الهذيان والأحلام في الفن
المحتويات

في البداية، الهذيان والأحلام في الفن هو العنوان العربي لدراسة في التحليل النفسي للطبيب والمفكر النمساوي سيغموند فرويد، نشرها بالألمانية سنة 1907 بعنوان Der Wahn und die Träume in W. Jensens "Gradiva"، أي «الهذيان والأحلام في غراديفا لِـفيلهلم ينسن». تناول فيها فرويد رواية غراديفا: فانتازيا بومبية للكاتب الألماني فيلهلم ينسن، وحلل أحلام بطلها وهذيانه وعلاقته بالذاكرة المكبوتة والرغبة، مطبقًا مفاهيم تفسير الأحلام والكبت واللاوعي على عمل أدبي متخيَّل. ونتناول فيما يلي مزيدًا من التفاصيل.
كذلك، يمثل الكتاب مرحلة مبكرة في استخدام فرويد للتحليل النفسي في تفسير الأدب؛ ويصفه متحف فرويد بأنه أول تحليل كامل له لعمل أدبي. كما أصبح من النصوص المعروفة في تاريخ النقد النفسي للأدب، وظلت قراءته لرواية غراديفا موضوعًا لدراسات لاحقة ناقشت الصلة بين الإبداع الأدبي والحلم والهذيان والذاكرة والرغبة المكبوتة.
وفي هذا الصدد، تتمحور الدراسة حول عالم الآثار الشاب «نوربرت هانولد»، بطل رواية ينسن، الذي يفتتن بصورة امرأة تمشي في نحت بارز روماني، ويسميها «غراديفا»، ثم يبني حولها سلسلة من التخيلات والأحلام تقوده إلى بومبي. يفسر فرويد هذا الافتتان بوصفه عودة غير مباشرة لمشاعر وذكريات طفولة مكبوتة مرتبطة بصديقته القديمة «زوي برتغانغ»، التي يتبين أنها النموذج الحي الذي أعاد هانولد تشكيله في صورة غراديفا.
الاستقبال والدراسات
ومن ناحية أخرى، ظل الكتاب موضوعًا للقراءة داخل دراسات التحليل النفسي والأدب. ففي سنة 2010 نشر المحلل النفسي زفي لوثان دراسة موسعة بعنوان «The Lessons of a Classic Revisited: Freud on Jensen's Gradiva» في The Psychoanalytic Review، أعاد فيها مناقشة قراءة فرويد للشخصيات وعلاقة الحب والهذيان والعلاج، وسعى إلى التمييز بين جوانب الرواية الأدبية وبين الاستنتاجات التشخيصية التي أضافها فرويد إليها.
علاوةً على ذلك، كما استمرت الدراسة في إثارة أسئلة حول حدود تطبيق المفاهيم السريرية على الشخصيات المتخيلة: فإذا كان هانولد شخصية أدبية لا مريضًا حقيقيًا، فإن «حالته» صيغت أصلًا وفق متطلبات الحبكة الفنية. ولذلك تنظر دراسات معاصرة إلى نص فرويد بوصفه وثيقة في تاريخ التفاعل بين التحليل النفسي والأدب بقدر ما تنظر إليه بوصفه تحليلًا للحالة النفسية للشخصية.
من جانب آخر، وفي الدراسات العربية، تُذكر غراديفا بصورة متكررة بوصفها من التطبيقات المبكرة للمنهج النفسي في الأدب. فقد تناول بوبكر فضيل الدراسة ضمن بحثه في انتقال التحليل النفسي من المؤلف إلى النص والقارئ، بينما ناقشت فاطمة الزهرة شارف صلتها بتأويل الرموز والإبداع الفني في فلسفة التحليل النفسي.
في الفلسفة اللاحقة
من جانب آخر، استعاد الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا قراءة فرويد لـغراديفا في كتابه حمى الأرشيف الصادر سنة 1995. واستعمل قصة البحث عن الماضي وآثاره لمناقشة مفهوم الأرشيف وعلاقة الذاكرة بالغياب والأثر في الفكر الفرويدي.
في هذا الإطار، وأصبح الربط بين فرويد ودريدا وغراديفا موضوعًا مستقلًا في الدراسات الفلسفية والكلاسيكية؛ إذ دُرست الرواية بوصفها نموذجًا يجمع بين البحث الأثري، واستعادة الذاكرة، وتفسير الأثر النفسي.
الأدب والتحليل النفسي
من جهة ثانية، وترى فاطمة الزهرة شارف، في دراستها عن الفن من منظور فلسفة التحليل النفسي، أن اهتمام فرويد بـغراديفا يظهر توسع المنهج التحليلي من تفسير الأعراض الفردية إلى تفسير الرموز والأعمال الثقافية، حيث يصبح العمل الفني موضعًا للبحث في العلاقة بين الرغبة والرمز واللاوعي.
من جهة ثانية، لا يقتصر الكتاب على تفسير حالة هانولد، بل يتضمن تصورًا عن العلاقة بين الأدب والمعرفة النفسية. ينطلق فرويد من أن الكتّاب قادرون، بواسطة التخيل والملاحظة، على تقديم تمثيلات دقيقة لعمليات نفسية لم تكن العلوم النفسية قد صاغتها دائمًا في مفاهيم نظرية.
الأحلام الأدبية
وعلى صعيد آخر، يفتتح فرويد دراسته بمناقشة الأحلام التي يصنعها الكتاب لشخصياتهم. ويتساءل عمّا إذا كان الحلم المتخيل أدبيًا يستحق التحليل بالطريقة نفسها التي تحلل بها الأحلام الواقعية. ويجيب بأن الكاتب، عندما يمنح شخصية ما حلمًا، يستعمله عادة للكشف عن حالتها النفسية وعن الأفكار والانفعالات التي تستمر من حياة اليقظة إلى النوم.
من جانب آخر، وتشير دراسة بوبكر فضيل حول التحليل النفسي والأدب إلى أن هذا النوع من القراءة يمثل اتجاهًا مبكرًا انتقل فيه التحليل النفسي من دراسة المؤلف إلى التعامل مع الشخصيات والبنية الداخلية للنص والأحلام الواردة فيه بوصفها مادة للتأويل.
كذلك، ومن هنا يمنح فرويد الأدباء أهمية خاصة في معرفة الحياة النفسية، ويرى أن قدرتهم الحدسية على تصوير العواطف والدوافع قد تسبق أحيانًا الصياغة العلمية لهذه الظواهر. ولا يعني ذلك، في الكتاب، أن ينسن كان يطبق نظرية التحليل النفسي عن قصد، بل إن دقة بنائه للشخصيات والأحلام أتاحت لفرويد قراءتها كما لو أنها مادة نفسية قابلة للتفسير.
خلفية التأليف
من جهة ثانية، ويمثل ذلك جانبًا من توسع اهتمامات التحليل النفسي خارج المجال العلاجي الصرف. فقد أصبح الأدب والأساطير والأعمال الفنية لدى فرويد مصادر يمكن تحليلها للكشف عن تمثلات الرغبة والكبت والخيال واللاوعي. وتشير دراسات عربية في العلاقة بين الأدب والتحليل النفسي إلى أن قراءة غراديفا تُعتبر من التطبيقات المبكرة التي استعمل فيها فرويد النص الأدبي مادة للتحليل النفسي.
وفي السياق ذاته، جاء اهتمام فرويد بـغراديفا بعد سنوات قليلة من صدور تفسير الأحلام؛ لذلك استعمل الرواية لاختبار إمكان تطبيق المبادئ التي صاغها في تحليل الأحلام على الأحلام التي يبتكرها الأدباء لشخصيات خيالية. وينطلق من سؤال عمّا إذا كانت الأحلام الأدبية تخضع لقوانين نفسية مشابهة لتلك التي يرى أنها تحكم أحلام البشر الفعلية.
من جهة ثانية، وصلت الرواية إلى فرويد عن طريق كارل غوستاف يونغ، الذي لفت انتباهه إليها بسبب المكانة التي يحتلها الحلم في بنائها السردي. كتب فرويد دراسته خلال سنة 1906، ثم صدرت سنة 1907 في فيينا ولايبزيغ عن دار Hugo Heller & Cie. بوصفها العدد الأول من سلسلة Schriften zur angewandten Seelenkunde («كتابات في علم النفس التطبيقي»).
من جانب آخر، نشر فيلهلم ينسن روايته القصيرة Gradiva: Ein pompejanisches Phantasiestück («غراديفا: فانتازيا بومبية») سنة 1903. وتدور أحداثها حول عالم آثار شاب تنصرف اهتماماته عن الحياة المعاصرة إلى العالم القديم، قبل أن يفتتن بنحت بارز لامرأة في وضعية المشي ويمنحها اسم «غراديفا».
أطروحة الكتاب
كذلك، وبذلك يستعمل فرويد الحكاية لتوضيح مفهوم عودة المكبوت: فالشيء الذي استبعد من الوعي يعاود الظهور في صورة متنكرة ومتحولة. ويذهب إلى أن اهتمام هانولد الشديد بعلم الآثار، الذي يبدو بعيدًا عن حياته العاطفية، يصبح نفسه الطريق الذي تعود عبره عاطفته المكبوتة؛ إذ يستيقظ اهتمامه بزوي من خلال نحت أثري.
في هذا الإطار، تقوم أطروحة فرويد الأساسية على أن هذيان هانولد وأحلامه ليست أحداثًا نفسية اعتباطية، وإنما لها معنى يمكن تفسيره بالرجوع إلى تاريخه الشخصي وما تعرض للكبت في ذاكرته. فافتتانه بغراديفا، وفق التحليل الفرويدي، يمثل صورة متحولة عن تعلقه القديم بزوي.
في هذا الإطار، كما يقيم الكتاب صلة بين الحلم والهذيان. فكلاهما، في قراءة فرويد، يمكن أن يشتمل على عناصر مأخوذة من الرغبات والذكريات المكبوتة، وإن كانت علاقتهما بالواقع مختلفة. وتصبح أحلام هانولد وسائل يستطيع القارئ من خلالها تتبع الصراع بين رغبته العاطفية من جهة والمقاومة التي تمنعها من الظهور المباشر من جهة أخرى.
علاوةً على ذلك، ويرى فرويد أن الكبت لا يؤدي إلى محو الذكرى، وإنما يجعلها غير متاحة مباشرة للوعي مع استمرار تأثيرها. ولهذا تظهر ذاكرة زوي لدى هانولد في صورة أخرى: نحت أثري لامرأة تمشي، واسم متخيل، وأحلام عن بومبي، واعتقاد بأن غراديفا امرأة من الماضي عادت إلى الحياة.
محتوى الكتاب
الترجمة العربية
كذلك، وتوثق المكتبة الوطنية التونسية الطبعة الثالثة الصادرة في بيروت عن دار الطليعة سنة 1986، وتقع في 110 صفحات، وتثبت اسم جورج طرابيشي مترجمًا للعمل.
- انظر كذلك
- سيغموند فرويد
- تحليل نفسي
- تفسير الأحلام
- لاوعي
- كبت
- كارل يونغ
- جاك دريدا
- سريالية
- بومبي
- علم نفس الفن
وفي هذا الصدد، نقل جورج طرابيشي دراسة فرويد إلى العربية بعنوان الهذيان والأحلام في الفن، وهو عنوان أوسع من العنوان الألماني الأصلي الذي يشير صراحة إلى غراديفا لِـفيلهلم ينسن. وتُنسب الطبعة العربية الأولى إلى دار الطليعة في بيروت سنة 1978.
علاوةً على ذلك، كما تسجل فهارس جامعية عربية طبعات أخرى للترجمة، ومنها طبعة دار الطليعة في بيروت سنة 1981.
الرواية موضوع الدراسة
وعلى صعيد آخر، يتحول اهتمامه بالشخصية من اهتمام أثري إلى افتتان نفسي؛ فيتخيل أنها عاشت في بومبي القديمة، ويحاول معرفة ما إذا كانت طريقة مشيها المصورة في النحت ممكنة في الواقع. ثم يرى في حلم أن غراديفا موجودة في بومبي أثناء ثوران فيزوف سنة 79 وأن الرماد البركاني يدفنها.
في هذا الإطار، وقد شكل هذا البناء الروائي أساسًا لقراءة فرويد؛ إذ رأى في انتقال هانولد من الماضي الأثري إلى الحاضر، ومن غراديفا المتخيلة إلى زوي الحقيقية، تمثيلًا أدبيًا لعودة عناصر مكبوتة من الذاكرة إلى الوعي.
علاوةً على ذلك، تبدأ غراديفا بانشغال نوربرت هانولد، وهو عالم آثار ألماني شاب، بنحت بارز شاهده في مجموعة أثرية في روما. يظهر النحت امرأة شابة تمشي بطريقة مميزة، فيقتني هانولد نسخة منه ويعلقها في غرفته ويطلق على الشخصية اسم «غراديفا»، بمعنى المرأة التي تتقدم أو تمشي إلى الأمام.
في هذا الإطار، بعد الحلم يسافر هانولد إلى إيطاليا ويصل إلى أطلال بومبي، حيث يلتقي امرأة يعتقد أنها غراديفا التي عادت إلى الحياة. إلا أن المرأة هي في الحقيقة «زوي برتغانغ»، صديقة طفولته التي عاش بالقرب منها في ألمانيا لكنه أهملها ونسي علاقته السابقة بها. تدخل زوي تدريجيًا في عالمه المتخيل بدل مواجهته مباشرة، إلى أن يستعيد معرفته بهويتها وعلاقته القديمة بها.
المنهج
كذلك، يعتمد هذا المنهج على التمييز بين المحتوى الظاهر والمحتوى الكامن؛ فالحلم عن بومبي يمثل على المستوى الظاهر حدثًا تاريخيًا متخيلًا، بينما يبحث فرويد خلفه عن الرغبة والذاكرة الشخصية. وبالطريقة نفسها لا يأخذ اعتقاد هانولد بغراديفا على ظاهره فقط، بل يحاول تحديد المواد النفسية التي أعيد تشكيلها داخله.
إضافةً إلى ذلك، ومع ذلك، يقر فرويد بحدود التحليل عندما يتعلق الأمر بالإبداع الفني نفسه؛ فإمكان تحليل دوافع الشخصية أو الرموز الموجودة في النص لا يعني بالضرورة القدرة على تفسير الموهبة الفنية أو بيان مصدر الإبداع بصورة كاملة. وقد استمر هذا التوتر بين استخدام الأدب لتأكيد مفاهيم التحليل النفسي وبين الاعتراف باستقلال العمل الأدبي في الدراسات النفسية اللاحقة.
كذلك، يعامل فرويد شخصية نوربرت هانولد كما لو أنها حالة قابلة للتحليل، فيجمع بين أقوال الشخصية وأحلامها وتصرفاتها والذكريات التي تكشفها زوي في نهاية الرواية، ثم يعيد قراءة الأحداث السابقة على ضوء هذه المعلومات.
الكبت وعودة المكبوت
وفي هذا الصدد، يحتل الكبت موقعًا أساسيًا في تفسير فرويد للرواية. فهو يفرق بين النسيان الذي قد يفقد فيه الأثر النفسي قوته وبين الكبت الذي يبقى فيه الأثر فعالًا رغم غيابه عن الوعي. وبحسب هذا التصور، لم تُمحَ علاقة هانولد بزوي من حياته النفسية، وإنما استمرت بصورة غير واعية ثم عادت عندما أيقظ النحت اهتمامه العاطفي.
في هذا الإطار، وتظهر عودة المكبوت في سلسلة من التحولات الرمزية. فالمرأة التي يعرفها هانولد في حاضره تتحول إلى امرأة من العصور القديمة، والعاطفة المعاصرة تتحول إلى بحث أثري، والحنين إلى زوي يظهر في حلم عن موت غراديفا تحت رماد بومبي. وتصبح المدينة المدفونة نفسها، في قراءة فرويد، ملائمةً لصورة الماضي النفسي الذي دُفن لكنه لم يُدمَّر بالكامل.
من جهة ثانية، هذا التشابه بين علم الآثار والتحليل النفسي أصبح من العناصر التي أثارت اهتمام الدراسات اللاحقة؛ فكلاهما يسعى، في الاستعارة الفرويدية، إلى الكشف عن آثار مدفونة وإعادة بناء ما غاب انطلاقًا من بقاياه.
الهذيان
وفي السياق ذاته، يحلل فرويد اعتقاد هانولد بأن غراديفا شخصية تاريخية حقيقية يستطيع العثور عليها في بومبي. ويرى أن هذا الاعتقاد يتكون تدريجيًا من عناصر واقعية وعناصر متخيلة: فالنحت موجود بالفعل، وبومبي مدينة حقيقية، لكن هانولد يضيف إلى ذلك سيرة متخيلة للشخصية ويعاملها كما لو كانت حقيقة تاريخية.
في هذا الإطار، ولا يقرأ فرويد الهذيان بوصفه مجرد خطأ في الإدراك، وإنما بوصفه بناءً يحمل في داخله آثار الحقيقة النفسية التي يحاول هانولد تجنبها. فغراديفا خيالية، لكن المشاعر التي استثمرها فيها ليست بلا أصل؛ إذ يعيدها فرويد إلى عاطفته المنسية تجاه زوي.
في هذا الإطار، وقد أعادت دراسات لاحقة مناقشة الطبيعة التشخيصية لحالة هانولد، واختلفت في مدى ملاءمة التعامل معها باعتبارها ذهانًا أو عصابًا بالمعنى السريري. ويرى زفي لوثان، في إعادة قراءته للدراسة سنة 2010، أن قيمة نص فرويد لا تقتصر على التصنيف التشخيصي، بل تشمل كذلك ما يكشفه من علاقة بين السرد والحوار والحب والتغيير النفسي.
التأثير الثقافي والفني
علاوةً على ذلك، وكان فرويد نفسه شديد الارتباط بصورة غراديفا؛ فبعد زيارته متاحف الفاتيكان سنة 1907 اقتنى نسخة جصية من النحت البارز الذي ألهم رواية ينسن، واحتفظ بها في غرفة عمله. وما تزال النسخة معروضة ضمن مقتنيات متحف فرويد في لندن.
كذلك، وفي سنة 1937 افتتح أندريه بريتون في باريس معرضًا فنيًا باسم «Galerie Gradiva»، ويذكر متحف فرويد أن الاسم كان تحية لدراسة فرويد ورواية ينسن. وقد أصبحت غراديفا بالنسبة إلى السرياليين رمزًا مرتبطًا بالأحلام والجنس و«الحب المجنون».
وفي هذا الصدد، تجاوز أثر غراديفا ودراسة فرويد المجال النفسي والأدبي إلى الحركة السريالية. فقد أثارت الشخصية اهتمام السرياليين بسبب اتصالها بالحلم والرغبة والمرأة العائدة من الماضي والحد الفاصل بين الواقع والخيال.
وفي هذا الصدد، كما ظهرت الشخصية في أعمال فنانين سرياليين، ومن بينهم سلفادور دالي وأندريه ماسون. وتبين دراسات في تاريخ الفن أن شعبية غراديفا داخل الحركة السريالية في ثلاثينيات القرن العشرين ارتبطت بصورة وثيقة بالقراءة التي قدمها فرويد للرواية وباهتمام الحركة باللاوعي والحلم والرغبة.
زوي ومسار العلاج
ومن ناحية أخرى، تقدم زوي تدريجيًا معلومات تسمح لهانولد بإعادة الربط بين الشخصية المتخيلة وصديقة طفولته. ومع انكشاف العلاقة بين غراديفا وزوي يستعيد البطل أجزاء من ذاكرته وينتقل من تعلقه بالماضي المتخيل إلى علاقة مع امرأة حاضرة في حياته الواقعية.
من جهة ثانية، لهذا ارتبطت الرواية ودراسة فرويد لاحقًا بفكرة «العلاج بالحب». ويشير متحف فرويد إلى أن قصة غراديفا اكتسبت هذه الدلالة بسبب الدور الذي تلعبه زوي في إخراج هانولد من عالمه الوهمي بواسطة علاقتها به واستعادتها لتاريخه المشترك معها.
ومن ناحية أخرى، تحتل زوي موقعًا مركزيًا في الجزء الأخير من التحليل. فعندما تدرك طبيعة اعتقاد هانولد، لا تبدأ بإنكار عالمه المتخيل مباشرة، بل تتحدث معه من داخله وتقبل مؤقتًا أن يعاملها بوصفها غراديفا. ويرى فرويد تشابهًا بين هذا السلوك وبين طريقة العلاج التي تبدأ بفهم بنية اعتقاد المريض قبل محاولة تغييره.
موقع الكتاب في أعمال فرويد
من جانب آخر، يأتي الهذيان والأحلام في الفن بعد تفسير الأحلام وثلاث مقالات في النظرية الجنسية، وفي مرحلة اتسع فيها اهتمام فرويد بتطبيق مفاهيم التحليل النفسي على الظواهر الثقافية والأدبية خارج الحالات السريرية.
من جهة ثانية، ويصف متحف فرويد الكتاب بأنه أول دراسة فرويدية مطولة مكرسة بالكامل لتحليل عمل أدبي. ثم واصل فرويد هذا الاتجاه في أعمال تناول فيها الأدب والفنانين والثقافة، من بينها دراسته عن ليوناردو دا فينشي، ومقالته عن فيودور دوستويفسكي، وكتاباته عن الإبداع والتخييل والفن.
من جانب آخر، ولهذا يُستشهد بدراسة غراديفا بوصفها إحدى النصوص المؤسسة لما أصبح يعرف لاحقًا بـالنقد النفسي أو النقد الأدبي المتأثر بالتحليل النفسي، رغم أن المدارس اللاحقة طورت مناهج تختلف بدرجات واسعة عن الطريقة الفرويدية الأولى.
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟