المصالحة الوطنية (السودان)

على سبيل التعريف، عقب محاولة الانقلاب عام 1976 تم التوصل إلى مصالحة وطنية في السودان بتاريخ 7 يوليو 1977، حيث وقع النميري والمهدي اتفاقا قضى بعودة المعارضة مقابل حل الجبهة الوطنية.كما استعيدت الحريات المدنية، وأطلق سراح المعتقلين السياسيين. اشملت المصالحة كذلك تحولات في السياسة السودانية، مع اعتماد تطبيق الشريعة الإسلاميةماعرف بقوانين سبتمبر، عام 1983. وواجه النميري معارضةً من مختلف الفئات، بما في ذلك المسلمون والعلمانيون وغير المسلمين من الجنوب. وساهمت هذه الخطوة في استئناف الحرب الأهلية في الجنوب، مما أدى إلى صراعات وتحولات سياسية. وتعرض الأقسام التالية جوانب أخرى من الموضوع.
علاوةً على ذلك، شهدت السنوات التالية مزيدا من الاستياء السياسي ضد النميري، والسبب الرئيسي في ذلك يعود إلى فرض الشريعة الإسلامية وإجراءات التقشف الاقتصادي. هذا الاستياء بلغ ذروته في اندلاع ثورة 1985، حيث أدت الاحتجاجات الجماهيرية والإضراب العام إلى انقلاب عسكري أبيض أطاح بنميري من السلطة.
قوانين الشريعة
كذلك، أدخل الرئيس جعفر نميري في سبتمبر 1983 الشريعة الإسلامية في السودان، والتي عُرفت بـ "قوانين سبتمبر"، حيث تم التخلص رمزياً من الكحول وتطبيق حدود مثل عمليات البتر العلنية. دعم الترابي هذه الخطوة، بخلاف وجهة نظر الصادق المهدي المعارضة. عارض الترابي وحلفاؤه داخل النظام الحكم الذاتي في الجنوب، والدستور العلماني، وقبول الثقافة غير الإسلامية. تبع ذلك الاقتصاد الإسلامي في أوائل عام 1984، والذي ألغى الفائدة وأسس نظام الزكاة. أعلن نميري نفسه إماماً للأمة السودانية في سنة 1984. واجهت أسلمة نميري معارضة من جهات مختلفة، حيث عبر الجنوبيون والأصوات العلمانية والدينية الشمالية وحتى القضاء عن مخاوفهم بشأن التطبيق غير الديمقراطي وغياب التشاور. اعتُقل الصادق المهدي، زعيم حزب الأمة، في البداية لمعارضته.
وفي هذا السياق، فشلت محاولة جعفر نميري في تطبيق "النهج الإسلامي" في السودان في الفترة ما بين 1977 و1985، والتي تضمنت التحالف مع فصائل دينية. فُصل انتقاله من الأيديولوجيات القومية اليسارية إلى الإسلام الصارم في كتابيه "النهج الإسلامي لماذا؟" و"النهج الإسلامي كيف؟". تزامنت العلاقة بين الصحوة الإسلامية والمصالحة مع معارضي ثورة 1969 مع صعود الإسلام المتشدد في أجزاء أخرى من العالم. أثر ارتباط نميري بالطريقة الصوفية أبو قرون على تحوله نحو الإسلام، مما دفعه لتعيين أتباع الطريقة في مناصب مهمة. بدأت عملية تشريع "النهج الإسلامي" في سنة 1983، وتوجت بسن أوامر وقوانين مختلفة لتطبيق الشريعة الإسلامية ومبادئ إسلامية أخرى.
المصالحة
ومن ناحية أخرى، عقب محاولة انقلاب 1976، تبنى جعفر النميري ومعارضوه سياسات أكثر ميلا للمصالحة. التقى مسؤولون حكوميون بالجبهة الوطنية في لندن في مطلع عام 1977، وجرى الترتيب لعقد مؤتمر بين النميري وصادق المهدي في بورتسودان. وفيما عُرف ب«المصالحة الوطنية»، ووقّع الزعيمان، في 7 يوليو 1977، اتفاقية من ثماني نقاط أعادت للمعارضة المشاركة في الحياة الوطنية مقابل حل الجبهة الوطنية. كما أعادت الاتفاقية الحريات المدنية، وأطلقت سراح السجناء السياسيين، وأكدت مجددًا سياسة السودان الخارجية غير المنحازة، كما وعدت بإصلاح الحكم المحلي.
الأزمة الليبية السودانية
كذلك، لم يتم الكشف الكامل عن الانسحاب النهائي للقوات الليبية من تشاد والأحداث التي تلت ذلك. بدا أن الرئيس التشادي غوكوني عويدي طلب انسحابهم، وهو ما امتثل له القذافي، واستُبدلوا بقوة حفظ سلام تابعة لمنظمة الوحدة الأفريقية ممولة جزئياً من فرنسا. ظهرت تقارير غير مؤكدة عن محاولة انقلاب في اللحظة الأخيرة من قبل عناصر ليبية في تشاد، لكنها بدت مبالغاً فيها.
كذلك، واجه السودان تحديات كبيرة في عام 1980 و1981 بسبب تدخل ليبيا في تشاد وعلاقتها المعقدة مع معمر القذافي. تفاقمت التوترات بسبب تاريخ من عدم الثقة وتداعيات محاولة انقلاب فاشلة في الخرطوم في يوليو 1976، حيث لعبت عناصر ليبية دوراً فيها. أدت هذه الواقعة إلى توتر العلاقات الليبية السودانية، لكن بعض مدبري الانقلاب، بمن فيهم الصادق المهدي وحسين الهندي، عادوا إلى السودان بمرور الوقت، مما أدى إلى تحسن مؤقت في العلاقات.
وفي هذا الصدد، خفت حدة التوترات بين السودان وتشاد، والتي غذّها بشكل أساسي الوجود الليبي في تشاد، بعد الانسحاب الليبي. استعاد السودان وتشاد العلاقات الدبلوماسية الطبيعية، وأسس الرئيس نميري والرئيس عويدي علاقة عمل، بما في ذلك اتفاق لتشكيل "لجنة وزارية" لمنع المتمردين التشاديين من استخدام السودان كقاعدة لهم. استمرت عداء القذافي تجاه نظام نميري في السودان، مع وجود مخاوف من أن تستمر ليبيا في جهودها لتقويض حكومة الخرطوم. حافظ القذافي على علاقات مع مجموعات سودانية مناهضة لنميري في ليبيا وإثيوبيا، وظل الميثاق الثلاثي بين ليبيا واليمن الجنوبي وإثيوبيا يمثل تحدياً محتملاً لنميري. استمر هذا الوضع في تشكيل تهديد لدارفور وظل تحدياً للسياسة الأمريكية في المنطقة.
ومن ناحية أخرى، أضاف الوضع في تشاد، وهي دولة منقسمة على أسس دينية، مزيداً من التعقيد. كان تدخل السودان في التوسط لوقف إطلاق النار في فبراير 1978 قصير الأجل، وعمق مطالبة ليبيا بشريط أوزو الغني بالموارد التوترات الإقليمية. احتلت القوات الليبية العاصمة التشادية، إنجامينا، في ديسمبر 1980، مما أثار مخاوف بشأن احتمالية قيادة اتحاد تشادي ليبي، وهو ما أدى إلى دق أجراس الإنذار في الخرطوم والقاهرة. وجد السودان نفسه يدعم المتمردين التشاديين، وأغلبهم من منطقة دارفور، مما زاد من التوترات. دفعت الغارات الجوية الليبية على قرى حدودية في دارفور الولايات المتحدة إلى تقديم المزيد من الدعم للسودان. التزم السودان الحذر بسبب محاولات الانقلاب السابقة المدعومة من ليبيا، واتخذ إجراءات مثل الاعتقالات والانتشار العسكري لحماية استقراره رغم أن الغزو الليبي الشامل كان غير مرجح.
الانتقال إلى الديمقراطية
وفي هذا الصدد، شهدت انتخابات مجلس الشعب في فبراير 1978 الاختبار الأول للمصالحة الوطنية. سمح نميري للعائدين من المنفى الذين ارتبطوا سابقاً بحزب الأمة، والحزب الوطني الاتحادي، وجماعة الإخوان المسلمين بالترشح للانتخابات كمرشحين مستقلين. فاز هؤلاء المستقلون بـ 140 مقعداً من أصل 304، مما دفع الكثير من المراقبين للإشادة بجهود نميري لدمقرطة النظام السياسي في السودان. شهدت انتخابات مجلس الشعب بداية تراجع سياسي إضافي؛ إذ أدى فشل الاتحاد الاشتراكي السوداني في دعم مرشحين رسميين إلى إضعاف انضباط الحزب ودفع الكثير من نواب المجلس، الذين كانوا كذلك أعضاء في الاتحاد الاشتراكي، إلى القول بأن الحزب قد خانهم. استعمل عدد متزايد من نواب المجلس مناصبهم لتعزيز مصالح شخصية بدلاً من الوطنية نتيجة لذلك.
إضافةً إلى ذلك، تسببت نهاية الاحتكار السياسي للاتحاد الاشتراكي السوداني، مقترنة بالفساد المستشري على كافة مستويات الحكومة، في إثارة شكوك متزايدة حول قدرة نميري على حكم السودان. تبنى نميري أسلوب قيادة أكثر دكتاتورية للحفاظ على نظامه، حيث أمر جهاز أمن الدولة بسجن الآلاف من المعارضين والمنشقين دون محاكمة. أقال نميري أو نقل أي وزير أو ضابط عسكري رفيع المستوى بدا أنه يطور قاعدة سلطته الخاصة، واختار بدائلهم بناءً على ولائهم له بدلاً من كفاءاتهم. تسببت هذه الاستراتيجية في فقدان الرئيس الاتصال بالمشاعر الشعبية وبالوضع السياسي المتدهور في البلاد.
التبعات
وفي هذا الصدد، تدهورت العلاقات بين الخرطوم وقيادة جنوب السودان عقب المصالحة الوطنية بسبب التحول إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، واعتماد اللغة العربية لغةً رسمية للبلاد.
في هذا الإطار، أفرجت الحكومة نتيجة للمصالحة عن نحو 1000 معتقل ومنحت عفواً عن الصادق المهدي، الذي كان قد حُكم عليه بالإعدام غيابياً. كما سمح الاتحاد الاشتراكي السوداني لأنصار الجبهة الوطنية السابقين بالانضمام إلى صفوفه. تبرأ الصادق من سياسات التعددية الحزبية وحث أتباعه على العمل ضمن نظام الحزب الواحد الذي تتبناه السلطة. أُطلق سراح حسن الترابي، زعيم حزب الإخوان المسلمين وعميد كلية القانون بجامعة الخرطوم، والذي كان قد سُجن ثم نُفي بعد ثورة مايو 1969، وتولى منصبي وزير العدل والنائب العام في سنة 1979. عارض الشريف حسين الهندي، وزير المالية الأسبق الذي قاد الحزب الوطني الاتحادي، مقترح السلام الذي قدمه الرئيس، لكنه أيد في نهاية المطاف اتفاق المصالحة في لندن. بقي 5000 من المتمردين الموجودين في ليبيا وإثيوبيا في الخارج رغم عودة القادة، وتعتزم الحكومة إيفاد وفود لزيارة المخيمات بهدف إقناعهم بالعودة. بدأت جهود إضافية لتحسين العلاقات التي كانت متوترة سابقاً مع أديس أبابا وطرابلس.
خلفية
وعلى صعيد آخر، زار جعفر النميري المملكة العربية السعودية في مطلع عام 1972، وأجرى حوارا مع زعيم المعارضة الشريف حسين الهندي بناء على طلب الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود. وتركز الحوار على معالجة مظالم الماضي والوضع السياسي الراهن. نسب نميري المجازر السابقة إلى الشيوعيين، بينما انتقد الشريف نظام نميري. وتبادل الطرفان العروض والاقتراحات، بما في ذلك اقتراح نميري منصب نائب الرئيس على الشريف، إلا أن المفاوضات لم تكلل باتفاق. وبسبب تعثر هذه الجهود، اتجه الشريف نحو التخطيط لهجوم على الخرطوم بدعم من ليبيا.
في هذا الإطار، انضم صادق المهدي إلى المعارضة وخطط لمحاولة انقلاب عام 1976، حيث اقتحم الخرطوم بقوات معارضة بقيادة محمد نور سعد في 2 يوليو. وقد قوبلت محاولتهم لاعتقال النميري واجهت مقاومة عنيفة، وأدت المعركة التي تلت ذلك إلى وقوع خسائر بشرية كبيرة بين المدنيين. ورغم سيطرة المتمردين في البداية، إلا أن قواتهم عانت من نقص الإمدادات واستسلمت في نهاية المطاف للقوات الموالية لنميري، مما أنهى الانقلاب بعد أسبوع. أعقب ذلك عمليات تفتيش واعتقالات وإعدامات لمن يشتبه في تخطيطهم لتلك المحاولة.
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟