جنداس (قرية)
المحتويات

على سبيل التعريف، جنداس قرية تاريخية وموقع أثري فلسطيني يقع إلى الشمال من مدينة اللد في السهل الساحلي الأوسط، ضمن أراضي قضاء الرملة في عهد فلسطين الانتدابية. ارتبط اسم الموقع بطريق المواصلات التاريخي الواصل بين مصر وبلاد الشام، وبخاصة بالطريق الذي مرّ عبر اللد والرملة، كما اشتهر بوجود جسر جنداس أو جسر الظاهر بيبرس، وهو جسر مملوكي بارز أُقيم في القرن الثالث عشر الميلادي على مجرى وادي العوجا/أيالون قرب مدخل اللد الشمالي. ونتناول فيما يلي مزيدًا من التفاصيل.
في هذا الإطار، تُظهر الدراسات التاريخية والأثرية الحديثة أن جنداس كانت قرية زراعية مأهولة في العصرين المملوكي وبدايات العهد العثماني، وأن أراضيها دخلت في شبكات الأوقاف والملكيات الزراعية المرتبطة بمدينة اللد وقراها. غير أن القرية تعرضت خلال القرون اللاحقة لموجات هجران وإعادة استيطان، وظهرت في إحصاءات الانتداب المتأخرة بوصفها أرضًا أو وقفًا غير مأهول مستقلًا، مع استمرار فلاحي القرى المجاورة، ولا سيما بيت نبالا، في فلاحة أراضيها.
الموقع
وفي هذا السياق، يقع موقع جنداس في سهل اللد، شمال المدينة القديمة، وشرق مجرى وادي العوجا/أيالون. وقد مثّل موضعه نقطة اتصال بين المجال الحضري لللد وريفها الشمالي، إذ كان قريبًا من الطرق التي ربطت اللد والرملة بالمدن الساحلية والداخلية. وتُظهر المسوحات الأثرية في المنطقة وجود بقايا تعود إلى عصور إسلامية مختلفة، بينها آثار من الفترة الإسلامية المبكرة، ومقبرة مملوكية ـ عثمانية، وبقايا مبانٍ متأخرة.
العهد العثماني
إضافةً إلى ذلك، ترد جنداس في سجلات الضرائب العثمانية في أواخر القرن السادس عشر ضمن ناحية الرملة التابعة للواء غزة. وتشير تلك السجلات إلى دفع سكانها الضرائب على محاصيل زراعية مثل القمح والشعير والسمسم، إضافة إلى الأشجار المثمرة والماعز وخلايا النحل، وهو ما يدل على اقتصاد زراعي مختلط اعتمد على الحبوب والبستنة وتربية بعض الحيوانات.
في هذا الإطار، وتذكر دراسة مروم أن جنداس كانت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر وبدايات السابع عشر قرية مزدهرة نسبيًا، ارتبطت أراضيها بأوقاف دينية وملكيات زراعية. غير أن الاضطرابات المحلية، وتحركات الجماعات البدوية، وتبدل علاقات القوة في ريف اللد، أسهمت في تعرضها للهجران أكثر من مرة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
مقبرة جنداس
في هذا الإطار، كشفت حفريات إنقاذية أُجريت في موقع جنداس عن مقبرة إسلامية تعود إلى العصرين المملوكي والعثماني المبكر. وقد عُثر في المقبرة على أنماط متعددة من القبور، منها قبور بسيطة محفورة في الأرض، وقبور مغطاة بألواح حجرية، وأخرى مبنية أو مبطنة بالحجارة. كما كشفت الحفريات عن بقايا مبانٍ من أواخر العهد العثماني وبدايات الانتداب البريطاني فوق أجزاء من المقبرة أو قربها.
من جهة ثانية، وتكتسب هذه المقبرة أهمية خاصة لأنها تمثل واحدة من الحالات القليلة التي دُرست فيها مقبرة ريفية مملوكية ـ عثمانية في فلسطين دراسة أثرية وأنثروبولوجية مفصلة، بما يسمح بفهم جوانب من الحياة اليومية والصحة والوفاة في قرية زراعية صغيرة في محيط اللد.
الموقع اليوم
وعلى صعيد آخر، يقع موقع جنداس اليوم قرب اللد وموشاف جيناتون، وتنتشر في محيطه أراضٍ زراعية ومنشآت حديثة. لا تزال بقايا القرية التاريخية والمقبرة والمقام موضوعًا للدراسة الأثرية، بينما يُعد جسر جنداس أهم أثر ظاهر في المكان، إذ يجمع بين القيمة المعمارية المملوكية والوظيفة التاريخية للطريق الذي ربط اللد بمحيطها الشمالي.
جنداس واللد سنة 1948
من جهة ثانية، لذلك يُشار إلى جنداس في بعض الكتابات الفلسطينية بوصفها موضعًا من مواضع الذاكرة الريفية المرتبطة باللد وبيت نبالا، أكثر من كونها قرية مأهولة مستقلة ذات تعداد سكاني منفصل عشية النكبة. وقد ظل اسمها حاضرًا في الذاكرة المحلية بفضل الجسر والمقام والأراضي الزراعية، وبسبب ارتباطها التاريخي بريف اللد الشمالي.
وفي هذا السياق، عند اندلاع حرب 1948 كانت جنداس، بحسب الإحصاءات الانتدابية المتأخرة، قد فقدت صفتها كتجمع سكاني مستقل، غير أن أراضيها وموقعها بقيا جزءًا من المجال الريفي للّد وبيت نبالا. وخلال عملية داني في تموز/يوليو 1948 سيطرت القوات الإسرائيلية على اللد والرملة ومحيطهما، ووقعت عمليات تهجير واسعة لسكان المدينتين والقرى المجاورة. وتذكر المصادر الفلسطينية والإسرائيلية أن القرى الواقعة في محيط اللد والرملة تعرضت، بدرجات متفاوتة، للاحتلال والهدم ومنع عودة السكان، ضمن سياق العملية العسكرية ذاتها.
الأهمية
كذلك، تنبع أهمية جنداس من ثلاثة عناصر رئيسية: أولها موقعها عند مدخل اللد الشمالي وعلى طريق تاريخي مهم؛ وثانيها جسر بيبرس، الذي يمثل نموذجًا بارزًا من عمارة الجسور المملوكية في فلسطين؛ وثالثها المقبرة المملوكية ـ العثمانية التي وفرت مادة أثرية نادرة لدراسة مجتمع ريفي صغير في فلسطين الوسيطة والحديثة المبكرة. كما تكشف دراسة جنداس عن طبيعة العلاقة بين المدينة وريفها، وعن تحولات الاستيطان والوقف والزراعة في محيط اللد عبر عدة قرون.
- انظر كذلك
- اللد
- قضاء الرملة
- جسر جنداس
- الظاهر بيبرس
- عملية داني
- بيت نبالا
- عمارة مملوكية
- المراجع
- وصلات خارجية
- دراسة Roy Marom عن تاريخ جنداس
- دراسة مقبرة جنداس المملوكية والعثمانية
في العصور الوسطى
في هذا الإطار، اكتسبت جنداس أهمية واضحة في العصر المملوكي نتيجة موقعها على طريق المواصلات والبريد السلطاني. ففي سنة 671هـ/1273م أمر السلطان الظاهر بيبرس بإنشاء جسر حجري على الوادي شمال اللد، في إطار عنايته بالطرق والجسور والمنشآت العامة التي تخدم حركة الجيوش والقوافل والبريد.
كذلك، ارتبطت جنداس تاريخيًا بمدينة اللد، التي بقيت مركزًا عمرانيًا وزراعيًا مهمًا في السهل الساحلي الأوسط. وتشير بعض الوثائق الوسيطة إلى موضع قريب من جنداس في محيط اللد، بينما تُبرز الأدلة الأثرية وجود استيطان أو نشاط زراعي في الموقع قبل العصر المملوكي.
جسر جنداس
ومن جهة أخرى، يمتاز الجسر بوجود نقوش عربية تذكارية على واجهاته، إلى جانب زخارف حيوانية مرتبطة بشعار السلطان بيبرس. وتذكر النقوش أن بناء الجسر تم بأمر من السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، وبإشراف الأمير علاء الدين السَّوَّاق، في شهر رمضان سنة 671هـ. ويُعد الجسر واحدًا من أهم الجسور المملوكية الباقية في فلسطين، إلى جانب جسور أخرى ارتبطت بسياسة بيبرس في تنظيم الطرق والمنشآت العامة.
من جانب آخر، يُعد جسر جنداس أبرز أثر باقٍ مرتبط بالموقع، ويُعرف كذلك باسم جسر بيبرس. وهو جسر حجري مملوكي شُيّد سنة 671هـ/1273م، ويقوم على عقود حجرية فوق مجرى وادي العوجا/أيالون. يبلغ طول الجسر نحو 30 مترًا وعرضه نحو 10 أمتار، وقد ظل مستعملًا في فترات لاحقة بسبب صلابته وموقعه على طريق مهم قرب اللد.
المقام وبقايا القرية
إضافةً إلى ذلك، تظهر في الموقع بقايا معمارية متناثرة، من بينها مقام الشيخ عمر، وبقايا أبنية حجرية ومواضع دفن وآثار زراعية. وتغطي أجزاء من الموقع اليوم منشآت وحقول زراعية حديثة، بينما بقي جسر جنداس أكثر العناصر المعمارية وضوحًا واستمرارية في المشهد المحلي.
فترة الانتداب البريطاني
وفي هذا السياق، لا تظهر جنداس بوصفها قرية مأهولة مستقلة في تعدادي 1922 و1931 اللذين أجرتهما سلطات الانتداب البريطاني، كما تذكرها إحصاءات القرى في سنتي 1938 و1945 بوصفها أرضًا أو وقفًا غير مأهول، لا تجمعًا سكانيًا مستقلًا. ومع ذلك ظلّت أراضي جنداس تُفلح من قبل فلاحين من بيت نبالا ومحيط اللد، ولا سيما في زراعة الحبوب والمحاصيل الحقلية.
المعالم الأثرية
العصر المملوكي وبدايات العهد العثماني
ومن ناحية أخرى، كشفت الحفريات الأثرية في جنداس عن مقبرة إسلامية تعود أساسًا إلى العصر المملوكي وبدايات العصر العثماني، وكانت تُستعمل من قبل سكان القرية الزراعية. وقد دُرست هياكل بشرية عُثر عليها في المقبرة، وبلغ عدد الأفراد الذين أمكن تمييزهم 90 فردًا، منهم 44 بالغًا و46 من الأطفال والرضّع، وهو ما وفر مادة نادرة لدراسة ديموغرافيا قرية ريفية في فلسطين خلال أواخر العصر المملوكي وبدايات العهد العثماني.
إضافةً إلى ذلك، وتدل دراسة المقبرة على أن جنداس كانت مجتمعًا ريفيًا زراعيًا صغيرًا، وأن معدلات وفيات الأطفال كانت مرتفعة، وهي سمة معروفة في كثير من المجتمعات الريفية قبل العصر الحديث. كما تُظهر المقارنة بين مقبرة جنداس ومقبرة مأمن الله في القدس اختلافات بين البنية الديموغرافية الريفية والحضرية في الفترة نفسها.
التسمية
علاوةً على ذلك، ورد اسم جنداس في صيغ مختلفة في المصادر التاريخية والخرائط الأجنبية. وقد ناقش المستشرق والآثاري الفرنسي شارل كليرمون-غانو أصل التسمية، واقترح احتمال ارتباطها باسم يوناني أو بيزنطي قديم، مع إشارته إلى تقليد محلي يربط نشوء القرية ببناء الجسر. غير أن الدراسات اللاحقة تعاملت مع هذا الرأي بوصفه فرضية لغوية تحتاج إلى احتراز، إذ إن ذكر مواضع قريبة من الاسم في وثائق صليبية ووقفيات إسلامية يدل على قِدم الموضع وتعاقب استعماله.
التاريخ
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟