العمارة الإسلامية في عكا
المحتويات
- الفلسفة المعمارية والسمات الفنية لعمران عكا الدفاعي
- 2. أسوار عكا البحرية والبرية المزدوجة
- الأوابد والمعالم المملوكية التأسيسية في عكا
- 2. الهندسة المائية وصدمة التعطيش الإستراتيجي
- الموسوعة الجدوليّة التفصيليّة لآثار عكا
- صون التراث والوضع الحالي والتحديات المعاصرة
- عكا بين السقوط الصليبي والخراب المملوكي الفاصل
- السجل الزمني لصُنّاع المعجزة العمرانية العثمانية
- 2. العمارة التدويرية للأحجار
- 2. زاوية ومسجد الشيخ غانم الأنصاري
- التشريح الهيكلي والتقني للمعالم الكبرى
- 7. جامع الزيتونة
- 1. تكتيك "السور الثالث المباغت" داخل المدينة

على سبيل التعريف، العمارة الإسلامية في عكا هي اصطلاح أثري وتاريخي وهندسي يُطلق على شبكة المنشآت الحضرية، والأسوار الدفاعية المزدوجة، والقلاع الساحلية، والمجمعات الوقفية، والخانات التجارية، والأنظمة المائية الفائقة التي شُيِّدت أو أُعيد بناؤها بالكامل في مدينة عكا التاريخية، ويمتد هذا العصر العمراني الذهبي المتكامل من الفتح المملوكي للمدينة مروراً بالعهد الزيداني ووصولاً إلى نهاية الحكم العثماني بين عامي (690 هـ - 1336 هـ / 1291م - 1918م). تمثل العمارة الإسلامية في عكا ذروة "الهندسة الدفاعية البحرية في الشرق الأوسط"؛ حيث صُممت المدينة كقلعة كوزموبوليتانية منيعة قادرة على الصمود أمام أعتى الجيوش الأوروبية، وتجلى ذلك عسكرياً في صمود أسوارها واختلال خطط الحصار الإمبراطوري الفرنسي بقيادة نابليون بونابرت عام 1799م بفعل عبقرية التخطيط المعماري الإسلامي المتوارث. ونتناول فيما يلي مزيدًا من التفاصيل.
وعلى صعيد آخر، امتازت الفلسفة الهندسية لعمران عكا بدمج متقن بين متطلبات التحصين الحربي (مثل استخدام الحجر الرملي الصلب النحيت، والخنادق المائية، والمداخل المنكسرة، ومزاغل المدافع) وبين الرفاهية المدنية والتجارية التي تجلت في تشييد أضخم الخانات المفتوحة على الميناء، والمساجد ذات القباب الفخمة المكسوة بالرصاص، والحمامات التركية الفسيحة. تواجه آثار عكا الإسلامية اليوم تحديات جيوسياسية وهندسية معاصرة بالغة الخطورة، ترتبط بالصراع على هوية الحجر الساحلي ومحاولات التهويد الممنهجة تحت مسميات التطوير السياحي الصهيوني للبلدة القديمة.
الفلسفة المعمارية والسمات الفنية لعمران عكا الدفاعي
1. نظام "الأسوار المزدوجة والخنادق الجافة"
إضافةً إلى ذلك، اعتمد أحمد باشا الجزار في تطوير أسوار عكا على فلسفة "الدفاع الباليستي العميق"؛ حيث لم يكتفِ بسور واحد، بل شيد خطين متوازيين من الأسوار: السور الداخلي والسور الخارجي. يفصل بين السورين خندق جاف عريض وعميق جداً يمنع وصول آلات الحفر والمنجنيقات أو السلالم الصليبية والفرنسية، وزُودت هذه الأسوار بـ "البروج الهلالية" و"المعاقل" (Bastions) الناتئة لتأمين مساحات رؤية وإطلاق نار بزاوية 360 درجة لصد السفن والمشاة.
علاوةً على ذلك، بنيت عكا العثمانية وفق "كود تصميم عسكري مدني مشترك" فرضته جغرافية المدينة الساحلية الحساسة، ومن أبرز سمات هذه الفلسفة:
2. أسوار عكا البحرية والبرية المزدوجة
3. خان العمدان (خان الجزار)
من جانب آخر، التقنيات المستعملة: الاعتماد على "الأقواس والأنظمة القبوية المتقاطعة" لتوزيع الأحمال الثقيلة للبضائع والتجار؛ وصُمم الطابق السفلي كمستودعات وإسطبلات للخيل والجمال، بينما العلوي فندق لإقامة كبار تجار الحرير والبهارات القادمين عبر البحر. الخان كان يمثل عصب الاقتصاد الحربي والتحكم المالي لإمارة عكا.
من جهة ثانية، الهندسة والتخطيط: قناة مائية هندسية عملاقة تمتد على مسافة 13.5 كيلومتراً برياً، تتكون من قنوات فخارية وحجرية مغلقة تحت الأرض، وترتفع فوق سطح الأرض في السهول والمناطق المنخفضة عبر مئات القناطر الحجرية القائمة على أعمدة وعقود نصف دائرية تتزايد ارتفاعاً لتصل لعدة أمتار عند الاقتراب من جدران عكا.
ومن جهة أخرى، التقنيات المستعملة: فتح المهندسون في جدران الأسوار "مزاغل وفتحات مدافع" مائلة ومصفحة بحجارة صلبة لتوجيه المدافع الثقيلة نحو البحر والبر؛ وصُممت البوابات بنظام "المداخل المنكسرة ذات الزاوية القائمة" ومبطنة بصفائح الحديد السميك والمزاليج الضخمة. صُممت هذه الأسوار لإدارة معارك المدفعية الثقيلة وتحطيم القذائف الصاروخية السفنية.
وفي هذا الصدد، الهندسة والتخطيط: أضخم خان تجاري في فلسطين التاريخية؛ مبنى مربع الشكل يتكون من طابقين ضخمين يحيطان بفناء مكشوف واسع تبلغ مساحته قرابة 2500 متر مربع. يتكون الطابق السكني السفلي من أروقة معقودة معززة بـ 32 عموداً ضخماً من الجرانيت والرخام الأثري (ومن هنا جاء اسم خان العمدان)، بينما يتكون الطابق العلوي من غرف سكنية صغيرة للتجار مسبوقة بممرات مسقوفة بأقواس مدببة. وتتوّج مدخله الشمالي مئذنة وبرج ساعة شاهق بُني عام 1900 بمناسبة اليوبيل الفضي للسلطان عبد الحميد الثاني.
وفي هذا الصدد، التقنيات المستعملة: صُممت بوابته الرئيسية بشكل ضيق لسهولة إغلاقها وتأمين الخان عسكرياً في حالات الشغب أو الهجوم الحربي؛ واستُخدم الطابق السفلي كمخازن مؤمنة ومقرات لسكب وتعبئة البضائع والحرير الفرنسي والإيطالي، بينما العلوي مخصص لإقامة القناصل والتجار الأوروبيين (الإفرنج). كان يمثل نافذة الاتصال التجاري والدبلوماسي لعكا مع أوروبا.
5. حمام الباشا (الحمام التركي العظيم)
وفي هذا الصدد، الهندسة والتخطيط: مجمع صحي واستجمامي فخم مبني على غرار الحمامات السلطانية في إسطنبول، يتكون من ثلاث قاعات رئيسية متتابعة: القاعة الخارجية (المشلح) ذات صحن فسيح تتوسطه بحرة رخامية نافورية ومسقوفة بقبة واسعة، ثم القاعة الوسطى الدفيئة، وصولاً إلى القاعة الداخلية الساخنة (بيت الحرارة) التي تتوسطها بلاطة المرميد الساخنة وتحيط بها خلوات صغيرة مسقوفة بقباب صغيرة مخرمة بفتحات زجاجية ملونة لتمرير الضوء.
6. خان الإفرنج (خان الحرير)
4. قنوات مائية علوية (قناة الجزار وسليمان باشا)
ومن ناحية أخرى، الهندسة والتخطيط: مبنى مربع فسيح مبني من الحجر النحيت المتين، يتكون من طابقين يحيطان بفناء مكشوف، وتتميز أروقته السفلية بالعقود الواسعة المستديرة المحمولة على دعامات مربعة ضخمة، ويضم في زاويته الشمالية مسجداً صغيراً ومدرسة لتعليم الأطفال، وينفتح مباشرة على السوق التجاري القديم.
من جهة ثانية، التقنيات المستعملة: الاعتماد الفائق على "هندسة الهيدروليك والجاذبية الأرضية"؛ حيث صُمم ميل القناة بالملي ليضمن تدفق المياه العذبة بسلاسة وبسرعة ثابتة من ينابيع الكابري الجبلية إلى داخل خزانات عكا الأرضية دون الحاجة لمضخات. كان استخدامها إستراتيجياً ولوجستياً حاسماً لتوفير المياه العذبة المجانية للسكان والجيش، وحماية المدينة من الموت عطشاً أثناء الحصارات البرية الطويلة.
من جانب آخر، الهندسة والتخطيط: شبكة تحصينات معقدة تتكون من جدارين متوازيين مبنيين من حجر الكركار الرملي الصلب النحيت. يبلغ سمك السور الخارجي عدة أمتار ويتراوح ارتفاع الأسوار بين 10 إلى 13 متراً. يتوسط السورين خندق جاف بعمق 8 أمتار وعرض يصل لـ 20 متراً. تبرز من جدار الأسوار أبراج عسكرية ضخمة مربعة وهلالية الشكل، من أشهرها "برج الكومندار" و"برج كريم" و"برج السلطان".
وعلى صعيد آخر، التقنيات المستعملة: استخدام نظام تدفئة تحت أرضي معقد يُعرف بـ "الهيبوكاوست" (Hypocaust)، حيث كانت النيران تُشعل في أفران سفلية ضخمة (القميم) وتمر الحرارة والدخان الساخن عبر أنابيب فخارية مدمجة داخل الجدران وأسفل الأرضيات لتدفئة الحمام بالكامل، مع تزويده بشبكة مياه باردة وساخنة معزولة. كان يُستعمل كمرفق اجتماعي وصحي رئيسي لراحة الجنود والتجار والمواطنين.
الأوابد والمعالم المملوكية التأسيسية في عكا
وعلى صعيد آخر، الاستخدام العسكري والدور التاريخي: شيده السلطان المملوكي الأشرف خليل بن قلاوون عقب الفتح مباشرة عام 1291م، وأعاد ترميمه السلطان الناصر محمد بن قلاوون. كان يُستعمل كـ "نقطة الارتكاز الحربية الأولى" لحامية المماليك المرابطة (المنطقة العسكرية المغلقة)، ومقراً لكتائب المراقبة اللوجستية لرصد الشواطئ ومنع قراصنة قبرص الصليبيين من النزول برّاً.
في هذا الإطار، الوضع الحالي والمعاصر (2026): البرج قائم وصامد بكتلته الحجرية المملوكية الأصلية، لكنه مدمج في الوقت الحالي ضمن التحصينات العثمانية اللاحقة التي بنيت فوقه. تسيطر عليه سلطات الاحتلال وتمنع الأوقاف من صيانته، ويعاني من تصدعات إنشائية في ظهره نتيجة الإهمال البلدي العمدي داخل الخط الأخضر.
كذلك، رغم سياسة الهدم التكتيكي للأسوار العلوية، شيد المماليك شبكة تحصينات ومبانٍ نوعية دقيقة لإإيواء الحامية المرابطة وإدارة الثغر بحرياً، ومن أبرزها:
1. برج السلطان المملوكي (برج عين البقر)
علاوةً على ذلك، الهندسة والتخطيط المعماري: برج حربي مربع الشكل فائق الضخامة، مبني من الحجر الجيري العظيم والنحيت، يتكون من طابقين مجهزين بأقبية برميلية متقاطعة تتحمل القصف الصاروخي، ويضم مزاغل رمي سهام عمودية ضيقة، وفتحات علوية لصب النفط الساخن، ويشرف مباشرة على البوابة البرية الشرقية للمدينة.
2. الهندسة المائية وصدمة التعطيش الإستراتيجي
وفي هذا الصدد، أثناء الحصار، قام نابليون بقطع وتدمير "قناة الجزار المعلقة" في السهول الخارجية لتعطيش عكا وإجبارها على الاستسلام؛ لكن العبقرية الهندسية لعكا كانت قد وضعت حسابه لهذه الخطوة، حيث كان الخزان الأرضي الضخم المحفور أسفل صحن "الجامع الأبيض" و"خان العمدان" (والذي يتسع لملايين الأمتار المكعبة من مياه الأمطار المحصودة) كافياً لإمداد السكان والجيش بالمياه العذبة طوال فترة الحصار وبزيادة، مما أفشل خطة التعطيش الفرنسية وتحول الحصار إلى عبء لوجستي وصحي على جيش نابليون الذي تفشى فيه الطاعون.
معرض الصور والمعالم العمرانية في عكا
الموسوعة الجدوليّة التفصيليّة لآثار عكا
علاوةً على ذلك، يوثق الجدول الهندسي الإحصائي التالي التفاصيل البنيوية الكاملة، أسماء الحكام البانين، الأبعاد العسكرية، والمآلات الراهنة لكافة الآوابد المبنية في عكا:
صون التراث والوضع الحالي والتحديات المعاصرة
كذلك، تواجه العمارة الإسلامية في عكا (2026) معركة صامتة لا تقل شراسة عن حصار نابليون، وتتمثل التحديات في:
- المراجع والمصادر
- المراجع
- المصادر والمراجع العربية
وفي السياق ذاته، 2. الحدث والتعرية الصامتة: تمنع دائرة سلطة الآثار الإسرائيلية المؤسسات والجمعيات الإسلامية والأوقاف من إدخل مواد الحقن والترميم الحديثة للمباني المتصدعة والمساجد التاريخية داخل الخط الأخضر، بهدف ترك الأحجار تتآكل بفعل الرطوبة البحرية العالية، ومن ثم إعلانها "مباني خطرة" تستوجب الإخلاء والهدم ومصادرة الأراضي الوقفية التابعة لها.
وفي هذا الصدد، 1. التهويد تحت غطاء "التطوير السياحي": تسعى شركات الاستثمار الإسرائيلية والبلديّة الصهيونية لإخلاء الأهالي العرب من البيوت والخانات التاريخية (مثل خان العمدان وخان الشونة) وتحويلها إلى فنادق ومزارات تخدم الرواية العبرية، مع تغيير الأسماء العربية للأزقة والأسواق إلى أسماء توراتية لطمس الهوية البصرية الزيدانية والعثمانية.
عكا بين السقوط الصليبي والخراب المملوكي الفاصل
علاوةً على ذلك، وبقيت عكا على هذا الحال من السبات العمراني والخراب البنيوي حتى منتصف القرن الثامن عشر (تحديداً عام 1750م)، حينما ظهر الأمير ضاهر العمر الزيداني، الذي امتلك عبقرية إستراتيجية فريدة واستوعب جغرافية المكان الفذة. التقط ضاهر العمر أهمية عكا كمنفذ بحري طبيعي محمي وخلفية زراعية غنية لسهول الجليل لإنتاج القطن عالي الجودة الذي كان يمثل "الذهب الأبيض" في الاقتصاد العالمي وقتها. كسر ضاهر العمر الاحتكار التجاري للشركات الأوروبية، وبدأ في جني أرباح هائلة من تصدير القطن مباشرة إلى فرنسا وإيطاليا، ووظف هذه السيولة المالية الضخمة في تأسيس "عكا الإسلامية الحديثة". أمر الأمير بتفكيك وإعادة تدوير أحجار الأطلال الصليبية والمملوكية القديمة الملقاة على الشواطئ، واستعمل الكتل الحجرية الضخمة المصقولة لبناء "السور الزيداني الأول" المحيط بالمدينة، وتشييد دور الإمارة والسرايا، وجامع الزيتونة، وخان الشونة، إيذاناً ببدء العصر المعماري الذهبي الثاني والنهائي للمدينة تحت الحكم العثماني.
من جهة ثانية، وفي عهد الخلافة المملوكية، وتحديداً ليلة 18 مايو 1291م (الموافق 17 جمادى الأولى 690 هـ)، قاد السلطان الشاب المظفر الأشرف خليل بن قلاوون الحملة العسكرية الإسلامية الكبرى لتحرير عكا، ضرب فيها حصاراً بالمنجنيقات الثقيلة (مثل منجنيق المنصوري) دام أربعين يوماً. وعقب اقتحام الأسوار وتطهير المدينة وطرد آخر جندي صليبي من الساحل الشامي، اتخذ مجلس الحرب المملوكي الأعلى قراراً لوجستياً وإستراتيجياً صارماً قضى بـ "الهدم الإستراتيجي والتسوية الكاملة لكافة قلاع وأسوار وأبراج عكا وكنائسها المحصنة" حتى ساوت الأرض، بالتوازي مع تخريب خطوط رصيف الميناء وعرقلة الملاحة فيه بردمه بالركام وحجارة الأبراج المهدمة.
من جهة ثانية، لم تبدأ العمارة الإسلامية المعاصرة في عكا من بنية تحتية جاهزة أو نسيج حضري متصل، بل ولدت من رحم دمار جيوسياسي وعسكري مُتعمد شكل نقطة التحول الأبرز في تاريخ الساحل الفلسطيني بأكمله. فخلال القرن الثالث عشر الميلادي، وتحديداً في أعقاب تحرير بيت المقدس على أيدي المسلمين، تحولت عكا لتكون العاصمة الرسمية والكاملة والمعقل الحربي الأخير للمملكة الصليبية في الشرق (مملكة القدس الثانية). خلال تلك الحقبة، ضخ الصليبيون وفود فرسان الهيكل (الداوية) والاسبتارية كافة قواهم الهندسة العسكرية في عكا، وحولوها إلى ترسانة قلاعية بالغة التحصين، امتازت بالأسوار البحرية المزدوجة، والأبراج المربعة المصمتة، والقلاع الساحلية المشرفة على الميناء مثل "برج الذباب"، فضلاً عن تقسيم المدينة إلى حارات عسكرية مغلقة لكل طائفة فرسان، مما جعلها مدينة مستعصية على الاختراق ومقراً لإدارة الحملات البحرية المستمرة ضد الحواضر الإسلامية في الشام ومصر.
علاوةً على ذلك، ترتب على هذا القرار تحول عكا على مدار 460 سنة متواصلة —امتدت طوال العهد المملوكي كاملاً وبداية العهد العثماني الأول— إلى ما يشبه "مدينة أشباح خاوية على عروشها" ومجرد قرية صيادين منسية تعيش وسط الركام والخرائب الدارسة. فرغم ردم الميناء وهدم الأسوار العلوية، بقيت عكا تعمل كـ "ثغر مرابطة" دقيق؛ حيث شيد المماليك نقاط حراسة سفلية ومقرات للرباط التعبوي لمراقبة البحر ورصد أي تحركات مريبة لقراصنة قبرص الصليبيين أو فرسان القديس يوحنا المستقرين في جزيرة رودس، الذين حاولوا مراراً تنفيذ غارات خاطفة لنهب الساحل. ولتأمين خطوط الإمداد والتجارة البرية بعيداً عن مزارق القذائف السفنية الأوروبية، نقل المماليك الثقل الإداري والعسكري والسياسي بالكامل من الساحل إلى مدينة صفد الجبلية في الداخل الفلسطيني، وجعلوها نيابة سلطنية مستقلة ترتبط بريدياً وعسكرياً بالقاهرة ودمشق، في حين ظلت عكا تابعة لها لوجستياً.
إضافةً إلى ذلك، كمنت الفلسفة العسكرية للمماليك في تلك الفترة في وعيهم الإستراتيجي العميق بطبيعة قواهم؛ فالمماليك عمالقة في حرب البر والفروسية والتكتيكات الجافة، لكنهم لا يملكون في ذلك الوقت أسطولاً بحرياً هجومياً موازياً أو قادراً على مجابهة القوى والأساطيل البحرية الأوروبية (مثل أساطيل جنوة، والبندقية، وبيزا). بناءً على هذه العقيدة، كان الإبقاء على مدينة ساحلية بالغة التحصين بأسوارها وقلاعها على الشاطئ بمثابة "دعوة مفتوحة" دنيوية للحملات الصليبية البحرية المستمرة للعودة، والنزول برّاً، والاستيطان والتحصن داخل تلك القلاع مجدداً، مما يجعل عملية إخراجهم منها بواسطة الجيوش البرية أمراً شبه مستحيل، وهو التكتيك المملوكي المعماري الذي طُبق بحسم على طول الساحل الفلسطيني والمصري (مثل يافا وقيسارية ودمياط).
السجل الزمني لصُنّاع المعجزة العمرانية العثمانية
من جهة ثانية، أحمد باشا الجزار (1189 - 1219 هـ): الأمير العسكري الجبار؛ حوّل عكا إلى قلعة عالمية، فأنشأ "الأسوار المزدوجة الخارجية"، وشيد "جامع الجزار الخالد"، وبنى "خان العمدان"، وحفر قناة مائية عملاقة (قناة الجزار) لجر المياه العذبة للمدينة من ينابيع الكابري على بعد 13 كيلومتراً لتأمين الشرب أثناء الحصار.
من جانب آخر، ضاهر العمر الزيداني (1163 - 1189 هـ): باني عكا الحديثة؛ أمر ببناء "السور الزيداني الأول" المحيط بالمدينة من البر والبحر، وشيد "مسجد الزيتونة"، وبنى قصر السرايا الحكومي الفخم لتوطيد أركان حكمه.
كذلك، سليمان باشا العادل (1219 - 1234 هـ): أعاد ترميم وبناء قنوات المياه التي دمرها جيش نابليون، وشيد "سوق الأبيض" التجاري الفخم المسقوف بالكامل بالحجر.
وفي هذا الصدد، تعاقب على حكم عكا ثلاثة حكام بارزين، قاد كل منهم حملة إعمار وتوسيع نقلت المدينة من قرية صيادين منسية إلى عاصمة سياسية وعسكرية للشام:
2. العمارة التدويرية للأحجار
علاوةً على ذلك، ابتكر المهندسون في عهد ضاهر العمر والجزار تقنية "العمارة التدويرية"؛ حيث جرى تفكيك بقايا الكنائس والقلاع الصليبية المهدمة في عتليت وقيسارية وعكا نفسها، وإعادة استخدام حجارتها الكبيرة المصقولة (الكركار الرملي) في تشييد المساجد والخانات والأسوار الإسلامية الجديدة بذكاء داخل المنشآت الإسلامية الشامية.
2. زاوية ومسجد الشيخ غانم الأنصاري
ومن جهة أخرى، الاستخدام العسكري والدور التاريخي: بناه الأمراء المماليك في القرن الرابع عشر الميلادي لإيواء الشيخ المجاهد غانم بن علي الأنصاري وتلاميذه من المتصوفة المقاتلين. كان استخدامها لوجستياً وفكرياً؛ حيث كانت بمثابة "مدرسة تعبوية" لشحن الجنود معنوياً ودينياً، ونقطة إعاشة نهارية لعساكر الميناء المرابطين على طول رصيف عكا.
3. مقر نيابة غزة وعكا اللوجستي (الديوان المملوكي)
علاوةً على ذلك، الاستخدام العسكري والدور التاريخي: أسسه نائب السلطنة المملوكية في صفد وغزة لتسيير أمور القوافل التجارية ومراقبة الجمارك البحرية. كان يُستعمل كمستودع إستراتيجي آمن لحفظ الأسلحة، والبارود، والمؤن الجافة (القمح والشعير) المخصصة لإمداد قلاع الجليل في حال حدوث هجوم بحري أوروبي مفاجئ.
ومن جهة أخرى، الهندسة والتخطيط المعماري: قصر إداري مستطيل الشكل مبني بأسلوب "الأقبية المتصالبة" (Cross Vaults) المتينة، يتكون من طابق سفلي يضم قاعات واسعة مخزنية، وطابق علوي يحتوي على غرف دواوين ذات نوافذ مزدوجة مطلة على ساحة مكشوفة، واستُخدم في تشييد الحجر البازلتي الأسود في الأعتاب لتأكيد الهوية المملوكية الشامية.
وفي السياق ذاته، الوضع الحالي والمعاصر (2026): المبنى قائم ومصان بجهد مقدسي وعكاوي ذاتي، وتُشرف عليه عائلات الوقف الإسلامي الصامدة في عكا، ويُعتبر من الشواهد الإسلامية النادرة التي نجت من التدمير ومحاولات الطمس الإسرائيلية المحيطة بحارة الفاخورة الأثرية.
إضافةً إلى ذلك، الوضع الحالي والمعاصر (2026): تلاشت أجزاء واسعة من طابقه العلوي بفعل زلازل القرن الثامن عشر، وبُنيت فوق أساساته وجدرانه السفلية "السرايا الحكومية العثمانية" اللاحقة. تظهر الأساسات والأقواس المملوكية المتصالبة بوضوح في الطوابق التحت أرضية للمبنى الأثري المعرض في الوقت الحالي للحفريات السياحية الاحتلالية.
وفي هذا السياق، الهندسة والتخطيط المعماري: مجمع ديني وتعبدي مقبي، يتكون من مصلى مربع صغير تعلوه قبة حجرية ضحلة، ويلتصق به "رباط سكني" يضم غرفاً ضيقة مسبوقة بأروقة ذات عقود مملوكية مدببة، ويتميز بوجود محراب حجري بسيط محفور في الصخر الجيري ومزين بنقوش خطية كوفية.
التشريح الهيكلي والتقني للمعالم الكبرى
ومن جهة أخرى، تستعرض السطور التالية رصداً معمارياً وتفصيلياً عميقاً لأشكال المنشآت العثمانية والزيدانية المتبقية، استخداماتها الإستراتيجية، والتقنيات الهندسية المعتمدة فيها:
1. جامع أحمد باشا الجزار (المسجد الأنور)
ومن جهة أخرى، الهندسة والتخطيط: مجمع ديني سلطاني هائل مبني على طراز المساجد العثمانية الكلاسيكية (طراز سنان باشا). يتكون من مصلى مربع ضخم تعلوه قبة دائرية عملاقة يبلغ قطرها نحو 11 متراً مكسوة بالرصاص الأخضر، وتجاوره مئذنة رشيقة وقلمية الشكل ذات شرفة واحدة دائرية. يحيط بالمصلى صحن مكشوف فسيح تتوسطه ميضأة رخامية مسقوفة، وتحف بالصحن 45 غرفة صغيرة كانت تستعمل كـ "مدرسة الأحمدية" لطلبة العلم.
كذلك، التقنيات المستعملة: رُفعت القبة الضخمة فوق أربعة عقود حجرية عملاقة ترتكز على دعامات زاوية مصمتة، واستُخدمت في الأروقة الخارجية "أعمدة من الرخام والجرانيت الأحمر والأسود الأثري" جلبها الجزار بحراً من موقع قيسارية الروماني. المجمع كان بمثابة المركز الروحي، الفكري، والسياسي الأعلى لإمارة الشام الساحلية.
7. جامع الزيتونة
إدارة المعارك وتحطيم الحملة الفرنسية (1799م)
وعلى صعيد آخر، التقنيات المستعملة: شيده الأمير ضاهر العمر الزيداني عام 1750م في موقع كان يضم أشجار زيتون كبرى (ومن هنا الاسم)، واستعملت في بنائه حجارة صغيرة مصقولة بتقنية "العقود المتقاطعة الطولية" لتأمين مساحة صلاة مفتوحة بلا عوائق بصرية. كان يمثل المسجد الرسمي الأول لإمارة آل زيدان الساحلية.
ومن ناحية أخرى، الهندسة والتخطيط: شارع تجاري طويل ومستقيم مسقوف بالكامل بالحجر بتقنية "القبو البرميلي" الشاهق (Barrel Vault)، تفتح على جانبي الشارع عشرات الحوانيت والدكاكين التجارية المتماثلة في الحجم والأبعاد، وتتميز بواجهات ذات أقواس مدببة، وتخترق السقف فتحات دائرية منتظمة (ملاقف ضوئية) لتمرير الضوء والتهوية.
وفي هذا الصدد، لم تكن هذه المنشآت مجرد جدران جامدة، بل كانت أسلحة جيوسياسية حاسمة أدارت المعركة الكبرى ضد نابليون بونابرت عام 1799م بنجاح مرعب، وتجلى ذلك في محورين:
8. سوق الأبيض (سوق سليمان باشا)
في هذا الإطار، الهندسة والتخطيط: أقدم مسجد أميري باقٍ في عكا؛ يتميز بتخطيطه المربع البسيط، وتتوّج سقفه "مجموعة من القباب النصف دائرية" الصغيرة المرتكزة على أعمدة رخامية داخلية متناسقة، وله مئذنة رشيقة دائرية المقطع ومحراب حجري كلاسيمي محفور بعمق في جدار القبلة ومزين بصنوج حجرية ملونة.
من جهة ثانية، التقنيات المستعملة: صمم سليمان باشا العادل السوق عام 1805م بالحجر الجيري الأبيض المصقول ليكون سوقاً مركزياً محمياً من الأمطار وحرارة الصيف الشديدة؛ ووظف السقف المقبي هندسياً ليعمل كـ "مكيف طبيعي" يوجه التيارات الهوائية القادمة من البحر لتبريد البضائع والمشاة. كان السوق بمثابة الشريان الاقتصادي والتمويني لداخل المدينة المحصنة.
1. تكتيك "السور الثالث المباغت" داخل المدينة
وفي هذا السياق، عقب نجاح المدافع الفرنسية في إحداث ثغرة بالسور الخارجي لعكا، اعتقد نابليون أن المدينة سقطت؛ لكنه تفاجأ بوجود "السور الداخلي الأعلى" الذي بناه الجزار، والأهم من ذلك أن الجزار وبمشورة مهندسه العسكري "خاجه فانتون" كان قد شيد تحصينات داخلية سرية مباغتة مدمجة داخل أسوار جامع الجزار وقصر السرايا. عندما دخل الجنود الفرنسيون من الثغرة، وجدوا أنفسهم محاصرين في "منطقة قتل مفتوحة" (Killing Zone) بين الأسوار المزدوجة، وتلقوا ضربات مدفعية وبنادق متقاطعة من أعلى أسوار السرايا وجامع الجزار، مما أباد القوة الفرنسية المقتحمة بالكامل وأجبر نابليون على الانسحاب ذليلاً بعد 62 يوماً من الحصار الفاشل.
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟