الحزب المناهض للثورة
المحتويات

بدايةً، الحزب المناهض للثورة (بالهولندية: Anti-Revolutionaire Partij، واختصارًا: ARP)، حزب سياسي بروتستانتي ديمقراطي مسيحي محافظ التوجه، نشط في هولندا خلال الفترة الممتدة من عام 1879 إلى عام 1980. أسَّسه اللاهوتي والقس الكالفيني الجديد أبراهام كايبر سنة 1879. وقد سعى الحزب في ظل قيادته إلى تمثيل عامَّة الناس من الإصلاحيين الأرثوذكس، والظفر بتمويل مكافئ للمدارس الدينية. وحقق في ثمانينيات القرن التاسع عشر نجاحًا انتخابيًا جعله قوة سياسية كبرى، فشارك مع الكاثوليك في ثلاث ولايات حكومية ما بين عام 1888 وعام 1918. انشقَّ عن الحزب عدد من أعضائه المحافظين سنة 1898 الذين اعترضوا على تأييده توسيع حق الاقتراع، وانتهى بهم المطاف إلى تأسيس حزب الاتحاد التاريخي المسيحي. ظلَّ الحزب إبَّان فترة ما بين الحربين على رأس الحكومة الهولندية بصورة متواصلة، فتولى هندريكوس كولاين منصب رئاسة الوزراء لولايتين أولهما في الفترة ما بين عام 1925 وعام 1926، ثم في الفترة ما بين عام 1933 وعام 1939. وتعرض الأقسام التالية جوانب أخرى من الموضوع.
التاريخ
من جانب آخر، قاد يان سخاوتن الحزب في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وقد أزاحه ائتلاف الكاثوليك والاشتراكيين إلى مقاعد المعارضة سنة 1946، ولكنه عاد إلى الحكومة سنة 1952. تبنى الحزب صورة أكثر تقدمية تحت شعار «الإنجيلية الراديكالية» إثر تراجع أدائه الانتخابي في ستينيات ومطلع سبعينيات القرن العشرين، وسعى في الوقت ذاته إلى تعاون أوثق مع حزب الشعب الكاثوليكي وحزب الاتحاد التاريخي المسيحي، إلى أن اندمجت الأحزاب الثلاثة في حزب النداء الديمقراطي المسيحي سنة 1980.
التاريخ قبل عام 1879
ومن جهة أخرى، تبدَّل الحال أواخر ستينيات القرن التاسع عشر عندما سعى مجلس وزراء فان زاولن فان نايفلت إلى تشكيل ائتلاف مناهض لليبرالية يجمع تحت مظلته المحافظين والمناهضين للثورة والكاثوليك، وعرض على الفريقين الأخيرين مسودة قانون جديد للمدارس. غير أن الأغلبية الليبرالية في مجلس النواب اصطفَّت في جبهة واحدة، ولم تفلح انتخابات مبكرة أُجريت مرتين في كسر شوكتها، فاضطر مجلس وزراءه إلى الاستقالة سنة 1868. وقد أفضى هذا الصراع إلى حدوث استقطاب بين المحافظين والليبراليين تردَّد صداه في السياسة الانتخابية، فكان المحافظون يصورون الليبراليين على أنهم جمهوريين متطرفين، وندَّد الليبراليون بالمحافظين ابذين تقرَّبوا من الكاثوليك. وأعطى كثير من الناخبين الهولنديين الكاثوليك في الدوائر الانتخابية ذات الغالبية البروتستانتية أصواتهم لمرشحين محافظين، في حين حوَّل الناخبون البروتستانت تأييدهم إلى المرشحين الليبراليين.
حقبة ما بعد الحرب (1945-1980)
فترة ما بين الحربين والحرب العالمية الثانية (1917-1945)
التضاد (1888-1917)
في هذا الإطار، لم يخسر الحزب سوى 3% من الأصوات في انتخابات سنة 1905، ولكنه فقد ثمانية مقاعد، وذلك رغم تمكنه من تعزيز موقعه في مجلس الشيوخ. وفقد زعيم الحزب، كايبر، مقعده في أمستردام لصالح مرشح ليبرالي تقدُّمي. وتولَّى تيو هيمسكيرك قيادة الكتلة البرلمانية للتيار المناهض للثورة. وتشكَّلت حكومة أقلية ليبرالية. وترك النائب السابق عن الحزب المناهض للثورة ستالمان الحزب وأسَّس الحزب الديمقراطي المسيحي، الذي صار فيما بعد يُعرف باسم حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وقد اضطلع بدورٍ ثانوي في المشهد السياسي خلال فترة ما بين الحربين.
ومن ناحية أخرى، كان النضال من أجل الحصول على تمويل متكافئ للمدارس الدينية أن دفع أبراهام كايبر على التماس تحالف إستراتيجي مع الكاثوليك، الذين جمعه بهم هذا المطلب، وذلك بالرغم من أن كايبر شاطر غيوم خرون فان برينستيرر في نزعته المناوئة للكاثوليكية. لاقت هذه الإستراتيجية السياسية مسوغها النظري فيما بعد في نظرية التضاد، وهي الفكرة القائلة إن الانقسام ما بين الأحزاب العلمانية والأحزاب الطائفية هو الشرخ الرئيسي الذي يتمحور حوله التنافس السياسي، وهو يأتي قبل التنافس ما بين البروتستانت والكاثوليك. وحظي هذا النهج باستحسان زعيم الكتلة الكاثوليكية في مجلس النواب هيرمان سخابمان.
وفي هذا السياق، عاد كايبر إلى مجلس النواب سنة 1908. أتيح لتيو هيمسكيرك فرصة تشكيل حكومة جديدة عقب الأزمة التي شهدتها الحكومة الليبرالية، فقامت حكومة أقلية طائفية. وحاز الحزب في انتخابات سنة 1909 على 3% من الأصوات وما مجموعه خمسة وعشرين مقعدًا، واستمرت حكومة هيمسكيرك.
وفي السياق ذاته، لعب أعضاء الحزب دورًا في حكومات المنفى إبَّان الحرب العالمية الثانية، التي ترأس كثيرًا منها بيتر خيربراندي، وفي حركات المقاومة ضد المحتل الألماني على حدٍ سواء. وأسَّس أعضاء الحزب صحيفة «تراو» المناوئة للاحتلال. وبدأ كثير من نواب الحزب في المستقبل مسيرتهم السياسية في صفوف المقاومة الهولندية.
وفي السياق ذاته، اعتزل كايبر السياسة على الصعيد الوطني لأسباب صحية سنة 1912، ولكن سرعان ما انتُخب عضوًا في مجلس الشيوخ سنة 1913. خسر الحزب في انتخابات سنة 1913 ما مجموعه 6% من الأصوات، وفقد أكثر من نصف مقاعده، فلم يبق له سوى 11 مقعدًا. وقامت حكومة أقلية ليبرالية أخرى. وآلت قيادة الحزب إلى ساسة أقلّ بروزًا. اضطلع الحزب بدور مهم في السياسة الهولندية رغم أنه ظلَّ من أحزاب المعارضة الصغيرة نسبيًا، فقد سعت حكومة الأقلية الليبرالية برئاسة بيتر كورت فان دير ليندن، إلى حسم قضيتين جسيمتين في السياسة الهولندية وهما الخلاف حول تسوية تمويل المدارس الدينية، ومسألة الاقتراع الشامل. وقد حسم التعديل الدستوري لعام 1917 هاتين المسألتين: فنال الحزب المساواة التي طالب بها في تمويل المدارس الدينية، غير أنه اضطر إلى قبول حق المرأة في الاقتراع والتمثيل النسبي.
من جهة ثانية، ظلَّ غيوم خرون فان برينستيرر النائب الوحيد المناهض للثورة في مجلس النواب منذ سنة 1840 إلى أن جاءت أولى الانتخابات المباشرة بقلة من أمثاله سنة 1848. فتألَّفت تحت زعامته كتلة برلمانية مستقلة الهوية. وكان نهجها المبدئي في أحيان كثيرة قد جعلها ألد خصوم الليبراليين رغم صغر عددها، فلم يكد أعضاؤها يتجاوزون الثلاثة أو الأربعة. بيد أنها تقاطعت على نحو وثيق مع الحركة المحافظة الأوسع على صعيد السياسة الانتخابية، إذ جمعت بين الفريقين مودّة للتعليم المسيحي، وانشغال باتجاه الكنيسة المصلحة الهولندية، وحب للأسرة المالكة. وكان كثير من الناخبين الإصلاحيين الأرثوذكس يقترعون مرشحين محافظين، فلم يكن المناهضون للثورة يفوزون في الغالب إلا حيث أحجم المحافظون عن التقدُّم بمرشح.
وعلى صعيد آخر، قاد يان سخاوتن الحزب في انتخابات سنة 1946 التي خسر فيها الحزب أربعة مقاعد. وتبيَّن أثناء تشكيل الحكومة أن الحزب لا سبيل له في الحكم: فقد عارض بشدة إنهاء الاستعمار في الهند الشرقية الهولندية، إذ رأى الحزب في الإبقاء على الإمبراطورية الاستعمارية الهولندية شرطًا لاستمرار ثراء هولندا وقوتها. أما حزب العمال والكاثوليك فأيَّدوا إنهاء الاستعمار، تحت ضغط شديد من الولايات المتحدة. وبقي الحزب في عزلة نسبية مدة ست سنوات. أدَّى خلاف لاهوتي ضمن الكنائس المصلحة في هولندا في سنة 1944 إلى حدوث قطيعة بين الكنيسة المصلحة والكنائس المصلحة (المتحرّرة). وكانت لذلك تبعات سياسية، حيث أسَّس أعضاء الكنائس المتحرّرة الرابطة السياسية الإصلاحية سنة 1948، ولكن لم يتمكنوا من الفوز بمقاعد حتى عام 1963. لم يتبدل حال الحزب في انتخابات سنة 1948، وظلَّ في صفوف المعارضة.
وفي هذا السياق، استمرت الحكومة بعد انتخابات سنة 1963، وترأسها حينئذ فيكتور ماراينن. وتولَّى الزعيم الجديد للحزب بارنت بيسهوفل حقيبة وزارة الزراعة. سقطت هذه الحكومة إثر صراع بين الليبراليين والطائفيين عام 1965. وانضمَّ حزب العمال إلى الحزب المناهض للثورة وحزب الشعب الكاثوليكي في حكومة جديدة برئاسة يو كالس. وسقطت هذه الحكومة بعد عام واحد، إثر خلاف بين حزب الشعب الكاثوليكي وحزب العمال على الإنفاق الحكومي، وانحاز الحزب إلى حزب العمل في دعوته إلى مزيد من الإنفاق الحكومي. وتألَّفت حكومة تصريف أعمال من حزب الشعب الكاثوليكي والحزب المناهض للثورة، برئاسة زعيم الحزب السابق يله زيلسترا. أعلن الحزب المناهض للثورة والاتحاد التاريخي المسيحي وحزب الشعب الكاثوليكي في الحملة الانتخابية لسنة 1967 عزمها مواصلة الحكم سوية. وأثار ذلك خلافًا حادًا مع حزب الشعب الكاثوليكي، وصل إلى داخل الحزب المناهض للثورة، إذ رغب الجيل الأصغر في الحكم مع حزب العمال. وكسب الحزب مقعدين، بينما خسر حزب الشعب الكاثوليكي ثمانية مقاعد. وقامت حكومة جديدة ليبرالية/طائفية. ولم يدخل بيسهوفل الحكومة، بل آثر البقاء في البرلمان.
ومن ناحية أخرى، خسر الحزب مقعدين في انتخابات سنة 1971، وخسر حليفاه الطائفيان (حزب الشعب الكاثوليكي والاتحاد التاريخي المسيحي) سبعة مقاعد وثلاثة على التوالي. وواجهوا منافسة من الحزب السياسي الراديكالي، وهو حزب يساري مسيحي أسَّسه أعضاء سابقون في حزب الشعب الكاثوليكي، وانتسب إليه بعض الأعضاء البارزين في الحزب المناهض للثورة، ومنهم باس دي خاي فورتمان، وهو نجل فيلهلم دي خاي فورتمان، أحد وزراء الحزب. وفقدت الحكومة الليبرالية/الطائفية أغلبيتها. فقامت حكومة جديدة من الليبراليين والطائفيين، انضمَّ إليهم هذه المرة حزب الاشتراكيون الديمقراطيون 70، وهم جماعة من الاشتراكيين الديمقراطيين المعتدلين الذين تركوا حزب العمال لما رأوه من «تطرُّفه». وترأس هذه الحكومة بارنت بيسهوفل. وتزعم فيلم أنتيس الكتلة البرلمانية للحزب. طرح الحزب نفسه تحت قيادة أنتيس في صورة يسارية «إنجيلية راديكالية» جديدة، بينما احتفظ الاتحاد التاريخي المسيحي بصورته المحافظة. ولم تطل الحكومة في الحكم: فقد أخفق الاشتراكيون الديمقراطيون 70 في الاتفاق على تخفيضات مقترحة في الموازنة، فآلت إلى السقوط. كسب الحزب مقعدًا واحدًا في انتخابات سنة 1972. انضمَّ عدد من الأعضاء البارزين في الحزب المناهض للثورة، ومنهم فيلهلم دي خاي فورتمان، إلى الحكومة التقدمية برئاسة يوب دن أول عقب مباحثات ائتلافية مطوَّلة. وقد عصفت بتلك الحكومة الخلافات ما بين الساسة الطائفيين من جهة والتقدميين من جهة أخرى.
في هذا الإطار، خسر الحزب قرابة نصف أصواته وستة من مقاعده الواحد والعشرين في انتخابات سنة 1894. وفكَّ الكاثوليك تحالفهم معه ودعموا حكومة محافظة. استرد الحزب بعض ما فقده في انتخابات سنة 1897، إذ صوَّت له 26% من الناخبين وفاز بسبعة عشر مقعدًا، في حين نالت المجموعة الملتفّة حول دي سافورنن لومان 11% من الأصوات وستة مقاعد. وقامت حكومة ليبرالية، فحُصر الحزب في المعارضة.
من جانب آخر، وضع المؤرخ غيوم خرون فان برينستيرر لبنات فكر سياسي إصلاحي أرثوذكسي في منتصف القرن التاسع عشر. وقد احتلَّت الصبغة البروتستانتية للأمة الهولندية موقع القلب من هذا الفكر، فكان خرون وأتباعه شديدي المعاداة للكاثوليكية، وانخرطوا في حركة أبريل سنة 1853 احتجاجًا على إعادة اعتماد التراتبية الأسقفية في هولندا. كما ناهضوا الأفكار الحديثة التي جاء بها عصر التنوير والثورة الفرنسية، ومن ضمنها السيادة الشعبية والليبرالية والعقلانية. ولذا فأطلقوا على أنفسهم مسمى المناهضين للثورة.
ومن جهة أخرى، لم يحصل الحزب قطّ على أكثر من عشرين بالمئة من أصوات الناخبين بعد تسوية سنة 1917، التي اتسمت بإقرار حق الاقتراع الشامل في البلاد. وكانت انتخابات سنة 1918 اختبارًا فاصلًا للحزب، إذ أضاف فيها مقعدين إلى رصيده. وفازت الأحزاب الطائفية الثلاثة بما مجموعه خمسين مقعدًا، فألَّفت حكومة جديدة برئاسة الكاثوليكي شارلز راوس دي بيرنبروك. وقدَّم الحزب ثلاثة وزراء، وتولّى رئيس الوزراء السابق تيو هيمسكيرك حقيبة وزارة العدل. وأسَّست جماعة من المناهضين للثورة القلقين، بقيادة خيرت كيرستن، الحزب السياسي الإصلاحي، الذي ناهض حق الاقتراع الشامل والتعاون مع الكاثوليك. وتبدَّلت في فترة ما بين الحربين تركيبة ناخبي الحزب، إذ أخذ الفارق يتلاشى ما بين البروتستانت من الطبقة الدنيا الذين يصوّتون للحزب المناهض للثورة، والبروتستانت من الطبقة الوسطى الذين كانوا يصوّتون للاتحاد التاريخي المسيحي، وصارت الفوارق الدينية بين الكنيسة المصلحة الهولندية (الاتحاد التاريخي المسيحي) والكنائس المصلحة في هولندا (الحزب المناهض للثورة) أعظم شأنًا.
من جهة ثانية، وقد دفعت خيبة الأمل من مجلس وزراء فان زاولن فان نايفلت، وعجز المناهضين للثورة عن جني ثمار إعادة الاصطفاف السياسي التي تلته، بالنائب غيوم خرون فان برينستير إلى اعتزال السياسة. فبقي المناهضون للثورة دون قائد، إلى أن حمل اللواء اللاهوتي الإصلاحي الشاب أبراهام كايبر، الذي كان خرون فان برينستيرر قد بدأ مراسلته منذ سنة 1864. وقد أنشأ كايبر الصحيفة المناهضة للثورة «دي ستاندارد» سنة 1872، وانتُخب عضوًا في مجلس النواب الهولندي سنة 1874. ويُعزى إليه الفضل في النجاح الانتخابي الذي أحرزه المناهضون للثورة في سبعينيات القرن التاسع عشر، إذ نمت كتلتهم البرلمانية من نحو خمسة أعضاء سنة 1868 إلى ثلاثة عشر عضوًا سنة 1875.
ومن جهة أخرى، أخذ الحزب يستعيد شعبيته في ثلاثينيات القرن العشرين بقيادة كولاين، على خلفية تفاقم المخاطر السياسية الدولية والأزمة الاقتصادية. كسب الحزب مقعدين اثنين في انتخابات سنة 1933، وألَّف كولاين حكومة واسعة القاعدة ضمَّت كلًا من حزب الدولة الروماني الكاثوليكي والاتحاد التاريخي المسيحي والحزب المناهض للثورة وحزب الدولة الليبرالي والرابطة الديمقراطية للتفكير الحر. وتولَّى يان سخاوتن قيادة الكتلة البرلمانية للحزب. وترأّس كولاين في الفترة ما بين عام 1933 وعام 1939 حكومات عدة، منها برلمانية ومنها غير برلمانية، متبدّلة التركيب، وإن ظلّ الاتحاد التاريخي المسيحي والحزب المناهض للثورة والحزب الكاثوليكي للدولة عماد الحكومة. وأبى كولاين تخفيض قيمة الخولده الهولندي، لكنه لم يقدر على حلّ الأزمة الاقتصادية. كسب الحزب ثلاثة مقاعد ونال عددًا غير مسبوق من المقاعد، بمجموع 17 مقعدًا، في انتخابات سنة 1937. واستمر كولاين على رأس الحكومة الهولندية. ولكن آلت حكومته الخامسة إلى السقوط في سنة 1939، وخلفه ديرك يان دي خير. وانضمَّ بيتر خيربراندي إلى الحكومة من غير تأييد كتلته البرلمانية.
ومن جهة أخرى، أحرز الحزب انتصارًا حاسمًا في انتخابات سنة 1901 فنال 27.4% من الأصوات وما مجموعه 23 مقعدًا. وتشكَّلت حكومة من الحزب وحلفائهم الكاثوليك والمجموعة الملتفّة حول دي سافورنن لومان، التي صارت آنذاك تُسمَّى بالحزب التاريخي المسيحي. وتولَّى كايبر رئاسة الحكومة، وكان أول من يشغل منصب رئاسة مجلس الوزراء طيلة الأربع سنوات. تميَّز نهج حكومة كايبر بالاستبدادية في القيادة، ولعلَّ أظهر ما يجلّي ذلك واقعة إضراب عمَّال السكك الحديدية سنة 1903، فحينها لم يُبدِ كايبر أدنى رحمة بالمضربين، ومرَّر في البرلمان عددًا من القوانين القاسية المناهضة للإضرابات. دعا كايبر إلى إجراء انتخابات جديدة لمجلس الشيوخ بعد أن رفض مجلس الشيوخ، ذو الأغلبية الليبرالية، مشروع قانون التعليم العالي الذي طرحه كايبر، الرامي إلى إحقاق تكافؤ في شهادات خريجي الجامعة الحرة التي أسسها كايبر نفسه، مع غيرها من الجامعات. وأُقرَّ القانون بعد حصول الأحزاب الدينية على الأغلبية في مجلس الشيوخ.
في هذا الإطار، أسَّس أبراهام كايبر الحزب المناهض للثورة في الثالث من أبريل سنة 1879، وهو أول حزب سياسي منظَّم على المستوى الوطني في هولندا. وكانت عريضة سنة 1878 المطالبة بالمساواة في تمويل المدارس الدينية من بواعث قيام هذه الحركة السياسية. وكان كايبر قد كتب في سنة 1877 وثيقة دوّنت فيها المُثُل السياسية للحزب. وأخذ المجتمع البروتستانتي المستقل في النمو: فتأسَّست مدارس بروتستانتية كثيرة، إلى جانب صحيفة «دي ستاندارد»، وافتتحت الجامعة الحرة بأمستردام سنة 1880 جامعة بروتستانتية. وقاد كايبر انقسام الكنيسة المصلحة الهولندية سنة 1886، الذي تمخَّض عنه قيام الكنائس المصلحة في هولندا سنة 1892.
ومن جهة أخرى، خسر الحزب 2% من أصواته وستة من مقاعده في انتخابات سنة 1891، وفقدت الأحزاب الطائفية غالبيتها. فقامت حكومة ليبرالية برئاسة خيسبيرت فان تينهوفن. واقترحت حكومته إجراء تغييرات جذرية في نظام الاقتراع المقترن بالنصاب، فكانت عمليًا ستؤدي إلى منح حق اقتراع لجميع الذكور، وهو ما تقدّم به الوزير تاك. وانقسم الحزب المناهض للثورة حيال المسألة: فأيَّد كايبر وأغلبية الكتلة البرلمانية القانون، فيما عارضه ألكسندر دي سافورنن لومان بشدة. وكانت لدى كايبر دواعٍ تكتيكية حملته على تأييد توسيع حق الاقتراع، إذ إن أبناء الطبقة الوسطى الذين سيُؤذن لهم بالتصويت كانوا بأغلبهم من مؤيدي الحزب. أما دي سافورنن لومان فعارض القانون لأنه ينطوي على شكل من أشكال السيادة الشعبية بدلًا من السيادة الإلهية. وأفضى ذلك إلى حدوث انقسام سنة 1894 ما بين الحزب والمجموعة الملتفَّة حول دي سافورنن لومان. كذلك أسهم الانضباط الحزبي في الخلاف ما بين كايبر ودي سافورنن لومان: فكايبر، وبصفته زعيم الحزب، كان يحبذ انضباطًا حزبيًا صارمًا، بينما كان دي سافورنن لومان يبغض الأحزاب القوية. وأسفر هذا الانقسام عن تشكيل الحزب الحر المناهض للثورة سنة 1898، والذي صار حزب الاتحاد التاريخي المسيحي سنة 1904. وخرجت مع دي سافورنن لومان طائفة من ساسة الحزب البارزين، ومنهم كثير من أعضائه الأرستقراطيين (الذين يحملون أسماء مركَّبة مثل دي سافورنن لومان). وواصل حزب الاتحاد التاريخي المسيحي معارضته لنظام الاقتراع الشامل، وكان أشدَّ عداء للبابوية من الحزب المناهض للثورة.
إضافةً إلى ذلك، عاد الحزب إلى الحكومة بعد انتخابات سنة 1952. وقد ضمَّت التشكيلة الوزارية الأحزاب الطائفية (الحزب المناهض للثورة والاتحاد التاريخي المسيحي وحزب الشعب الكاثوليكي)، وحزب العمل الاشتراكي الديمقراطي برئاسة الديمقراطي الاشتراكي ڤيلم دريس. وتولَّى يله زيلسترا وزارة الشؤون الاقتصادية. حصل الحزب على نسبة 10% من الأصوات في انتخابات سنة 1956، تحت زعامة يله زيلسترا، ولكنه نال 15 مقعدًا إثر توسيع مجلس النواب. وأدَّى الصراع ما بين حزب العمال وحزب الشعب الكاثوليكي إلى انهيار الحكومة قبل انتهاء ولايتها. وظلَّ الحزب عضوًا في حكومة تصريف الأعمال برئاسة لوي بيل. خسر الحزب مقعدًا آخر في انتخابات سنة 1959. وظلَّ جزءًا من الحكومة، التي ترأسها حينئذ يان دي كي. وانضمَّ إلى الأحزاب الطائفية الثلاثة حزب الشعب من أجل الحرية والديمقراطية، وهو حزب ليبرالي محافظ.
من جهة ثانية، تولّى وزير الحرب السابق هندريكوس كولاين زعامة الحزب في انتخابات سنة 1922. وقد جعل كولاين من الدفاع والمحافظة المالية قضيتين محوريتين لدى الحزب. ونال الحزب في ظله ستة عشر مقعدًا في مجلس النواب وخمسة عشر مقعدًا في مجلس الشيوخ. وتولّى حقيبة وزارة المالية في حكومة شارلز راوس دي بيرنبروك الثانية. وقاد الحزب في انتخابات سنة 1925، فخسر ثلاثة مقاعد. وبقي الحزب في الحكومة، وتولّى يان دونر حقيبة وزارة العدل. خسر الحزب مقعدًا آخر في انتخابات سنة 1929، واستمرت الأحزاب الطائفية في الحكم.
تأسيس الحزب والنمو (1879-1888)
وفي هذا الصدد، حصل الحزب على 31.4% من الأصوات وفاز بما مجموعه 27 مقعدًا في انتخابات سنة 1888. وقامت حكومة طائفية برئاسة المناهض للثورة أينياس ماكاي الابن، جمعت وزراء من المناهضين للثورة والكاثوليك، وانضمَّ إليهم وزيران مستقلان من التيار المحافظ. واجهت مقترحات حكومة ماكاي مقاومة كبيرة في مجلس الشيوخ الذي ظل الليبراليون مسيطرين عليه، فسقطت قبل انقضاء ولايتها البالغة أربع سنوات.
في هذا الإطار، أثمر هذا التحالف الإستراتيجي الذي عقده الحزب مع الكاثوليك بمزيد من النجاح الانتخابي في ثمانينيات القرن التاسع عشر. فكان عدد الأعضاء المناهضين للثورة في مجلس النواب ثلاثة عشر عضوًا في سنة 1879، وإن لم يكن جميعهم منتسبين إلى الحزب. وازداد عددهم ببطء بين عام 1879 وعام 1883 إلى أن بلغ تسعة عشر عضوًا. وباتوا واحد وعشرون عضوًا بعد انتخابات سنة 1884. وظفر التيار المناهض للثورة بأول مقعد في مجلس الشيوخ سنة 1886.
وفي هذا السياق، عاد الحزب إلى الحياة السياسية الهولندية بعد الحرب العالمية الثانية. وتولَّى العضو في الحزب المناهض للثورة يو ماينن وزارة الحرب، وإن لم يحظ بتأييد كتلته البرلمانية.
حل الحزب
علاوةً على ذلك، لم يفلح أي سليل ينتمي بالأصل إلى الحزب المناهض للثورة، الذي كان بمثابة العصب القوي داخل النداء الديمقراطي المسيحي المندمج، في الارتقاء إلى سُدة رئاسة الوزراء، حتى سنة 2002، بتولي يان بيتر بالكننده رئاسة الحكومة.
المراجع
علاوةً على ذلك، كانت عملية الاندماج ما بين حزب الشعب الكاثوليكي والحزب المناهض للثورة والاتحاد التاريخي المسيحي قد بدأت في غضون ذلك. وأسَّست الأحزاب الثلاثة اتحادًا تحت مسمى النداء الديمقراطي المسيحي سنة 1974. لعب العضو في الحزب المناهض للثورة فيلم أنتيس دورًا حاسمًا في صوغ هوية ديمقراطية مسيحية مشتركة: فقد وجَّه الحزب نحو عظة يسوع على الجبل، حيث يقول المسيح إن على المسيحيين أن يكسوا العراة ويُطعموا الجياع. وخاضت الأحزاب الثلاثة الحملة الانتخابية سوية تحت مظلة النداء الديمقراطي المسيحي في انتخابات سنة 1977. ولم يرتض بعض الأعضاء البارزين في الحزب المناهض للثورة، ومنهم فيلم أنتيس، حكومة النداء الديمقراطي المسيحي/حزب الشعب من أجل الحرية والديمقراطية التي تشكَّلت بعد الانتخابات، وأرادوا مواصلة التعاون مع حزب العمال، غير أنهم دعموا الحكومة على الصعيد السياسي. وغادرت ثلة من هؤلاء الأعضاء في الحزب المناهض للثورة حزب النداء الديمقراطي المسيحي سنة 1981 لتأسيس حزب الشعب الإنجيلي، وهو حزب يساري مسيحي.
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟