرئيسية الإستراتيجية ومحاور سير القوافل من جنوب وهران عبر الصحراء الكبرى ونحو عمق الشرق المغربي وتخوم التوات،أحمد عبد الرحيم مصطفى، في أصول التاريخ العثماني. ص 81 كما مكنتهم من تنظيم خطوط الدفاع والهجوم الثابتة لتأمين تلك المناطق عبر فكرة "المراكز المتقدمة" التي ابتكرها ليوطي، وكذلك السيطرة على طرق التجارة الإقليمية وخاصة تجارة القوافل والسلع الحيوية من "بشار" إلى الواحات الشمالية، وهو ما در على الإدارة العسكرية دخلاً مهماً وموارد مالية ثابتة من المكوس المفروضة لتأمين وحماية تلك التجارة، وأخيراً فبسيطرتها على المصادر الرئيسية والمنافذ الحيوية في الواحات أمكنها الضغط على التجمعات القبلية والسياسية في التخوم من عدة اتجاهات خلال تلك الفترة التاريخية المهمة.تاريخ الدولة العثمانية. أحمد فؤاد متولي. ص 194أدت حملة جنوب وهران إلى تغيير الإستراتيجية التوسعية الفرنسية في المنطقة؛ فبعدما كان اهتمام الإدارة العسكرية في الجزائر منصباً أساساً على إخضاع الأقاليم الشمالية والواحات القريبة، اتجهوا نحو الاهتمام بالشرق المغربي وعمق الصحراء الكبرى وحوض توات. وكان من نتائج ذلك الاستقرار العسكري أن مهدت هذه الحملة الطريق بشكل مباشر للتوغل في فكيك ووجدة، وتوجت لاحقاً بفرض الحماية الفرنسية الشاملة على المغرب عام 1912 م، في حين استقرت خطوط السيطرة الفرنسية بالجزائر وتفرغت القوات لتنظيم النفوذ الاستعماري في الغرب الإفريقي.

ما بعد المعركة وتأمين المراكز

من جهة ثانية، دخل الجنرال هوبير ليوطي ووحداته العسكرية مراكز "بشار" و"فكيك" الإستراتيجية وأسس قاعدة "كولومب بشار" في سبتمبر 1903 م واستولى على مستودعات ومخازن التموين، ولكنه واجه تحديات لوجستية في التوغل أبعد من ذلك في عمق الصحراء والحدود، حيث واجه معارضة شديدة وتحفظاً من بعض كبار الضباط والمستشارين السياسيين في وزارة الحرب بباريس والذين كانوا يخشون حدوث أزمة دبلوماسية دولية، وكان من أبرز المعارضين لتوسيع رقعة العمليات بعض المخططين الإداريين الذين تم استدعاؤهم وتوجيه اللوم لهم لاحقاً، والذين تسببوا في إبطاء وتيرة تقدم الفرق ضد المقاومة ليكونوا عبرة لغيرهم في الحزم الميداني.ورغم الاستيلاء على المراكز، كانت الظروف اللوجستية غير مواتية بسبب قلة المؤن، وخلو الواحات المحتلة من الأطعمة الكافية للجيش ووحدات الفيلق الأجنبي الضخمة، حيث عمد مقاتلو قبائل أيت خباش وبدو أولاد جرير المنسحبين من المعارك وبأمر وتنسيق من قادتهم الميدانيين إلى ردم الآبار وإتلاف قنوات المياه الحيوية (الفقارات) وإحراق بعض مخازن المحاصيل الزراعية والأرزاق في الواحات وضواحيها الحيوية لحرمان القوات الفرنسية من الاستفادة منها، ثم تزامن ذلك مع دخول فصل الخريف واشتداد العواصف الرملية الصحراوية، وعدم وجود الألبسة والتجهيزات الملائمة للجنود في تلك البيئة المناخية الجافة والقاسية.Lyautey, Hubert (1903). p. 130Gaffarel, Paul (1905). p. 18وكذلك أثرت الغارات والكمائن الليلية الخاطفة التي كان يشنها فرسان القبائل المنسحبون على معسكرات ومراكز الطوابير الفرنسية، وتسللهم إلى الواحات لمهاجمة وحصار خطوط الحراسة، وتكبيد وحدات الفيلق الأجنبي خسائر متفرقة في الأرواح،Porch, Douglas (1991). p. 615. تشكيل خلايا فدائية سريعة الحركة في الواحات المجاورة للمنقار كانت تغير ليلاً على خطوط تموين الفيلق الأجنبي وتوقع فيهم خسائر بالغة. لذلك قررت القيادة الفرنسية إعادة تنظيم وتوزيع القوات وإخلاء فرع من الوحدات غير الأساسية بعد أسبوع من السيطرة، ناقلة معها التقارير والخرائط الطبوغرافية والإحصاءات الشاملة وبعض العينات التجارية إلى المركز العسكري الرئيسي في عين الصفراء ووهران لتأمين خطوط السيطرة وتأمين الخطوط، وكانت تلك استراتيجيتهم المعتادة في تأمين الأقاليم وتثبيت النقاط الحدودية المتقدمة لضمان استقرار حركة السكك الحديدية للتجارة العسكرية.وفي الفترة اللاحقة لقرار تثبيت الأوضاع الميدانية، وترتب على انتصار الإستراتيجية الفرنسية بقيادة ليوطي أن نهض شيوخ وأعيان القصور والواحات المحلية -وكانوا من المستقرين الرافضين لإغارات البدو- لمساندة الترتيبات العسكرية وأعلنوا التعاون مع الإدارة الفرنسية لضبط الأمن، ولم يمض وقت طويل حتى انضمت 23 واحة وقصراً حصيناً للحكم والترتيبات العسكرية الفرنسية المشتركة، على الرغم من الاستحكامات الدفاعية العشائرية السابقة التي أقامها فرسان المقاومة بها، فعقد القائد الفرنسي معهم اتفاقيات التهدئة الموضعية وذلك بفضل جهود شيوخ ووسطاء قبائل "بني جيل" والأعيان المحليين،Gaffarel, Paul (1905). p. 132. عالم ومؤرخ محلي من أعيان قصور فكيك وبشار كان يعمل في تنظيم حركة القوافل قبل سيطرة القوات الفرنسية، وبعد معركة المنقار وحملة جنوب وهران دخل في ترتيبات الخدمة الإدارية الأهلية لضمان استقرار حركة القصور. والذين نصبتهم الإدارة الفرنسية كمفوضين محليين للإدارة الأهلية والمجالس التقليدية بتلك الواحات كمكافأة لما قدمه من خدمات في توفير معلومات دقيقة وضبط الهدوء الميداني.توسعت القوات الفرنسية فدمجت في خطوط حمايتها ومراقبتها واحات التوات وسائر مراكز إقليم قورارة وتيديكلت من "بشار" و"فكيك" و"تيميمون" و"عين الصفراء" و"القنادسة" والواحات المجاورة لقوافل الجنوب،نبذة في ذكر مراكز التوسع العسكري. مخطوط مجهول المؤلف موجود بمكتبة الأسد الوطنية. دمشق. رقم 8434. ص 51 حتى أصبح الجزء الأكبر من مناطق وطرق التجارة العشائرية في واحات الصحراء الشرقية والجنوب الغربي لوهران في يد الإدارة العسكرية الفرنسية، وأصبح المقاتلون البدو وجهاً لوجه مع المراكز الدفاعية الثابتة والمجهزة بالمدفعية للجيش الفرنسي، فبات من الصعب عليهم القيام بإغارات واسعة النطاق أو التوسع على حساب خطوط السكك الحديدية المحمية.

الاستعداد الداخلي

وعلى صعيد آخر، ثم جمع الحاكم العام شارل جونار كبار رجال الحرب والضباط والمهندسين في مدينة وهران في 16 مارس 1903 م، وذكر لهم خطورة التجمعات العشائرية بقيادة الشريف مولاي المصطفى والقبائل الحدودية، وأنهم اعتدوا على خطوط التموين والمراكز الفرنسية، وأن هذه الهجمات تؤثر سلباً على الهدوء والاستقرار في عمق الصحراء وأقاليم التوسع الفرنسي ويجب حماية خطوط التجارة والإمداد. ولهذا يرى ضرورة إطلاق حملة عسكرية حاسمة لإخضاع القبائل والسيطرة على المراكز الحيوية. ولم يجد الحاكم العام صعوبة في إقناع القيادة بضرورة المبادرة العسكرية، وخرج بعد 3 أيام من هذا الاجتماع لتفقد الخطوط الأمامية على رأس وحدات عسكرية داعمة انطلقت من وهران إلى عين الصفراء متجهة إلى الواحات الجنوبية، بعد أن أوكل أمر إدارة وهران العاصمة لنائبه الإداري.

وفي هذا الصدد، بعدما فرغ الحاكم العام شارل جونار من تنظيم الإدارة المدنية والعسكرية في الأقاليم الشمالية للجزائر، وعقد اتفاقيات التهدئة والأمن مع القبائل المستقرة. أمر بحصر عدد المقاتلين البدو المنتشرين في الواحات والقصور المتاخمة للحدود الغربية في جنوب وهران وتجريدهم من السلاح وتدمير القصور المتمردة تماماً ويقال أن هجماتهم أسفرت عن تضرر قرابة 40 مركزاً تجارياً وعسكرياً فرنسياً تتبع لإقليم عين الصفراء رداً على الكمائن المتكررة للمقاومة والتي استهدفت القوافل الفرنسية في التوات وقورارة وتيديكلت، وحتى يقضي على أي حركة تمرد عسكري قد تحدث مستقبلاً وتعطل مشروع السكك الحديدية الصحراوية.

سير الحملة والتحركات الميدانية

وعلى صعيد آخر، تحركت القوات الفرنسية ووحدات جيش إفريقيا يبلغ عديدها 6000 مقاتل وجندي من مركز "عين الصفراء" في 19 مارس 1903 م، فسار الجيش عبر الخط الصحراوي الممهد حتى وصل مركز "بشار" في 1 يونيو 1903 م، فاستراح الطابور العسكري لمدة 3 أيام، ثم واصل سيره حتى بلغ واحات "التوات" في 24 يوليو 1903 م، ثم واصل المسير نحو مراكز المراقبة المتقدمة المتاخمة لـ"تاغيت"، فبلغها في 5 أغسطس 1903 م لتأمين الحصون من أي هجمات مباغتة.وحين وصلت طلائع القوات إلى مشارف إقليم الواحات، بعث القائد الفرنسي برسوله إلى قادة وأعيان بعض القصور والقبائل المستقرة في "بني جيل"، طالباً منهم عدم تقديم الدعم العسكري أو المأوى لمقاتلي القبائل البدوية والتعاون مع الإدارة العسكرية الفرنسية، لكن أعيان تلك المناطق اختلقوا الأعذار في عدم التجاوب مع الطلب، متعللين بضعف نفوذهم المحلي وأنهم لا يستطيعون معارضة تحركات الخيالة البدوية لكونهم تحت الحماية والتبعية الروحية والسياسية للسلطنة الشريفة وتخوفاً من بطش المقاومة. وما إن مضت القوات الفرنسية في طريقها حتى هاجم مقاتلو القبائل البدوية ساقة الجيش وخطوط التموين الخلفية بإيعاز وتنسيق من القادة المحليين في تافيلالت.Lyautey, Hubert (1903). "Dans le Sud-Oranais: situation militaire et politique". Paris. p. 129أرسلت التقارير العسكرية الفرنسية إلى وزارة الحرب في باريس تخبر بوقوع هذه الهجمات، فجاء الرد الرسمي بضرورة الحسم الميداني الكامل، وجاء في التوجيهات: "إن القبائل المتمردة خارجة عن السيطرة الدولية فإذا ظفرت بقادتهم فاقبض عليهم"، وفي نفس الوقت استمر قادة المقاومة المحلية في التنسيق وحث العشائر على الاستمرار في التصلب والمقاومة تجاه التمدد الاستعماري الفرنسي. وبسبب هذه التهديدات الأمنية، ترك الجنرال ليوطي فرقة عسكرية قوامها قرابة 2000 جندي وضابط ما بين السكك الحديدية والمراكز الخلفية في "عين الصفراء" والقصور المجاورة، للحفاظ على الأمن الصحراوي الغربي من أي اختراق أمني قد يحصل من أي جهة من الجهات المنافسة، ولحماية مؤخرة الجيش من أنصار المقاومة وقوات القبائل المتمردة،Gaffarel, Paul (1905). p. 129 مع ذلك فالالقيادة الفرنسية لم تنس فعلة القبائل المتمردة فانتقمت منها بقصف واحة فكيك وإخضاع المراكز بعنف عند العودة.ذكر دوجلاس بورش في صفحة 133 من كتابه أن الجنرال ليوطي انتدب عند استقراره في الإقليم قوات برية ضخمة مدعومة بالمدفعية الثقيلة لإنهاء غائلة التمرد القبلي كرد انتقامي للفعلة والكمائن التي سبقت معركتي تاغيت والمنقار، ولإتمام السيطرة العسكرية الكاملة على التخوم الجنوبية الغربية لإقليم وهران والحدود من جهة أخرى، ولم تتوقف العمليات إلا بعد السيطرة الكاملة على الواحات وتأمين خطوط السكك الحديدية.

مراسلات القيادة العسكرية وتطور الإنذارات

في هذا الإطار، وأرسل الحاكم العسكري مع إنذاره لوائح الحظر الاقتصادي المشدد ومنع القوافل التجارية من دخول الواحات للضغط على قادة المقاومة وتذكيرهم بضعف موقفهم اللوجستي والعشائري أمام مدفعية الجيش الحديثة، وأرفق تلك القرارات بإجراءات تمنع وصول أدوات الزينة والمؤن الحيوية والملابس والسلع الأساسية إلى واحات فكيك والتوات تضييقاً على السكان، وذلك كإجراء عسكري حاسم لإجبار الشريف على الخروج للمواجهة المفتوحة ويستعجله بالحرب الحتمية؛Gaffarel, Paul (1905). p. 130ذكر بورش في كتابه: كان الشريف مولاي المصطفى يتجنب المواجهة المباشرة هرباً من تفوق تسليح قوات ليوطي وعازماً على سحبه وجنده إلى عمق الأراضي الصحراوية المترامية والممرات الجبلية الوعرة حيث تمكنه طبيعة الأرض القاسية ومشاكل التموين والمياه من إنهاك الجيش الفرنسي وموازنة القوتين، ولكن ضغط قبائل أيت خباش وأولاد جرير التي أغضبها فرض الحصار الاقتصادي الفرنسي وتدمير القصور المتمردة دفعها للمطالبة بخوض غمار القتال المباشر. وهو ما حدا بالشريف مولاي المصطفى بقبول التحدي العسكري وواعد القائد الفرنسي بالاشتباك الشامل في تاغيت والمنقار قائلاً له:وبدأت حرب استطلاع واستكشاف مكثفة بين الطرفين، وبدأ الجنرال ليوطي بالتحرك العسكري المنظم وعسكر في الخطوط المتاخمة لواحة تاغيت على مقربة من ممرات المنقار، ووصلته الأنباء الميدانية التي أتت بها عيونه وجواسيسه من القبائل المحلية المتعاونة تقول: إن الشريف مولاي المصطفى ومقاتلي العشائر يحاولون تأخير القتال وإطالة أمد المناوشات إلى أن يحل فصل الصيف والقيظ الشديد كي يهلك الجنود الفرنسيون ووحدات الفيلق الأجنبي عطشاً وحراً في الفيافي القاحلة.

ما رأيك في هذه المقالة؟

📝 هل في هذه المقالة خطأ؟

إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.