الثورات ضد عثمان
المحتويات

في البداية، الثورات ضد عثمان أو الانتفاضات ضد عثمان (654-656 م) كانت أولى الصراعات الأهلية الكبرى في الخلافة الراشدة، وتمحورت حول سياسات وشرعية الخليفة الثالث عثمان بن عفان. وتصاعدت الخلافات إلى ثورات شاملة في مصر والعراق والمدينة المنورة، وبلغت ذروتها باغتيال الخليفة عثمان عام 656 م على يد ثوار مصريين عقب حصار مقر إقامته. وفيما يلي تفاصيل أوسع عن ذلك.
إضافةً إلى ذلك، أدى الفراغ السياسي الناجم عن انهيار الحكومة المركزية إلى انتخاب علي بن أبي طالب خليفةً رابعًا. وقد اعترض على هذا الانتقال فورًا الأمويون بقيادة معاوية بن أبي سفيان والذي كان واليًا على بلاد الشام لفترة طويلة، ورفض الاعتراف بالإدارة الجديدة وامتنع عن مبايعتها، بل وحاربها. وأدت هذه الأحداث في نهاية المطاف إلى اندلاع الفتنة الأولى، وهي حرب أهلية غيّرت بشكل جذري المشهد السياسي والديني للدولة الإسلامية في بداياتها، وحوّلت الحكم من خلافة وشورى إلى إمبراطورية ومُلك موروث.
وعلى صعيد آخر، اتسمت الحركة بتحالف مصالح متنوع. تشكلت الطليعة العسكرية من القرّاء، وهم نخبة من قراء القرآن والمستوطنين الأوائل الذين عارضوا الإصلاحات المالية للخليفة وإعادة تصنيفه للأراضي المشتركة. طالب عثمان بتحويل فائض إيرادات الأراضي المفتوحة، التي أُعلنت ملكًا للدولة لكنها ظلت تحت سيطرة القبائل الفاتحة، إلى المدينة المنورة. في الوقت نفسه، أصبح الكثير من كبار صحابة النبي محمد وأفراد من قريش من أشد منتقدي الإدارة. اتهموا الخليفة بالمحسوبية وتفضيل أقاربه من بني أمية على المهتدين الأوائل من الأنصار والمهاجرين، بل وشكك بعضهم في إسلام بعض الطلقاء.
التداعيات
- طالع كذلك
- معركة الجمل
- معركة صفين
- غزوات الأمويين لمصر
- ملاحظات
- مراجع
من جهة ثانية، وعلى الرغم من إجماع المصادر الشيعية والسنية على أن عليًّا لم يرضَ بقتل عثمان، إلا أن القصاص من القتلة، كان أمرًا شبه مستحيل، حيث إنهم غير معروفين على وجه التحديد، ولم يكونوا شخصًا بل جماعة كبيرة من الثوار بل وحتى الحكام اللاحقون مثل الحجاج كان يقتل قتلة عثمان على الظن، كما أنه بعد بيعة علي مباشرة كانت الدولة مضطربة، وكثير من الثائرين دخلوا في قبائلهم أو في الجيوش، فلم تكن لدى الخليفة سلطة مستقرة تمكنه من القبض عليهم ومحاكمتهم. ولذلك رأى البعض أن الأولوية كانت لإعادة الأمن ثم النظر في القضاء، فحتى لو استقر الوضع وقُبض على جميع القتلة فقتلهم كان سيهدد إما بمذبحة أو حرب جديدة. وقد برّر بعض أعلام السنة هذا السلوك بالمسألة الفقهية (قتال الفتنة لا قصاص فيه) وهكذا كذلك كان فعل علي في موقعة الجمل مع جيش طلحة وعائشة حيث لم يلحق بالهاربين ويقتلهم، وقد نُقل عن الزهري أن الصحابة في الفتنة الأولى أجمعوا على عدم إقامة القصاص في قتلى الفتنة، ونقل بعض الفقهاء هذا المعنى في كتبهم، واستدلوا بأن القتل في الاقتتال بتأويل يختلف عن القتل الجنائي الفردي.
في هذا الإطار، رغم ضغوط الجماعات المتمردة، رفض عليٌّ في البداية تولي المنصب، وأصرّ على أن تُعلن البيعة علنًا في المسجد النبوي. وبعد خمسة أيام من وفاة عثمان، انتُخب عليٌّ رسميًا خليفةً رابعًا بإجماع كامل من المؤيدين لسياسات عثمان ومخالفيها. وواجهت إدارته على الفور تبعات الانتفاضات. فقد استغلت الأسرة الأموية وغيرها من منتقدي الخليفة الجديد عدم محاكمة قتلة عثمان ذريعةً للحرب، مما شكّل بداية الفتنة الأولى والانقسام الدائم للأمة الإسلامية إلى فصائل طائفية.
وفي السياق ذاته، بعد اغتيال عثمان بن عفان، دخلت المدينة المنورة في حالة من الفوضى العارمة مع انهيار الحكومة المركزية.وفي غياب الخليفة، احتل الثوار المصريون المدينة، وتولى ممثلهم، الغافقي بن حرب، منصب الحاكم الفعلي. حاولت فصائل الثوار فرض اختيار الخليفة التالي عبر مجلس الشورى، وهو ما أثار استياءً شديدًا لدى نبلاء المدينة الذين اعتبروه إعادة هيكلة غير شرعية للنظام السياسي للخلافة.
وجهات النظر الإباضية
وفي هذا الصدد، تؤكد الدراسات أن هذا الحدث أثار تساؤلات جوهرية حول العلاقة بين الدين والقيادة. فبالنسبة للجماعات التي أصبحت فيما بعد الخوارج، كان ارتكاب ذنب عظيم دون توبة يُبطل حق القائد في الحكم. ومن هذا المنطلق، فإن رفض عثمان التنحي عن الحكم استلزم عزله حفاظًا على الدين، مما أرسى سابقةً تربط شرعية الحاكم بالتزامه الصارم بمبادئ القرآن الكريم وواجبه في إقامة العدل الإلهي.
إضافةً إلى ذلك، تعتبر المدرسة الإباضية وتقاليد الحرورية المحكمة المبكرة الانتفاضة عملًا دينيًّا مشروعًا لا مجرد تمرد سياسي. وبحسب مؤرخي الإباضية، كانت الثورة ردًّا ضروريًّا على امتناع عثمان عن إقامة العدل. ومن هذا المنظور، كان اعتراض رسالة الخليفة بمثابة الدليل القاطع على فقدان الإدارة لسلطتها الأخلاقية. ويُنظر إلى الثوار على أنهم الخوارج الحقيقيون الأوائل، أولئك الذين خرجوا في سبيل الله لإعمال مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
انتفاضة في مصر
وفي هذا السياق، لتهدئة الأزمة، سافر سعد بن أبي وقاص إلى مصر للتفاوض مع الثوار. إلا أن مهمته باءت بالفشل عندما هوجمت خيمته وأُصيب، مما اضطره للعودة فورًا إلى المدينة المنورة. لاحقًا، شكّل نحو 400 متظاهر وفدًا لمواجهة الخليفة. ورغم أن عثمان وافق مبدئيًا على مطالبهم وأصدر رسالة لتحسين ولاية العقبة، إلا أن الوضع تصاعد إلى العنف في العقبة. هناك، اعترض الثوار رسولًا يحمل أمرًا سريًا من الخليفة إلى عبد الله بن سعد، يأمر فيه الوالي باعتقال الوفد وإعدام قادته. استشاط الثوار غضبًا مما اعتبروه خيانة، فعادوا إلى المدينة المنورة ليحاصروا مقر الخليفة.
من جهة ثانية، في سنة 651 م، قاد الوالي المصري عبد الله بن سعد حملة عسكرية إلى النوبة، لكنها باءت بالفشل وأسفرت عن معاهدة سلام مع مملكة المقرة. وقد تسببت هذه النكسة العسكرية، إلى جانب إصرار الوالي على زيادة الإيرادات المُرسلة إلى المدينة المنورة، في توترات كبيرة مع الحامية المحلية. كما أدى وصول المستوطنين الجدد إلى زيادة الضغط على الموارد المصرية وتهميش الفاتحين الأصليين للإقليم. وبلغ هذا السخط ذروته عام 656 عندما غادر عبد الله بن سعد إلى المدينة المنورة لحضور الاجتماع التشاوري.
وفي هذا الصدد، في غياب الوالي، قام محمد بن أبي حذيفة بانقلاب ضد إدارة المقاطعة. مستغلًّا حالة عدم الاستقرار بين المستوطنين العرب الأوائل، تحدّى فعليًّا سلطة عبد الله بن سعد، وأجبر الوالي في نهاية المطاف على الانسحاب من الفسطاط، العاصمة الإدارية للمقاطعة. وبينما ظلّ فصيل موالٍ بقيادة معاوية بن حذيج ومسلمة بن مخلّد ثابتًا على ولائه للخليفة، أعلنت غالبية الحامية العسكرية دعمها لابن أبي حذيفة. وكان تحالفه يتألف في الأساس من الفاتحين الأصليين للمقاطعة، الذين تآكل احتكارهم الطويل الأمد للإيرادات المالية المصرية واستقلالهم السياسي بشكل منهجي بفعل سياسات عثمان المركزية.
الخلفية
من جانب آخر، واجه الخليفة الثالث عثمان بن عفان، اتهامات بالمحسوبية الممنهجة لترسيخه السلطة الإدارية داخل بني أمية وقبيلتهم الأم، بني عبد شمس. في عهد سلفيه، أبي بكر وعمر، كان النفوذ السياسي متوازنًا بين أنصار المدينة والمهاجرين الأوائل، وكانت الأمور مستتبة. إلا أن عثمان غيّر هذا الوضع بتعيينه أقاربه ولاةً ومنحهم أراضيَ وهباتٍ ماليةً سخية شككت جموعًا من المسلمين بأموال المال، وكان أبرز من تلقى هذه الهبات مروان بن الحكم وسعيد بن العاص.
وفي هذا السياق، تفاقمت الأزمة بسبب مساعي عثمان بن عفان لتركيز الشؤون المالية للخلافة. فقد أعاد تصنيف أراضي التاج الإقليمية كأصول للدولة، وأمر بتحويل الفوائض الاقتصادية، لا سيما من العراق ومصر، إلى الخزانة المركزية في المدينة المنورة، مما هدّد في إفقار الشعوب هناك. وقد شكلت هذه السياسة تحديًا مباشرًا لاستقلالية القبائل المحلية التي كانت تعتبر هذه الإيرادات ملكية مشتركة. وفي الكوفة، أثار الوالي سعيد بن العاص ثورةً عارمةً بإعلانه أراضي السواد الخصبة "جنة لقريش". وقد غذّت هذه الجهود المركزية، إلى جانب ما اعتبره البعض تهميشًا للنخب الإسلامية المبكرة، معارضةً منظمةً في مصر والعراق والحجاز. وقد فاقم الأزمة ما اعتبره البعض فساد ولاة عثمان بن عفان، حيث شكى الكوفيون على واليهم الوليد بن عقبة وهو أخو عثمان، لانغماسه في الملذات والخمور عدّة مرات وشكوتهم على صلاته، حيث صلى الوليد بن عقبة بأهل الكوفة صلاة الصبح أربع ركعات مخمورًا، ثم التفت إليهم فقال: أزيدكم؟ فقال عبد الله بن مسعود: ما زلنا معك في زيادة منذ اليوم. وشكوتهم على إحضاره لساحر يدّعي الإحياء والإماتة داخل المسجد.
من جهة ثانية، بالتوازي مع هذه المظالم النخبوية، ضمّ فصيلٌ هامٌ من المعارضة الناشئة أفرادًا سيشكلون فيما بعد عماد الحركة الخوارجية. وقد جُلِبَ كثيرٌ منهم من قرى العراق، الذين جمعوا بين المظالم السياسية والاعتقاد الديني بأن شرعية الخليفة مشروطة بالالتزام الصارم بالعدالة الدينية. سعى هؤلاء الخوارج الأوائل إلى تقويض هيمنة قريش واستعادة الحكم الذاتي للأقاليم. وباعتبارهم متمركزين بشكل أساسي في العراق، كان لهم دورٌ محوريٌ في الانتفاضات الأولى، وشكّلوا لاحقًا الحرورية. وعلى الرغم من انفصالهم في نهاية المطاف عن الخليفة الرابع علي، فقد ظلوا من أشدّ أنصار عليّ ثباتًا حتى صلح عام 657 م حيث رأوا فيه عدلًا وزهدًا.
الانتفاضات
علاوةً على ذلك، كان الدافع وراء المعارضة الناشئة تحالفًا متنوعًا من النخب والفاعلين المحليين. وشملت المحفزات السياسية كبار الصحابة من أهل محمد وأشراف مكة، مثل طلحة بن عبيد الله وعائشة بنت أبي بكر، الذين برزوا كناقدين بارزين، ويُقال إنهم شجعوا على الاضطرابات من خلال مراسلاتهم مع زعماء الأقاليم. وقد تأجج هذا السخط كذلك بسبب ما اعتبره البعض إساءة معاملة عثمان لنخب القبائل الراسخة، مثل الضرب العلني لعمار بن ياسر وأحد أعضاء بني مخزوم المحترمين، فضلًا عن نفي أبي ذر الغفاري، الذي ناضل ضد تراكم الثروة لدى النخبة الأموية، وطالب بعدالة اجتماعية لكل المسلمين.
حصار مقر إقامة عثمان
التفسيرات الطائفية
وفي هذا السياق، ردًّا على الرسالة التي اُعترضَت، اتهم الثوار الخليفة عثمان بعدم الكفاءة وطالبوه بالاستقالة. ولما رفض، حاصروا مقر إقامته حصارًا رسميًّا. ورغم أن الثوار سمحوا لعثمان في البداية بالخروج لأداء صلاة الجماعة، إلا أنهم حرموه من هذا الحق لاحقًا. وخلال خطبة الجمعة، رُشق عثمان وأنصاره بالحجارة حتى نُقل الخليفة إلى منزله فاقدًا للوعي.
كذلك، تجنّب الهجوم الأخير المواجهة المباشرة مع حراس الهاشميين عند البوابة. وبدلاً من ذلك، تسلّقت مجموعة أسطح المنازل المجاورة لدخول جناح عثمان الخاص. فوجدوا الخليفة يتلو القرآن. ووجّه الثوار الضربات القاتلة ومن أبرز الأسماء التي قيل دون تأكيد أنها كانت هناك هي كنانة بن بشر وسودان بن حمران. كما يُذكر أن عمرو بن الحميق ألحق عدة جروح بجسد الخليفة أثناء القتال.
من جانب آخر، سال دم عثمان على نسخة القرآن التي كان يقرأها، وفقدت زوجته نائلة عدة أصابع وهي تحاول حمايته من السيوف. وبينما نُهب المنزل، فرّت عائلة بني أمية من المدينة المنورة إلى مكة ودمشق، حاملين معهم أصابع نائلة المقطوعة وثياب الخليفة الملطخة بالدماء كرمز لمطالبتهم المستقبلية بالثأر.
ومن ناحية أخرى، في نهاية المطاف، قطع الثوار إمدادات المياه عن المنزل. فاستغاث عثمان بعلي، الذي أرسل ثلاث قرب ماء كبيرة عبر أقاربه من بني هاشم، وقد أُصيب عدد منهم أثناء توصيل الإمدادات. وخلال فترة الحصار، أرسل عثمان عبد الله بن عباس لقيادة الحج وإبلاغ أهل مكة بالانتفاضة. وخوفًا من وصول تعزيزات من الموالين من الشام لسحق الثورة، قرر الثوار اقتحام المنزل في 17 حزيران 656 م.
وعلى صعيد آخر، دافع عن أبواب القصر مجموعة من نبلاء قريش الشباب، من بينهم عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، ومحمد بن طلحة، والحسن بن علي، والحسين بن علي. وانضم إليهم نخبة آخرون مثل عبد الله بن عبد الرحمن (ابن أخ الزبير بن العوام) الذي قُتل على يد المتمردين بعد أن حاول اقتراح تسوية سلمية تستند إلى القرآن ورجوعهم لإقليمهم. داخل المنزل، بقي عثمان مع زوجته نائلة بنت الفرافصة وكاتبه مروان بن الحكم. ورغم أن عثمان منع مدافعيه من تصعيد النزاع، اندلع اشتباك عندما اعترض المتمردون إمدادات غذائية أرسلتها أم حبيبة.
مسيرة الثوار المصريين إلى المدينة المنورة
ومن ناحية أخرى، فور وصولهم إلى واحة المدينة المنورة، أقامت الجماعات معسكرات منفصلة في أواس وذو كشوب وذو المروة. أثار وجودهم دهشة السكان المحليين، ودفع في البداية الكثير من أهل المدينة إلى تجديد دعمهم للخليفة. وعندما تواصل الثوار مع مرشحيهم المفضلين للخلافة، قوبلوا بالرفض. قام علي بن أبي طالب شخصيًا برفض دعوة الوفد المصري العسكرية، وأرسل ابنه الحسن لحراسة مقر عثمان إلى جانب أبناء صحابة بارزين آخرين مثل طلحة والزبير. وفي نهاية المطاف، لعب علي دور الوسيط، واقترح عزل والي مصر، بينما طالب الثوار بتعيين محمد بن أبي بكر.
ومن ناحية أخرى، في عام 655 م، قاد الخليفة عثمان بن عفان فريضة الحج، وعقد مجلسًا استشاريًا في المدينة المنورة مع ولاة ولايته لمعالجة الاضطرابات المتزايدة. وخلال جلسات المجلس، أوصى بعض المسؤولين بقمع المحرضين بشدة أو بنشر قوات إضافية في المدن الرئيسة لفرض النظام. بينما نصح آخرون الخليفة بمعالجة المظالم الإدارية مباشرة عن طريق إقالة المسؤولين غير المرغوب فيهم. في المقابل، جادل منتقدون بارزون من خارج الإدارة، مثل عمرو بن العاص، بأن الخلافة قد انحرفت عن ممارسات أسلافه، وأدانوا تركز السلطة في يد بني أمية.
من جهة ثانية، في هذه الأثناء، حشدت فصائل الثوار من مصر والكوفة والبصرة في محافظاتها، ونسقت مسيرة نحو المدينة المنورة لمحاسبة عثمان بن عفان والمطالبة باستقالته. ضمت الكتيبة المصرية 600 رجل بقيادة عبد الرحمن بن عديس. ولتجنب انكشاف أمرهم، تحركت الوفود متذرعة بأداء فريضة الحج. وانقسمت الفصائل في ولائها السياسي، إذ فضل المصريون عليًا، ودعم البصريون طلحة بن عبيد الله، وساند الكوفيون الزبير بن العوام. خلال هذه الفترة، عرض معاوية بن أبي سفيان (ابن عم عثمان ووالي الشام لفترة طويلة) على عثمان مساعدة عسكرية أو اللجوء في دمشق. إلا أن الخليفة رفض مغادرة مدينة محمد أو السماح بالتدخل العسكري ضد المسلمين. على الرغم من رفض عثمان، أرسل معاوية طليعة عسكرية نحو المدينة المنورة لتأمين موقع الخليفة، متصرفًا بمبادرة منه لحماية وحدة الدولة.
وفي السياق ذاته، بدأ الثوار في البداية بالانسحاب من المدينة المنورة بعد تلقيهم وعودًا بالإصلاح. إلا أنهم عادوا بعد ثلاثة أيام إثر أسرهم رسولًا يحمل رسالة مختومة بخاتم الخليفة. كانت الرسالة موجهة إلى والي مصر، وتأمر بإعدام قادة الثوار وكل المشاركين فيها. أقسم عثمان بالله أنه لم يكن على علم بالرسالة. أثار هذا الادعاء الشكوك حول كاتبه مروان بن الحكم، الذي كان يحمل خاتم الخلافة آنذاك، حيث كانت الرسالة مختومة به. وبينما يشير ماديلونج إلى أن عليًا ومحمد بن مسلمة كانا يشتبهان في أن مروان هو كاتب الرسالة الحقيقي، يرى المؤرخ هيو ن. كينيدي أن عثمان هو على الأرجح من أصدر الأمر، وأن المسلمين المتأخرين أرادوا تبرئة الخليفة.
وجهات النظر الشيعية
كذلك، ينظر المسلمون الشيعة عمومًا إلى الانتفاضات على أنها رد فعل على الفساد المستشري والنزعة القبلية التي ظهرت في عهد عثمان بن عفان. ويرى هذا المنظور أن تركيز السلطة داخل بني أمية كان خيانة لمبادئ المساواة التي دعا إليها النبي محمد. وتُبرز الروايات التاريخية الشيعية أن عثمان بن عفان منح السيطرة على ولايات حيوية كمصر والكوفة لأقاربه الذين استغلوا سلطتهم لتحقيق مكاسب شخصية، وأنهم أسرفوا في الملذات. وقد أثار هذا الأمر كراهية السكان المحليين وأدى إلى انهيار الدولة الإسلامية في بداياتها.
إضافةً إلى ذلك، يؤكد المذهب الشيعي على سوء معاملة عثمان إلى الصحابة المحترمين الذين تجرأوا على انتقاد هذه الإخفاقات الإدارية. فقد نُفيَت شخصيات مثل أبي ذر الغفاري لاحتجاجهم على تجاوزات الأمويين، بينما تعرض آخرون مثل عمار بن ياسر للضرب المبرح لتقديمهم شكاوى ضد ولاة الأقاليم. وتُعتبر أعمال العنف هذه التي مارستها الدولة ضد المؤمنين الأوائل المحفزات الرئيسة للثورة. وبينما سعى علي وأبناؤه إلى منع الفوضى العارمة وتقديم العون للخليفة المحاصر، يرى المذهب الشيعي أن الثورة كانت نتيجة حتمية لتفضيل عثمان بن عفان أقاربه على العدل الحقيقي. وبالتالي فإن الشيعة لا يقرّون الفوضى ولا يقرّون نهج عثمان، بل ينظرون إلى الموضوع من زاوية تاريخية أن عثمان أخطأ فثار عليه الناس وقتلوه، وقد أخطأ الثوار في هذا.
الانتفاضة في الكوفة
وعلى صعيد آخر، تدهور الوضع السياسي في الكوفة تدهورًا حادًّا عام 654 م. واستجابةً لذلك، عقد الخليفة عثمان بن عفان اجتماعًا تشاوريًا في المدينة المنورة مع ولاة الأقاليم، وأرسل وكلاءً لتفقد المظالم في الكوفة والبصرة ومصر والشام. إلا أن الوكيل المُرسَل إلى مصر عمار بن ياسر، الذي كان من أنصار علي بن أبي طالب، انشق وانضم إلى الثوار المحليين.
ومن جهة أخرى، استغل الثوار غياب الوالي، فاستولوا على المدينة ونشروا وحدات مسلحة لتأمين المحافظة. وأقاموا حامية استراتيجية في عين التمر لقطع الطريق إلى دمشق، ونشروا ألف جندي قرب حلوان للسيطرة على طريق الجبال. كما نُشرَت قوات إضافية في كسكر والمدائن وجوكا للدفاع ضد أي تدخل من البصرة ولتأمين منطقة دجلة. وتلقى قادة الثوار تعليمات صريحة بعرقلة جميع عمليات تحصيل الضرائب الاتحادية.
ومن ناحية أخرى، عندما غادر والي الكوفة، سعيد بن العاص، إلى قمة المدينة، طالبت المعارضة علنًا باستقالة الخليفة. كان هؤلاء المتظاهرون في الأساس من المستوطنين الأوائل الذين هُدِّدت امتيازاتهم بسبب مركزية عثمان ووصول جماعات قبلية جديدة. تولى تنسيق الحركة يزيد بن قيس الأرحبي، وهو زعيم قبلي وشخصية بارزة في المحكمة الحرورية، والذي استدعى معارضين منفيين مثل مالك الأشتر من الشام. وتزامن ذلك مع تجمع للقادة العسكريين بعد أمر عثمان بتخفيض جذري في رواتب العسكريين والمدنيين.
وفي هذا الصدد، لترسيخ سيطرتهم، أرسل الأشتر 500 جندي بقيادة مالك بن كعب لاعتراض سعيد بن العاص عند عودته من المدينة المنورة. وفي مواجهة الوالي، أعلن الثوار رفضهم القاطع شرب قطرة أخرى من الفرات، مما أجبره على التراجع إلى المدينة. ورغم هذا النجاح العسكري، إلا أن تعيين الثوار لأبي موسى الأشعري المحايد، واليًا جديدًا أثبت خطأه التكتيكي. فقد أدى افتقاره للدعم المركزي وتردده في القيادة إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي في إدارة الكوفة.
وجهات النظر السنية
في هذا الإطار، ينظر التيار السني السائد إلى الثورة ضد عثمان على أنها تمرد غير شرعي أشعل فتيل أول فتنة كبرى في التاريخ الإسلامي، وأن كل الثوار مخطئون وكان يجب قتلهم. وبينما يُقرّ علماء السنة بوجود روايات تاريخية عن مظالم تتعلق بخياراته الإدارية، فإنهم يؤكدون أن هذه القضايا لم تكن مبررًا لانتفاضة عنيفة. ويُنظر إلى المتمردين عمومًا على أنهم جماعة ضالة أو متطرفة انتهكت حرمة الخلافة والمدينة المنورة. ويؤكد التيار السني أن عثمان تصرف كشهيد اتبع وصية النبي محمد بالصبر وتجنب إراقة دماء المسلمين.
وعلى صعيد آخر، يرى هذا المنظور أن قرارات عثمان المالية والإدارية استندت إلى تفسيره القانوني الشخصي لواجب الحفاظ على صلة الرحم، وبالتالي يندرج تحت بند (اجتهد فأخطأ) وأن له (أجرًا واحدًا عليها). وبالمثل، تشير الدراسات الحديثة إلى أن سلوك المعارضة كان في كثير من الأحيان غير ملتزم بالواجب. وهذا يوحي بأن الخصوم السياسيين استغلوا السخط العام لتأجيج تمرد. وبدلًا من النظر إلى الانتفاضة على أنها سعي لتحقيق العدالة، يركز التراث السني على عدم شرعية أساليب المتمردين والخسارة الفادحة للوحدة التي أعقبت اغتيال أحد صحابة النبي محمد.
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟