تشكيلة نباتية

بدايةً، التشكيلة النباتية أو التشكيلة الغطائية (؛ من أي «التكوُّن») هي مجموعةٌ من المجتمعات النباتية (الروابط النباتية) التي يسود في طبقتها الرئيسية نوعٌ نباتيٌّ واحدٌ بعينه، مثل ثعلبية المروج أو الصنوبر البري. ومع ذلك قد تشمل التشكيلة النباتية الواحدة مجتمعاتٍ نباتيةً مختلفةً وراثيًّا وبيئيًّا؛ فمثلًا يمكن أن تكون تشكيلات غابات الصنوبر المكوَّنة من الصنوبر البري غاباتِ صنوبرٍ إسفغنونيةً (طحلبية)، أو غاباتِ صنوبرٍ تضمُّ نباتاتٍ تميّز الغابات عريضة الأوراق. ولذلك فإنَّ مصطلح «التشكيلة النباتية» ليس وحدةً تصنيفية، ويُستعمل بوصفه مفهومًا لا رُتبيًّا. ونتناول فيما يلي مزيدًا من التفاصيل.
وفي هذا الصدد، أُدخِل مصطلح «التشكيلة النباتية» عام 1838 على يد عالِم النبات الأرضي الألماني أوغست غريسباخ، وكان معناه في البداية قريبًا من مفهومَي الرابطة النباتية أو المجتمع النباتي. وتُشكِّل مجموعةُ التشكيلات النباتية المتشابهة في الشكل الحياتي لأنواعها السائدة فقط (كالجُنَيبات والغابات ونحوها) ما يُعرف بـنمط الغطاء النباتي.
التشابه الظاهري
وفي السياق ذاته، جرت محاولاتٌ عدّةٌ للاستفادة من هذا التشابه الظاهري. فقد وضع ألكسندر فون هومبولت ستَّ عشرة مجموعةً ظاهريةً يندرج فيها الغطاء النباتي للكرة الأرضية. غير أنَّه لمّا كان التشابه الظاهري عند هومبولت مأخوذًا في ذاته دون ربطه بأسبابٍ أعمَّ فاعلة، جاءت مجموعاته مصطنَعةً إلى حدٍّ بعيد ولم تصمد في العلم. أمّا غريسباخ فافترض أنَّ سبب التشابه الظاهري هو وحدة الاحتياجات الخُضرية في ظلِّ ظروف الحياة المتاحة. واقترح غريسباخ أن تُسمّى «تشكيلةً نباتيةً» أو تشكيلةً جغرافيةً نباتيةً كلُّ مجموعةٍ من النباتات ذات مظهرٍ مميَّز، كالمرج والغابة ونحوهما. وتتميّز هذه المجموعة إمّا بنوعٍ واحدٍ يظهر بأعدادٍ كبيرة، وإمّا تتألف من أنواعٍ كثيرةٍ تشترك جميعها في خاصيةٍ واحدة؛ فمثلًا تتكوّن المروج الألبية من الأعشاب المعمِّرة على وجه الحصر على وجه التقريب.
التصنيف
من جهة ثانية، إنَّ التشابه بين النباتات في الأعضاء الخُضرية وتشابه المظهر العام (الهيئة، habitus) يلفت الانتباه أكثر بكثيرٍ من التشابه في أعضاء التكاثر. وتبعًا لذلك كانت المحاولات الأولى لتصنيف النباتات تأخذ في الاعتبار أعضاءها الخُضرية تحديدًا، فنشأ بذلك أحد أبسط التقسيمات إلى أشجار وجُنَيبات وأعشاب. وتبيَّن لاحقًا أنَّ الاستناد إلى تشابه أعضاء التكاثر أكثر ملاءمةً لتصنيف النباتات، إذ إنَّ هذا التشابه هو في أغلب الحالات مؤشرٌ على القرابة الفعلية بين الكائنات النباتية. ومع ذلك لا يمكن إغفال التشابه الظاهري الخارجي بين مختلف النباتات إغفالًا تامًّا، إذ يعني ذلك تجاهل فئةٍ هائلةٍ كاملةٍ من الحقائق.
التشابه البيولوجي
إضافةً إلى ذلك، وتكمن أكبر صعوبةٍ في تحديد حجم المجتمع الذي ينبغي تسميته تشكيلةً نباتية. فبينما يفهم غريسباخ وأوسكار دروده من التشكيلة النباتية مجموعاتٍ كبيرةً جدًّا، يُطلق آخرون اسم التشكيلات على تقسيماتٍ صغيرةٍ جدًّا من الغطاء النباتي. ولذلك بات من الضروري تصنيف التشكيلات النباتية في منظومةٍ من التقسيمات المتدرِّجة، والاتفاق على أيٍّ من هذه التقسيمات يُخصَّص له اسم «التشكيلة النباتية» بمعناه الضيّق.
علاوةً على ذلك، يُطلق اسم التشكيلة النباتية اليوم عادةً على جميع أنماط المجتمعات في أنحاء الكرة الأرضية التي تتطابق فيما بينها في مظهرها (أي في أشكالها الحياتية) وفي السمات الأساسية لبيئتها، دون أن يكون للاختلاف في التركيب النوعي لهذه المجتمعات أيُّ أهمية. ومن أمثلة هذه التشكيلات: الغابة عريضة الأوراق المتساقطة الأوراق شتاءً، والغطاء النباتي الخشبي ذو الأوراق الجلدية، والمرج الرطب، وأرض الخُثّ، والعوالق المائية العذبة. وتُجمَّع التشكيلات المنفردة في مجموعاتٍ من التشكيلات، مثل الغابة النفضية والغابة المخروطية، وتُجمَّع هذه بدورها في صفوفٍ من التشكيلات (دروده)، أو أنماطٍ خُضريةٍ أو تشكيلاتٍ مناخيةٍ (شمبر) ينقسم إليها كامل الغطاء النباتي عند دراسته من الوجهة البيولوجية.
من جهة ثانية، يُعرِّف أندريه بيكيتوف التشكيلةَ النباتية بأنها مجتمعٌ نباتيٌّ ناشئٌ عن تشابه احتياجاته الحياتية (البيولوجية). لكنَّ هذين التعريفين لا يأخذان في الحسبان سوى النباتات الخضراء ذاتية التغذية وحدها، مع أنه لا يوجد ما يبرّر استبعاد النباتات الطفيلية والنباتات الرمّية التي يمكن أن تكون بدورها عناصر ثابتةً ومميِّزةً لتشكيلةٍ نباتيةٍ بعينها. ولذلك يكون من الأنسب النظر إلى التشكيلة النباتية بوصفها مجتمعًا من الكائنات ذاتية التغذية والطفيلية والرمّية التي تستغل ظروف الحياة المتاحة استغلالًا متنوعًا وتُكوِّن في مجموعها تركيباتٍ مستقرةً نسبيًّا. وحالةُ التوازن في هذا التركيب هي ما يحدّد المظهر الخارجي للتشكيلة النباتية. وربما كان من المثمر لدراسة التشكيلات النباتية النظرُ إليها بوصفها حالاتٍ من التوازن المتحرِّك بين مكوّناتها (كما يرى ألكسندر يلينكين).
صفوف التشكيلات
- يميّز أوسكار دروده صفوف التشكيلات الآتية:
- الغابات؛
- الغابات المختلطة بالجُنَيبات (Gebüsche)؛
- الجُنَيبات؛
- تشكيلات النباتات المعمِّرة؛
- الحقول العشبية (Grasfluren)؛
- السهوب؛
- نباتات الصخور؛
- الحزازيات؛
- تشكيلات المستنقعات؛
- تشكيلات المياه الجارية؛
- تشكيلات البِرَك؛
- التشكيلات العضوية.
في هذا الإطار، ومن جهةٍ أخرى ينبغي تقسيم التشكيلة النباتية — بالمعنى المقصود هنا — إلى مجموعاتٍ أصغر، للانتقال أخيرًا من التصوّرات المجرَّدة إلى المجتمعات النباتية الملموسة التي تمثّل الموضوع المباشر للدراسة. وقد أُطلق على هذه المجتمعات مصطلحٌ ألمانيٌّ يصعب ترجمته هو (Einzelbestand؛ «الوَحدة المنفردة»، بحسب دروده ووارمينغ). ولعلَّ أنسب تعبيرٍ عنه هو «التركيبة المنفردة»، ويُقصد بها مجموع نباتات منطقةٍ منعزلةٍ معيّنة، تُشكِّل كلًّا متجانسًا واحدًا من حيث مجمل ظروف الحياة. وتمثّل هذه التركيبة المنفردة وحدةً طوبوغرافيةً مظهرية، أي «الفرد» في منظومة التشكيلات النباتية. وكثيرًا ما تتميّز هذه التركيبات بسيادة نوعٍ واحدٍ تُسمّى باسمه، إذ تُضاف إلى الاسم الجنسي أو النوعي اللاحقة «-etum». فيُقال Pinetum إذا كان الصنوبر (Pinus silvestris) هو ما يُضفي على التركيبة مظهرها، وتعني Phragmitetum تركيبةً يسودها القصب (Phragmites)، وهكذا. وإذا لم يوجد نوعٌ سائدٌ سيادةً مطلقة، فيُختار للتسمية نوعٌ أو نوعان من أكثر الأنواع انتشارًا، أو تُوصَف التركيبة بحسب خصائص التربة.
من جهة ثانية، ونظرًا للاختلاف في فهم مصطلح التشكيلة النباتية، يستبدل به بعض المؤلفين مصطلحاتٍ أخرى؛ فمثلًا يتحدّث أندريه بيكيتوف عن «النباتات الطوبوغرافية»، ويستعمل يوجينيوس وارمينغ مصطلحَي «المجتمعات النباتية» و«صفوف المجتمعات».
في هذا الإطار، وجميع التركيبات المنفردة المتشابهة في كل شيءٍ عدا الموقع تُكوِّن مجموعة «التركيبة». غير أنه كثيرًا ما تُلاحَظ بين التركيبات المنفردة في منطقةٍ جغرافيةٍ صغيرة فروقٌ طفيفة تنحصر في انتقال السيادة من نوعٍ إلى آخر ونحو ذلك؛ وتُسمّى هذه التحوّلات الطفيفة «هيئات» التركيبة (Faces). وتُكوِّن جميع تحوّلات التركيبة وهيئاتها في مجموعها «نمط التركيبات»، مثل «نمط Phragmitetum». وعند النظر في كامل المنطقة التي يظهر فيها نمطٌ معيّنٌ من التركيبات، يمكن تقسيم هذا النمط إلى «أنماطٍ فرعية» يستبعد بعضها بعضًا جغرافيًّا، استنادًا إلى توزُّع «الأنواع الدليلية» التي لا ترد إلا في نطاقٍ جغرافيٍّ محدود. وأخيرًا، قد تظهر على تُرَبٍ مختلفة (كالتُّرَب الكلسية والفقيرة بالكلس) أنماطٌ متوازيةٌ من التركيبات تُسمّى الطُّرُز المتوازية (مثل Curvuletum وFirmetum، وهما تركيبتان بنبات Carex curvula وC. firma على التوالي). وإذا أُضيف إلى ذلك أنَّ التشكيلات النباتية كثيرًا ما تُقسَّم كذلك إلى «تشكيلاتٍ فرعية»، فإننا نكون قد عدَّدنا جميع تقسيمات هذه المجموعة.
- انظر كذلك
- مجتمع نباتي
- نمط الغطاء النباتي
- شكل حياة النبات
- جغرافيا نباتية
وعلى صعيد آخر، أمّا أندرياس شمبر فيميّز بين نوعين: التشكيلات المشروطة بالمناخ، والتشكيلات المشروطة بخصائص التربة. ولا يُحصي شمبر من التشكيلات المناخية سوى ثلاثٍ: الغطاء النباتي الخشبي، والحقول العشبية، والصحارى. أمّا التشكيلات التُّربية فقد تتوقف على ماء التربة (المستنقعات، وأراضي الخُثّ، والغابات الرواقية، وغابات المانغروف)، أو على التربة نفسها (التشكيلة الصخرية والرملية). وإضافةً إلى ذلك يميّز شمبر بين الغطاء النباتي للمياه العذبة والغطاء النباتي المحيطي.
كذلك، ولتسهيل فهم هذا التصنيف يُستعان بمثالٍ ملموس. لِنَفترض أننا ننظر في مرجٍ ألبيٍّ يسوده نبات Nardus stricta. فعند الحديث عنه بوصفه «تركيبةً منفردة» يجب أن نذكر المنطقة التي يقع فيها هذا المرج: فـ«التركيبة المنفردة» هي Nardetum، مثلًا في Alpe di Sella على جبل غوتهارد. و«نمط التركيبة» هو Nardetum. ولمّا كان الـNardetum في هذه المنطقة الجبلية واقعًا ضمن نطاق انتشار نبات Trifolium alpinum الداخل في تكوين مرجنا، فإنه يُنسَب إلى «النمط الفرعي» Nardetum الخاص بالمنطقة الجبلية (مع Trifolium alpinum). وتكون «التشكيلة الفرعية» التي ينتمي إليها هذا الـNardetum هي المروج الألبية الجافة، و«التشكيلة» هي المروج الجافة، و«مجموعة التشكيلات» هي المروج، وأخيرًا يكون «النمط الخُضري» (صف التشكيلة) هو الحقل العشبي.
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟