المبادرة التصحيحية الثورية
المحتويات

على سبيل التعريف، كانت المبادرة التصحيحية الثورية برنامجًا إصلاحيًا طموحًا للغاية في الجمهورية العربية اليمنية، تم تطويره وإطلاقه من قبل رئيسها الثالث وقائد مجلس القيادة العسكرية، إبراهيم الحمدي، الذي تولى الحكم من عام 1974 إلى عام 1977. على الرغم من التوقعات العالية، فشلت أغلب إصلاحات البرنامج في نهاية المطاف، بما في ذلك بسبب الإطاحة بمؤسسه في وقت مبكر جدًا. ونتناول فيما يلي مزيدًا من التفاصيل.
تاريخ
اغتيال
كذلك، اغتيل حمدي عام 1977، وخلفه المقدم أحمد الغشمي الذي عارض إصلاحاته. ولا يزال الجدل قائماً حول هوية من يقف وراء هذا الاغتيال. إلا أن اليمنيين يتذكرون سنوات حكم حمدي الثلاث كسنوات أمل في الازدهار، فبالرغم من فشل استراتيجيته الكبرى، شجع حمدي الجهود الرامية إلى إنشاء أو إصلاح مؤسسات الدولة المركزية، وبدأ أول عملية إعادة هيكلة وتحديث شاملة للقوات المسلحة، وروّج على المستوى الشعبي لأيديولوجية التنمية وفكرة مقايضة فوائد التحديث الذي ترعاه الدولة بالولاء لها.
الإصلاحات
تحديث الجيش
علاوةً على ذلك، عندما تولى الحمدي السلطة، كان الجيش ضعيفًا. فمع سيطرة الحكومة، لم يكن نظام الإمداد والتموين العسكري يعتمد فقط على ثقة صنعاء بولاء القادة المحليين، بل كان كذلك عرضة للرشوة والفساد خلال حكم الإرياني. كما كان الصراع والنزاع القبلي شائعًا في الجيش، ولعب الانتماء القبلي دورًا بالغ الأهمية فيه. ورغم وجود حكومة مركزية، إلا أنها كانت ضعيفة للغاية: فقد كان شمال اليمن يعاني من فوضى اجتماعية، ويخضع لحكم مراكز القوى القبلية والعسكرية التي برزت وتعززت في ذلك الوقت. وكان جميع الوحدات العسكرية المهمة تحت قيادة شيوخ القبائل، وقام الإرياني بدمج الكثير من الميليشيات القبلية في الجيش. وكان هدف الحمدي إنشاء جيش قوي وحديث، يكون فيه ولاء الجنود الأساسي للدولة، لا لقبائلهم. في 27 يوليو/تموز 1975، وهو يوم سُمّي "يوم الجيش"، أصدر الحمدي مراسيم عزل بموجبها عدداً من شيوخ القبائل من القيادة العسكرية، وأجرى إعادة تنظيم واسعة النطاق للقوات المسلحة. واستبدل الكثير من القادة العسكريين (وخاصةً من يحملون لقب "شيخ قبيلة") بقادة موالين لسلطته وللحركة الإصلاحية التي قادها. ونجح في نهاية المطاف في توحيد الكثير من الوحدات المتفرقة سابقاً في قوات مسلحة موحدة. خلال فترة حكم الحمدي، توسّع دور الجيش في النظام السياسي والحياة العامة، وعاد تدخله في الحياة السياسية، وأصبح الحكم العسكري سمةً بارزةً في النظام السياسي. إلا أن تقييم فعالية جيش الجمهورية العربية اليمنية في عهد الحمدي أمرٌ يصعب تحديده بدقة، إذ لم يقاتل خارج الحدود خلال تلك الفترة.
سياسة القبائل
ومن جهة أخرى، سرعان ما بدأ حملةً للقضاء على نفوذ النخب القبلية في السياسة والجيش (الذي انتشر خلال عهد سلفه الإرياني)، فأقال شيوخ القبائل ومنعهم من تولي مناصب حكومية وعسكرية. أدى نظام الانتخابات غير المباشرة في المناطق الريفية (الذي استعملته حكومة الإرياني) إلى هيمنة النخب القبلية على البرلمان، لكن مؤسسة تحدي الألفية علّقته للحد من نفوذ القبائل. ألغى حمدي وزارة شؤون القبائل، التي كان يرأسها عبد الله بن حسين الأحمر، معتبرًا إياها "عائقًا أمام التنمية الاقتصادية والاجتماعية"، وحوّلها إلى إدارة خاصة تُسمى "الإدارة المحلية". كان الرئيس الحمدي يعتقد أن شيوخ القبائل يُشكلون عائقًا أمام التنمية، لذا عزلهم سياسيًا ومنعهم من تولي أي مناصب حكومية. شكّل المجلس العسكري بقيادة حمدي ما يُسمى "لجنة الإصلاح العليا"، التي سيطرت على أنشطة الجهاز الحكومي وأنشطة شيوخ القبائل. أثارت سياساته المعادية للقبائل حفيظة شيوخ القبائل بشدة، الذين لم يرضوا عن هذه التغييرات المفاجئة وغير المواتية. انتقد الحمدي الشيوخ لـ"حكمهم دون تحمّلهم مسؤولية أفعالهم". وبحسب إحدى الروايات، فإن شيوخ القبائل هم من دبروا اغتيال الحمدي (بما في ذلك اتحاد قبائل حاشد).
معارضة الإصلاحات
- انظر كذلك
- الجمهورية العربية اليمنية
- جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية
في هذا الإطار، أثارت النزعات الحداثية الراديكالية للإصلاحات استياءً داخل البلاد وخارجها. ففي الداخل، لم تكن الأوساط الاجتماعية المحافظة والزعماء المستفيدون منها (كشيوخ القبائل) راضين عن محاولات حمدي للقضاء على كل مظاهر المحافظة، وبالتالي على سلطتهم القائمة عليها. أما خارج الجمهورية العربية اليمنية، فقد أثارت السياسات الإصلاحية استياءً في دول كالمملكة العربية السعودية، التي بدأت تفقد نفوذها في الجمهورية، إذ كان من أهداف الحمدي جعل اليمن مستقلاً عن القوى الخارجية الكبرى. إضافةً إلى ذلك، أدت ميول الحمدي الاشتراكية ورغبته في التقارب مع جنوب اليمن الشيوعي إلى توتر العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة في ظل الحرب الباردة. باختصار، وحّدت نزعة الحمدي التقدمية اليسارية المحافظين المحليين والدول الأجنبية ضده.
التغييرات السياسية
ومن ناحية أخرى، داخل الجمهورية العربية اليمنية، سعى الحمدي إلى ترسيخ مركزية الدولة اليمنية الشمالية في يد الرئيس وتجاوز القبائل. وكان من بين أهداف الحمدي المهمة الأخرى التقارب والوحدة في نهاية المطاف مع جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (اليمن الجنوبي). وكانت العلاقات بين الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ودية عمومًا (مقارنةً بالدول المنقسمة الأخرى)، على الرغم من أنها وصلت أحيانًا إلى حد الحرب.
في هذا الإطار، انتهج الحمدي سياسة خارجية مستقلة عن القوة التقليدية في الشرق الأوسط - المملكة العربية السعودية - وأوقف حملات الدعاية ضد جنوب اليمن، وتقارب معه، وهو ما شكّل خطاً أحمر آخر بالنسبة للمملكة. في فبراير 1977، أُبرمت اتفاقية قعطبة بين اليمنيين، والتي نصّت على تشكيل مجلس رؤساء يمني لمناقشة وحل جميع قضايا الحدود التي تهم الشعب اليمني الموحد، وتنسيق الجهود في جميع المجالات، بما في ذلك التعاون الاقتصادي والسياسة الخارجية.
الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية
إضافةً إلى ذلك، أولى الحمدي اهتماماً بالغاً بالقطاع الزراعي، ساعياً إلى تحديثه مع تقليص دوره في الاقتصاد. ففي سنة 1974، كان 70% من القوى العاملة تعمل في الزراعة. كما ركز الحمدي على تحديث شامل للبنية التحتية المتخلفة، فشمل ذلك بناء المدارس والمستشفيات والطرق، وتوفير وسائل النقل والحدائق والاتصالات، فضلاً عن إنشاء مرافق الدولة - البنية التحتية الإدارية والتنظيمية والقانونية والاقتصادية والتجارية والقضائية.
كذلك، في فبراير 1977، تم توقيع اتفاقية قعطبة مع جنوب اليمن، والتي نصت (من بين أمور أخرى) على توحيد المناهج الدراسية. وخصص الحمدي 31% من الميزانية السنوية للجمهورية اليمنية للتعليم.
من جانب آخر، ناضل الحمدي بنشاط ضد النزعة المحافظة في الجمهورية اليمنية. ولتنفيذ إصلاحاته، شكّل حمدي سلسلة من "اللجان التصحيحية" للإشراف على تنفيذها. ونظر حمدي إلى هذه اللجان، إلى جانب "التعاونيات"، كقوة سياسية واجتماعية وتنظيمية وإشرافية تدعم مشروع بناء دولته. لطالما تحدث الحمدي عن مشكلة الفساد وضرورة مكافحته. في يونيو/حزيران 1976، أطلق الخطة الخمسية الأولى للتنمية الاقتصادية والبنية التحتية لشمال اليمن، بقيمة 3.6 مليار دولار أمريكي، والتي لم تُستكمل قط، إذ اغتيل لاحقًا بوقت قصير.
وصوله إلى السلطة وسياساته الجديدة
ومن جهة أخرى، تولى إبراهيم الحمدي السلطة في 13 يونيو/حزيران 1974، عقب انقلاب عسكري ناجح وسلمي أطاح بأول زعيم مدني للجمهورية العربية اليمنية، عبد الرحمن الإرياني. وأعلنت الإذاعة الرسمية تشكيل مجلس من سبعة ضباط ناصريين لإدارة البلاد بقيادة الحمدي، والذي عُرف لاحقًا باسم مجلس القيادة العسكرية. وسرعان ما بدأ الحمدي بتنفيذ إصلاحات أطلق عليها اسم "المبادرة الإصلاحية الثورية". تمثلت الأهداف الرئيسية لبرنامجه الإصلاحي في: مركزية السلطة الفعالة في يد الرئيس والمجلس العسكري والقضاء على القبلية ونفوذ النخبة القبلية ومكافحة الفساد وإعادة تنظيم الجيش وتحديث البنية التحتية وتعليم سكان شمال اليمن.
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟