ثوب فلسطيني
المحتويات

في البداية، الثوب الفلسطيني هو الزي التقليدي الذي ترتديه المرأة الفلسطينية، ويتميّز بِالتطريز اليدوي الكثيف الذي يكسو أجزاءً منه، ولا سيّما الصدر والأكمام والجوانب وأسفل الثوب. ويُعدّ التطريز الذي يزيّن هذا الثوب ممارسةً اجتماعية متوارثة من الأم إلى الابنة، تختلف ألوانه وزخارفه ورموزه باختلاف القرية والمدينة، حتى صار الثوب أشبه بِوثيقة بصرية تدلّ على أصل المرأة وبلدتها وحالتها الاجتماعية والاقتصادية. وتعرض الأقسام التالية جوانب أخرى من الموضوع.
من جهة ثانية، وقد ارتبط الثوب الفلسطيني عبر القرون بِالهوية الفلسطينية، واكتسب بعد نكبة عام 1948 أبعادًا إضافية بوصفه رمزًا لِلذاكرة والصمود والمقاومة. وفي سنة 2021 أدرجت اليونسكو فن التطريز الفلسطيني على القائمة التمثيلية لِلتراث الثقافي غير المادي لِلبشرية.
التنوّع الإقليمي
علاوةً على ذلك، تميّزت كل منطقة فلسطينية بِنمطها الخاص في التطريز من حيث الألوان والزخارف؛ فمال تطريز رام الله ويافا وبيت لحم إلى اللون الأحمر الأرجواني، وتطريز غزة (توضيح) وبيسان إلى البنفسجي والأزرق، في حين اشتهرت أثواب القدس بِالألوان الداكنة كَالأحمر الداكن، وغلب اللون البنّي على أثواب الخليل. كما ارتبطت الزخارف بِالبيئة المحلية؛ فطُرِّزت أزهار البرتقال والليمون على ثوب يافا لِكثرة بياراتها، واستُلهمت كروم العنب في الخليل، وحضرت شجرة الزيتون في شمال فلسطين.
كذلك، وكانت أكثر أشكال التطريز دقّةً وتعقيدًا في وسط فلسطين، وبخاصة في بيت لحم والخليل ورام الله. وعلى النقيض من ذلك، اتّسمت أثواب قرى نابلس وطولكرم بِندرة التطريز واقتصارها على القماش القطني أو الكتاني الأبيض المزيَّن بِأشرطة ملوّنة، بينما زُيّنت أثواب منطقة الطيرة في الجليل بِتصاميم أزهار وأوراق مطرّزة بِخيوط حمراء وزرقاء على قماش أبيض. وقد انتقل نمط ثوب بيت لحم مع بعض التعديلات إلى رام الله، كما انتقلت قبّته المطرّزة إلى أثواب القدس.
التطريز المعاصر
ومن جهة أخرى، لم يَعُد التطريز الفلسطيني مقتصرًا على الأثواب التقليدية، بل اتّسع استعماله لِيشمل الملابس العصرية والإكسسوارات وحقائب اليد وقطع الأثاث ومفروشات المنزل، كما انتشر التطريز الآلي والأثواب الجاهزة بِأسعار في متناول الأجيال الجديدة. ومن مظاهر إحياء هذا التراث في السنوات الأخيرة تفضيل بعض العرائس ارتداء الثوب الفلسطيني المطرّز في أعراسهنّ بدلًا من فستان الزفاف التقليدي.
- انظر كذلك
- تطريز فلسطيني
- زي تقليدي فلسطيني
- وداد قعوار
- كوفية فلسطينية
- ثقافة فلسطينية
- مراجع
رمزًا لِلهوية والمقاومة
علاوةً على ذلك، ويرى باحثون وكتّاب فلسطينيون أنّ إسرائيل تسعى إلى نسب الثوب الفلسطيني وتطريزه إلى نفسها، مستشهدين بِأمثلة مثل اعتماده زيًّا لِمضيفات شركة العال الإسرائيلية لِلطيران وعرضه في معارض بوصفه تراثًا إسرائيليًا.
إضافةً إلى ذلك، بعد نكبة عام 1948، حافظت النساء الفلسطينيات على الثوبة بوصفها لباسهنّ الرسمي حين هُجّرن من قراهنّ، وهو ما أسهم في صون هذا الموروث من الاندثار. غير أنّ الضائقة الاقتصادية وانقطاع أسواق الأقمشة والخيوط أدّيا إلى ندرة إنتاج الأثواب الجديدة في أواخر الأربعينيات والخمسينيات، حتى اضطرّت بعض النساء إلى بيع أثوابهنّ، في حين امتهنت أخريات التطريز مصدرًا لِلرزق. وحرصًا على صون هذا التراث، جمعت الباحثة وداد قعوار نحو 300 ثوبٍ فلسطيني لِلحفاظ عليها من الضياع.
علاوةً على ذلك، وفي ستينيات القرن العشرين ظهر في مخيمات اللجوء نمطٌ جديد عُرف بِـ«الثوب الجديد»، يُطرَّز بِالكامل بِالغرزة المُصلَّبة ويمزج بين الرسوم الفلسطينية والأوروبية، حتى صار يصعب نسبته إلى منطقة بعينها، فمثّل خطوةً في تحوّل الثوب من رمزٍ لِلبلدة الأصلية إلى رمزٍ لِلهوية الوطنية الجامعة. وقد أسهمت مؤسسات نسائية كَجمعية إنعاش الأسرة في رام الله في إحياء التطريز وتعليمه وتشغيل اللاجئات فيه، حفاظًا عليه في مواجهة خطرَي الاندثار والاستيلاء.
إضافةً إلى ذلك، وبرز دور الثوب على نحوٍ خاص في الانتفاضة الأولى عام 1987؛ فحين منع الاحتلال رفع العلم الفلسطيني، عمدت النساء إلى تطريز رموزٍ محظورة آنذاك على الثوب وغطاء الرأس، من بينها العلم الفلسطيني وخريطة فلسطين وأحرف منظمة التحرير الفلسطينية، مستعملاتٍ ألوان العلم الأربعة الأحمر والأخضر والأبيض والأسود، فعُرف هذا الطراز بِاسم «ثوب الانتفاضة». وفي الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، استُحدثت زخارف وعبارات جديدة مثل تطريز مسجد قبة الصخرة وأسماء المدن الفلسطينية وعبارات مثل «القدس لنا» و«راجعين يا فلسطين».
الأقمشة والخيوط والغرز
من جانب آخر، وتميّزت منطقتا بيت لحم والخليل بِأسلوب التطريز «التحريري»، وهو تقنية تعتمد على لفّ خيوط القصب (خيوط ممزوجة بِمعدنٍ يكسبها بريقًا) لِتشكيل زخارف نباتية بارزة بِخيوط الذهب والفضة، وغالبًا ما زُيّنت بها الأثواب والسترات المخملية. ومن أشهر الأثواب في هذا الباب الثوب «التلحمي» أو «ثوب المَلَكة» المنسوب إلى بيت لحم، الذي يُنسج من الحرير والكتان والمخمل، ويُطرَّز بِخيوط حريرية ملوّنة إلى جانب خيوط الذهب والفضة. وفي ثمانينيات القرن العشرين شاع نمط الغرزة المثمّنة وحلّ في كثير من المناطق محلّ الغرزة الفلّاحية المربّعة.
وفي السياق ذاته، تُطرَّز الثوبة الفلسطينية التقليدية بِخيوط الحرير على أقمشة من الصوف أو الكتان أو القطن. وتُعدّ الغرزة المُصلَّبة، المعروفة بِالقَطبة الفلّاحية، أوسع الغرز انتشارًا وأكثرها ارتباطًا بِفلسطين، وقد سادت منذ أواخر القرن التاسع عشر. وإلى جانبها استُعملت غرزٌ وتقنيات أخرى، منها غرزة المنجل وغرزة اللف البدوي والتشريم والترقيع (إضافة قطع قماش على القماش الأصلي) وحياكة الإبرة والقيطان وسحب الخيوط.
مكوّنات الزي
في هذا الإطار، ولِغطاء الرأس أشكال متعدّدة؛ منها الشطوة، وهي قبّعة أسطوانية صلبة تُصفّ في مقدّمتها نقودٌ ذهبية وفضية وتختصّ بها نساء بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور، والصمادة التي تُصنع من قماش الثوب وتُربط أسفل الذقن، والعصبة. وكثيرًا ما كانت تُصفّ على غطاء الرأس قطعٌ من النقود الذهبية والفضية تمثّل جزءًا من مهر المرأة ويحقّ لها التصرّف فيه.
وفي هذا الصدد، يتألّف الزي النسائي القروي في فلسطين عادةً من ثوبٍ طويل وسروال وسترة وغطاء رأس وطرحة، وتُطرَّز كل قطعة من هذه القطع بِمجموعة متنوعة من الرموز. وتتوزّع زخارف الثوب على أجزاء محدّدة لها أسماؤها، أبرزها القبة (رقعة الصدر) والأبدان والبنايق (قطع مثلّثة على الجانبين) والذيال والردفة (الجزء الخلفي السفلي) والأكمام، وتُعدّ القبة من أغنى أجزاء الثوب بِالتطريز.
التاريخ
في هذا الإطار، يربط كثير من الباحثين رموز التطريز الفلسطيني وزخارفه بِجذورٍ قديمة تمتدّ إلى الحضارة الكنعانية التي سكنت فلسطين، ويُستدلّ على ذلك بِتشابه بعض الأشكال المطرّزة، مثل النجمة الثمانية، مع نقوشٍ قديمة عُثر عليها في مواقع أثرية فلسطينية. غير أنّ أقدم الأمثلة الباقية من الأثواب المطرّزة لا يتجاوز تاريخها أربعينيات القرن التاسع عشر، إذ يصعب بقاء المنسوجات القديمة سليمةً لِتعرّضها لِعوامل التلف على مرّ السنين.
علاوةً على ذلك، ومنذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى أربعينيات القرن العشرين، كان التطريز يُنفَّذ بِخيوط الحرير والذهب والفضة على أقمشة محلية منسوجة يدويًا من القطن والكتان والحرير المستورد من مصر، في حين كانت بعض الأقمشة القطنية والصوفية تُصنع محليًا في المجدل. وكانت الألوان تُستخلص غالبًا من أصباغ طبيعية؛ فاللون الأزرق الغامق من نبات النيلة، واللون الأحمر من نبات الفوّة ومن حشرة القرمز، إلى جانب اللون الأصفر المستخرج من الزعفران. أمّا تصاميم القرن التاسع عشر فاعتمدت على أشكال هندسية مجرّدة كَمتوازي الأضلاع والنجمة الثمانية والمربعات، وعلى أشكالٍ مستوحاة من النبات والحيوان المحلي مثل السرو والنخيل.
في هذا الإطار، ومع الانتداب البريطاني، تراجع الإنتاج المحلي لِلأقمشة لِصالح استيراد أقمشة أوروبية أنعم من القطن والحرير والمخمل، فلجأت المطرّزات إلى استعمال قماش «الكنفا» لِتيسير التطريز، كما دخلت خيوط القطن دقيقة الغزل إلى الأسواق الفلسطينية في عشرينيات القرن العشرين وزاحمت خيط الحرير السوري. وأسهمت كتب النماذج والمجلات (الباترون) في إدخال أشكالٍ أكثر تعقيدًا على التطريز، مثل الجِرار والطيور والأشكال البشرية.
الإدراج في قائمة اليونسكو
علاوةً على ذلك، في سنة 2021، أدرجت اليونسكو عنصر «فن التطريز في فلسطين: الممارسات والمهارات والمعارف والطقوس» على القائمة التمثيلية لِلتراث الثقافي غير المادي لِلبشرية، خلال الدورة السادسة عشرة لِلجنة الحكومية الدولية لِصون التراث الثقافي غير المادي. وبحسب توصيف اليونسكو، فإنّ التطريز ممارسة اجتماعية تتوارثها النساء من الأم إلى الابنة وعبر دورات تدريبية، تجتمع حولها النساء ويتعاونّ في إنجازها، كما تُشكّل لِبعضهنّ مصدر دخلٍ إضافي لِأسرهنّ من خلال بيع القطع المطرّزة. ونُظر إلى هذا الإدراج بوصفه خطوةً لِحماية هذا التراث من محاولات الاستيلاء عليه.
الأنماط والزخارف ودلالاتها
وعلى صعيد آخر، تشمل رموز التطريز طيورًا وأشجارًا وأزهارًا مستوحاة من البيئة المحيطة. وتُبنى الزخارف من وحدات تُسمّى «العروق» تتفاوت في عرضها بين السناسل والنفانيف والعروق العريضة، وتحمل أسماء مستمدّة من النبات والحيوان والأدوات، مثل عرق الزنبق وعرق الوردة وعرق القرنفل وعرق البرتقال وعرق الطاووس وعرق الحمامة. ويكاد لا يخلو ثوبٌ من شكل شجرة السرو التي يُنظر إليها رمزًا لِلقوة والصمود.
في هذا الإطار، وكان اختيار الألوان والتصاميم يدلّ على الهوية الإقليمية لِلمرأة وعلى حالتها الاجتماعية والاقتصادية. فلون قماش الثوب كان يرتبط بِالوضع الاجتماعي؛ إذ خُصّ الثوب الأبيض بِالعروس أو حديثة الزواج، في حين ارتدت عامة النساء الثوب الأسود. ومن أبرز الأمثلة على ذلك ثوب بئر السبع، الذي كانت المرأة ترتديه أسود مطرّزًا بِالأحمر بعد زواجها، فإذا تُوفّي زوجها غطّت الغرز الحمراء بِاللون الأزرق تعبيرًا عن الحداد.
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟