الموسيقى اليابانية الجديدة
المحتويات

تعريفًا بالموضوع، الموسيقى اليابانية الجديدة (، شين نيهون أونغاكو) هي تيار جمالي موسيقي ياباني تبلور في أوائل القرن العشرين، ولا سيما منذ العشرينيات، وسعى إلى إعادة صوغ الموسيقى اليابانية الآلية التقليدية في لغة حديثة تمزج بين خاماتها المحلية وتقنيات من الموسيقى الغربية. وقد ارتبط هذا التيار، في أكثر صوره شهرة، بأعمال ميتشيو مياجي على الكوتو وبجهود ناكاو توزان في تحديث الشاكوهاشي، مع امتداد أثره إلى أنواع أخرى مثل موسيقى الشاميسن. ويوصف بأنه واحد من أهم المنعطفات في تاريخ الموسيقى اليابانية التقليدية في العصر الحديث، لأنه لم يكتفِ بحفظ التراث، بل أعاد بناءه في ضوء الحداثة اليابانية، والاحتكاك بالغرب، وتغير وسائط الأداء والتلقي. وتعرض الأقسام التالية جوانب أخرى من الموضوع.
كذلك، فهو خرج من داخل الأنواع اليابانية، لكنه لم يقبل إبقاءها في حدودها القديمة من حيث السلم، والمساحة الصوتية، وشكل القطعة، والعزف الجماعي، والعرض العام. كما أن كثيرًا من الأعمال التي تُعد اليوم تقليدية في اليابان وعلى رأسها معزوفة هارو نو أومي هي من منتجات التيار التحديثي.
الاستقبال والنقد
وعلى صعيد آخر، استقبلت الأوساط الموسيقية اليابانية هذا التيار بوصفه مشروعًا واعدًا في توسيع جمهور الموسيقى اليابانية، لكنه أثار كذلك أسئلة عن حدود الأصالة والاقتباس. فبعض عناصر التحديث، ولا سيما إدخال الهارمونية والتنظيم الشكلي الحديث، عُدّت عند بعض المحافظين تهديدًا لجوهر التقاليد. وفي المقابل رأى مجددون أن بقاء الموسيقى اليابانية حية يقتضي إخراجها من انغلاق المدارس والتداول الداخلي إلى فضاء الحفل العام والإنتاج المسجل والتعليم الحديث. وتكشف الكتابات اللاحقة عن مفارقة مهمة: كثير من الأعمال التي أثارت في زمنها شعورًا بالتجديد تُعد اليوم جزءًا من «التقليد» نفسه.
من جهة ثانية، ومن جهة النقد التاريخي، لا تُقرأ «الموسيقى اليابانية الجديدة» اليوم بوصفها استجابة فنية محضة، بل كذلك كجزء من صوغ الهوية الثقافية اليابانية الحديثة. فهي من ناحية تيار موسيقي، لكنها من ناحية أخرى تدخل في تاريخ تمثيل «الياباني» في زمن التصنيع، والمدينة الحديثة، والإمبراطورية، والبث، والسوق. ولهذا فإن دراستها لا تخص علم الموسيقى وحده، بل تتقاطع مع تاريخ الحداثة اليابانية وتاريخ المفاهيم القومية للثقافة.
الآلات
من جانب آخر، أما الشاكوهاشي فقد دخل مشروع التحديث من زاوية مختلفة. فـناكاو توزان لم يخترع آلة جديدة بالمعنى الحرفي، لكنه أسس مدرسة أعادت توجيه الآلة من محيطها الطقوسي المرتبط بالزن والبوذية إلى فضاء برجوازي غربي أوسع، وطوّرت كذلك أساليب التأليف لها وأنظمة التدوين الموسيقي.
إضافةً إلى ذلك، فقد كان للتدوين الموسيقي دور أساسي في صعود هذا التيار. فالتحديث لم يكن ممكنًا من دون صيغ أكثر مرونة في الكتابة، ولا من دون قدرة على تداول القطع الجديدة خارج الإطار الشفهي للمدارس التقليدية.
كذلك، واحدة من أهم سمات التيار كانت تطوير الآلة نفسها. ففي حالة الكوتو ارتبط اسم ميتشيـو مياجي بتوسيع المجال الصوتي للآلة عبر اختراع الكوتو ذو 17 وترًا سنة 1921، يملأ المنطقة الغليظة في العزف الجماعي.
النشأة والتبلور
كذلك، ولم يقتصر أثر التيار على سوكيوكو، أي موسيقى الكوتو، بل امتد إلى أنواع أخرى. فالدراسة الكلاسيكية لكاتسومورا جينكو تؤكد أن المحاولات الغربية التوجه في ظل هذا الشعار أسهمت في تطور ملحوظ في الأساليب الموسيقية، ولا سيما في موسيقى الكوتو، لكنها لم تبق محصورة فيها؛ إذ ظهرت كذلك محاولات مقابلة لدى كينيا ساكيتشي وغيره.
من جهة ثانية، وتكمن أهمية هذه اللحظة في أنها جمعت اتجاهات مختلفة داخل الفضاء نفسه: الكوتو، والموسيقي الغربية لذلك لم يكن التيار مدرسة، بل شبكة من المبادرات المتقاربة، تتفق على ضرورة تحديث الموسيقى اليابانية الآلية وتوسيع جمهورها، وتختلف في مقدار ما تقبله من التأثر الغربي، وفي الدرجة التي تسمح بها للميلودية والهارمونية والتدوين الحديث.
وفي السياق ذاته، بدأ التيار في تحديث موسيقى الكوتو في عصر مييجي. لكن هذه المرحلة التمهيدية تحولت في عشرينيات القرن العشرين إلى حركة أوضح. ويعد كثير من الباحثين أن سنة 1920 تمثل لحظة رمزية مهمة، إذ أقيم فيها حفل بعنوان شين نيهون أونغاكو داي إينسو كاي (الحفل الكبير للموسيقى اليابانية الجديدة) شارك فيه ميتشيـو مياجي.
الأعمال
من جهة ثانية، وقد غدت Haru no Umi قطعة بالغة الشهرة في اليابان؛ إذ تذكر الموسوعة البريطانية أنها من أكثر الأعمال شهرة للكوتو والشاكوهاشي، وكثيرًا ما تُسمع في فترة رأس السنة، كما اكتسبت حياة عابرة للحدود عندما عُدِّل جزء الشاكوهاشي فيها إلى كمان في تعاون ميتشيـو مياجي مع عازفة الكمان الفرنسية رينيه شيميه سنة 1932.
ومن جهة أخرى، ليست الموسيقى اليابانية الجديدة مدرسة ذات قائمة رسمية، لكن عددًا من الأعمال أصبح يُستشهد به بوصفه ممثلًا لروحها التقنية والجمالية. ومن أشهر هذه الأعمال ما يأتي:
التسمية
وفي السياق ذاته، تشير عبارة شين نيهون أونغاكو حرفيًا إلى الموسيقى اليابانية الجديدة. وقد وردت في الدراسات بصيغتي شين نيهون أونغاكو وشين نيهون أوندوه، أي حركة الموسيقى اليابانية الجديدة. وقد شاع مع الحفلات والعروض التي حاولت تقديم موسيقى يابانية حديثة بإستخدام الآلات اليابانية، لكنها تتجاوز قوالبها الموروثة. ولهذا لا ينبغي فهم الجديد هنا بمعنى القطيعة.
من جانب آخر، وفي الكتابات الإنجليزية الحديثة يُقارن المصطلح أحيانًا بمفهوم شين هوغاكو، أي الموسيقى التقليدية المجددة أو الموسيقى اليابانية المحدثة. غير أن الاستعمالين ليسا مترادفين تمامًا في كل دراسة؛ فبعض الباحثين يستعمل شين نيهون أونغاكو لمرحلة ما بين الحربين، بينما يستعمل شين هوغاكو استعمالًا أوسع يشمل ما تلا الحرب كذلك. ومع ذلك، فإن القاسم المشترك بينهما هو الإشارة إلى مشروع تحديث الموسيقى اليابانية من داخلها، لا إلى استبدالها كليًا بالموسيقى الغربية.
الخصائص الجمالية
من جانب آخر، من أبرز السمات الشكلية للتيار الانتقال من التركيز على تداول الريبرتوا للفنانين أو المدارس الكبرى إلى تشجيع التأليف الفردي. ففي الأوساط اليابانية التقليدية كان كثير من العزف يدور حول النقل، والتفسير داخل سلاسل يتناقلها الفنانون، أما في الموسيقى اليابانية الجديدة فقد أصبحت العزف المستقل لحفل محدد أو تسجيل محدد أكثر حضورًا. وهذا ما يظهر في أعمال مثل ميزو نو هينتاي (1909)، أوتشيبا نو أودوري (1921)، وهارو نو أومي (1929)، وكلها إنتاجات من مؤلف مستقل، لا مجرد فروع من قوالب أقدم.
وفي هذا السياق، كانت الفكرة الجمالية الأساسية لهذا التيار هي أن الهوية السمعية اليابانية غير منعزلة، ويمكن لها أن تدخل ضمن أشكال حديثة. ولهذا سعت إلى الاحتفاظ بعناصر مثل خامة الأوتار الشرقية، وآلات النفخ الخشبية، مع إدخال تنظيم غربي للأقسام، وتوسيع القطعة الموسيقية الى القوالب العالمية، واستعمالٍ أوسع للتواشج بين اللحن الأساسي والصوت المرافق.
من جهة ثانية، كما اتجه هذا التيار إلى مزيد من البنائية الواضحة في ترتيب المقاطع، وإلى الكتابة التصويرية في بعض القطع. لا مجرد أدائيات في مقام بعينه أو طقوسيات، وهو ما يقربها من الحس التصويري الذي تعزز في الموسيقى الغربية البرامجية.
وفي هذا السياق، أدت سلالم الموسيقى الغربية دورًا حاسمًا في تغيير الحس السمعي الياباني مع إبقاء العناصر اليابانية الأساسية. وفي حالة الشاكوهاشي تحديدًا، تذكر أليسون توكيتا أن ناكاو توزان صاغ إنسجاما مميزا بمزج الغربي مع الياباني.
من جانب آخر، وفي هذا الإطار لم تعد الأصالة تعني الجمود، لكن توصلت الى إعادة توظيف التقاليد في فضاء حديث من الأوركاسترا، والتعليم الأكاديمي، والبث الإذاعي، والتسجيل ضمن منتجات فرضتها الإبتكارات العالمية التقنية والموسيقية في القرن العشرين.
إضافةً إلى ذلك، ومع ذلك ظل جوهر الصوت يابانيًا من حيث العناية بالجرس، والمرونة الدقيقة في النغمة، وأهمية المساحة الصامتة واللون. فـالشاكوهاشي، مثلًا، آلة عمودية مشقوقة النفخ، تسمح عبر تغيير زاوية الهواء، والتغطية الجزئية للثقوب، بإنتاج تدرجات لونية ونغمات فوق السلم الخماسي للنغمة. وهذه الخصائص جعلت الآلة ملائمة جدًا لمشروع المزج، لأنها تسمح بمساحة وسيطة بين الثبات النغمي الغربي والمرونة الصوتية اليابانية.
التأثير والإرث
وفي السياق ذاته، كما أن الإرث الرمزي للتيار بقي حيًا في الوجدان العام عبر أعمال مثل Haru no Umi التي غدت في اليابان الحديثة صوتًا موسميًا مرتبطًا برأس السنة، وفي الوقت نفسه مثالًا كلاسيكيًا على نجاح مزج الكوتو بالشاكوهاشي ضمن قالب حديث.
- انظر كذلك
- الموسيقى اليابانية
- كوتو
- النمط الياباني الموسيقي
- جامعة طوكيو للفنون
- شاميسن
علاوةً على ذلك، ترك هذا التيار أثرًا طويل المدى في تاريخ الموسيقى اليابانية في القرن العشرين. فمن جهة، رسخ شرعية التأليف الجديد للآلات اليابانية التقليدية، وجعل الجمهور يتقبل فكرة أن الموسيقى اليابانية ليست فقط ما ورث من عصور سابقة، بل ما يمكن أن يُكتب حديثًا بهذه الآلات كذلك. ومن جهة أخرى مهد الطريق لتيارات لاحقة، ولا سيما شين هوغاكو بعد الحرب، ولظهور مؤلفين وفرق مثل Pro Musica Nipponia الذين واصلوا توسيع التشكيلات والآلات، بل أضافوا لاحقًا آلات جديدة مثل الكوتو ذي 20 وترًا.
الخلفية التاريخية
إضافةً إلى ذلك، نشأ التيار في سياق التحولات العميقة التي عرفتها اليابان منذ إصلاح مييجي، حين أصبحت الموسيقى الغربية عنصرًا مركزيًا في التعليم، ومشروع التغريب والتحديث. فقد إرتفعت مكانة الموسيقى الغربية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حتى أثرت في كثير من الأنواع المحلية في وعي النخبة الحديثة، التي رأتها عاجزة عن تمثيل أمة رفيعة القدر ومساوية للقوى الغربية الكبرى سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا.
وعلى صعيد آخر، غير أن التحديث لم يسر في اتجاه واحد. فمع تعاظم حضور الغرب، بدأ موسيقيون يابانيون يبحثون عن صيغة لا تجعل الحداثة مرادفة لترك الآلات اليابانية. ومن هنا ظهرت أشكال متعددة، كان من أهمها مشروع تحديث الشاكوهاشي في مدرسة ناكاو توزان، ثم مشروع ميتشيـو مياجي على الكوتو، حيث جرى تطوير الأوتار، والتدوين، والتأليف، والعرض العام، وإدخال عناصر هارمونية من الموسيقى الغربية من غير إلغاء الهوية السمعية.
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟