البركة القديمة (هايكو)

تعريفًا بالموضوع، «البركة القديمة» (، وتُقرأ: «فورو إيكه يا / كاوازو توبيكومو / ميزو نو أوتو»، أي: «بركة قديمة، ضفدع يقفز، صوت الماء») هي هوكّو للشاعر الياباني ماتسوو باشو، وتُعَدُّ القصيدة التي أرسى بها باشو أسلوبه الشعري المعروف بالأسلوب الباشوي (شوفو) في فن الهايكاي، وهي ليست أشهر أعمال باشو فحسب، بل ظلت منذ عصر إيدو أشهر قصائد الهايكو قاطبة حتى غدت عنوانًا على هذا الفن كله. وفيما يلي تفاصيل أوسع عن ذلك.
علاوةً على ذلك، كلمة الموسم (الكيغو) في القصيدة هي «الضفدع» (ومَوسمه الربيع). والقصيدة تصف مشهدًا بسيطًا: صوتُ ضفدعٍ يقفز في بركة قديمة يبلغ مسمعَ الشاعر؛ وهي بعثورها على الشاعرية في أشياء تبدو مألوفةً عاديةً قد شقّت طريقًا مغايرًا للمشاعر القالبية المتوارثة في شعر الواكا والرينغا وما سبقها من شعر الهايكاي. ويُستشفّ فيها كذلك أثر الزن الذي انكبّ عليه باشو فترة من حياته، غير أن ذيوعها الواسع أفضى، كما سيأتي، إلى تأويلات عميقة وأساطير نُسجت حولها.
التلقي
من جانب آخر، وذهب ياماموتو كينكيتشي في كتابه «باشو: تذوقًا ونقدًا» (1957) إلى أن القصيدة لو افتُتحت بـ«يامابوكي يا» لكانت قصيدةَ «توليفٍ» تُجاور بين صورتين بصريتين ليس غير، أما «فورو إيكه يا» فإدراك حدسي يُعمل الخيال السمعي، يرتبط بما بعده في طبقة أعمق من الوعي فيضاعف طبقات المعنى. ورأى أن القصيدة أصابت بدقة «النقطة العمياء في قلوب شعراء الهايكاي الذين جعلوا الضحك غايتهم»، وأن معناها التنويري كان للناس أعظم منه لباشو نفسه، ثم قال إن الناس اليوم — وما من أحد إلا سمع هذه القصيدة في صباه على نحو من الأنحاء — «يصح فيهم القول إن فهمنا للهايكو يبدأ كله من فهم قصيدة البركة القديمة».
ملاحظات
الهوامش
ومن ناحية أخرى، أما أووا ياسوهيرو فيرى في كتابه «لماذا كان باشو أسمى شعراء الهايكو» (2014) أن البركة القديمة، شأن البئر المهجورة، بركة طواها النسيان، فهي أدنى إلى عالم الموت؛ أما «ضفدعٌ يقفز، صوتُ الماء» فحركة ونبض حياة. وقد أحضر باشو الضفدع من غير أن يُسمعنا نقيقه، والصوت هنا ليس من عالم الأناقة في شيء، بل من عالم «الوابي» و«السابي»؛ فبإلقاء الضفدع في ما كاد يكون عالمَ موتٍ نفخ باشو فيه الحياة، ومن هنا انبثق في القصيدة الوابي والسابي.
ومن ناحية أخرى، يرجع ذيوع القصيدة من جهة إلى اعتداد باشو نفسه بها بوصفها قصيدة تجسّد مبدأه في «الثابت والمتحوِّل» (فوإيكي ريوكو)، لكنه يرجع بدرجة أكبر إلى تلميذه شيكو الذي ما فتئ يشيد بها في كل مناسبة وهو ينشر مآثر أستاذه. كتب شيكو في كتابه «هايكاي جورون» («عشر مقالات في الهايكاي»، 1719) أن القصيدة «تكاد تخلو من العاطفة ظاهرًا، لكنها تُضمر في طيّها وحشةً رقيقة هي رجع الظرف الشعري وصداه الباقي»، فرأى فيها «الوحشة» (سابيشيسا) رنينًا مضمرًا، ويبدو أن هذه القراءة هي التي تُوورثت إلى اليوم بوصفها القراءة الشائعة للقصيدة. على أن معاصري باشو من شعراء الهايكاي لم يتقبلوا القصيدة كلهم؛ فكتاب «غيوزانشو» الآنف الذكر يذهب إلى أن جعل «فورو إيكه يا» مكان «يامابوكي يا» يُخرج القصيدة من عداد الهوكّو الصحيح. ثم إن نكهة القصيدة الزنّية ولَّدت حولها الأساطير: فشاع — كما في كتاب «باشو-أو فورو إيكه شيندن» («التعاليم الحقة لبركة باشو القديمة»، تأليف شونكو، 1868) — أن باشو زار معلمه في الزن الراهب بوتشو فدار بينهما حوارُ زنٍّ، وأن القصيدة انقدحت في ذهنه هنالك.
علاوةً على ذلك، وقد تصدى ماساوكا شيكي، رائد تحديث الهايكو، لهذا الضرب من الأسطرة فدحضه دحضًا صريحًا في مقالته «في بيان قصيدة البركة القديمة» (فورو إيكه نو كو نو بن) المنشورة في مجلة «هوتوتوغيسو» (عدد أكتوبر 1898)، وأعاد فيها تقييم القصيدة. وقد صيغت المقالة على لسان مضيف يجيب ضيفًا سأله: كيف بلغت هذه القصيدة ما بلغته من شهرة عند الناس كافة؟ فيستعرض المضيف تاريخ الهايكو موضحًا أن القصيدة إنما فتحت في تاريخ الهايكاي طريقًا جديدًا بعثورها على اللطافة في واقعة مألوفة هي قفز ضفدع في الماء، على النحو المتقدم. ونبّه شيكي كذلك على أن أهمية القصيدة تكمن في هذا الدور التاريخي تحديدًا، وأنها ليست أجود قصائد باشو بالضرورة.
النشأة
في هذا الإطار، ولم يكن للضفدع في تاريخ الواكا والرينغا إلا حضور نادر، وكان الشعراء إذا ذكروه التفتوا إلى نقيقه لا غير؛ وفي الهايكاي أمثلة على الالتفات إلى قفز الضفدع، أما الالتفات إلى الضفدع الذي قفز في الماء وإلى صوت وقوعه فيه فابتكار لباشو لا سابقة له.
إضافةً إلى ذلك، وبحسب كلمة سِنكا في خاتمة «كاوازو أواسه»، فقد أقيمت المباراة في كوخ باشو (باشو-آن) في حي فوكاغاوا؛ وسواء أكانت القصيدة قد نُظمت في تلك المناسبة أم كانت المباراة نفسها قد انعقدت بوحي منها — وهو أمر لم يُحسم — فالمرجح أنها نالت أول الأمر استحسان أصحاب باشو في هذه الفترة على وجه التقريب. و«البركة القديمة» هي في الغالب البركة التي كانت بجوار كوخ باشو، وكان تلميذه سوغياما سانبو يطلق فيها أسماك النهر متخذًا منها حوضَ تربية.
من جهة ثانية، وتنقل بعض الكتب القصيدة بصيغة «يامابوكي يا كاوازو توبيكومو ميزو نو أوتو» كما في «غيوزانشو» (暁山集، 1700، تحرير هوزان)، غير أن افتتاحية «يامابوكي يا» إنما هي من وضع تلميذه كيكاكو: فقد عرض باشو أولًا الشطرين الأخيرين «كاوازو توبيكومو ميزو نو أوتو» وترك لتلامذته التفكير في المقطع الافتتاحي ذي المقاطع الخمسة، فاقترح كيكاكو «يامابوكي يا» (أي: «يا زهرة القشب»)، فاستقر باشو عندئذ على «فورو إيكه يا». وعلَّل اختياره بأن «يامابوكي» كلمة أنيقة زاهية تحمل ميراث شعر الواكا، أما «البركة القديمة» فبسيطة صادقة، وأن نبذ كلمة «يامابوكي» البهيجة والاكتفاء بـ«البركة القديمة» ينمّ عن قصد غير سطحي. وهكذا وُلدت القصيدة حين أعرض باشو عن التوكيد الظريف الذي تمثله «توندارو» ووجد السكينة الهادئة في الطبيعة.
وفي هذا السياق، ظهرت القصيدة أول ما ظهرت في مجموعة «كاوازو أواسه» (蛙合، «مباراة الضفادع») الصادرة في الشهر الثالث المكرَّر من سنة 1686 (السنة الثالثة من حقبة جوكيو)، ثم أُدرجت في أغسطس من السنة نفسها في «هارو نو هي» (春の日، «أيام الربيع»)، إحدى «مجموعات باشو السبع». وقد حرَّر «كاوازو أواسه» سِنكا، أحد تلامذة باشو، وضُمِّنت أربعين قصيدةً موضوعُها الضفدع تبارت مثنى مثنى في أربع وعشرين جولة من جولات «مباراة القصائد» (كوأواسه: مباراةٌ يُحكم فيها بالمفاضلة بين قصيدتين متقابلتين) مع قصيدة إضافية واحدة، واحتلت قصيدة باشو موضعَ الصدارة فيها (يسار الجولة الأولى). وجرى التحكيم في تلك المباراة بطريقة الحكم الجماعي بالتشاور بين المشاركين وعلى رأسهم سِنكا. ولمّا كان المتعارف أن قصائد الهوكّو المعدَّة للنشر تُدرج في المختارات بعيد نظمها بقليل، فإن الرأي المستقر عند الدارسين أن القصيدة نُظمت سنة 1686. على أن القصيدة كانت قد وردت في أواخر الشهر الثالث من السنة نفسها في مجموعة «إيوزاكورا» (庵桜) التي حرّرها سايغين، تلميذ إيهارا سايكاكو، بصيغة «فورو إيكه يا كاوازو توندارو ميزو نو أوتو» (أي: بركة قديمة، ضفدعٌ قد قفز، صوت الماء)، ويُرجَّح أن تلك كانت الصيغة الأولى للقصيدة؛ و«توندارو» تعبيرٌ خفيف رشيق على طريقة مدرسة دانرين يسهل أن يلقى القبول عند أتباعها.
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟