مرجع
آخر الزيارات

إعادة اكتشاف سرجون الثاني

2٬311 كلمة•0 مشاهدة•🗒️ منذ يومين
باختصار: حكم سرجون الثاني الإمبراطورية الآشورية الحديثة بين عامي 722 و705 ق.م. تجد هنا «إعادة اكتشاف دور-شاروكين»، «دور-شاروكين والمسمارية» و«سرجون في المصادر القديمة» ضمن 5 أقسام.
المحتويات
  1. إعادة اكتشاف دور-شاروكين
  2. دور-شاروكين والمسمارية
  3. سرجون في المصادر القديمة
  4. وفاة سرجون وتداعياتها
  5. سرجون في الدراسات المبكرة
إعادة اكتشاف سرجون الثاني

في البداية، حكم سرجون الثاني الإمبراطورية الآشورية الحديثة بين عامي 722 و705 ق.م. كواحد من أنجح ملوكها. في حملته العسكرية الأخيرة، قُتل سرجون في معركة وقعت في منطقة تابال جنوب شرق الأناضول، ولم يتمكن الجيش الآشوري من استعادة جثته، مما حال دون إخضاعه لمراسم الدفن الملكية الآشورية التقليدية. كان الاعتقاد السائد في بلاد الرافدين القديمة أن من لا يُدفن يُحكم عليه بأن يظل شبحاً جائعاً وهائمًا إلى الأبد. ونتيجة لذلك، اعتقد الآشوريون أن سرجون لا بد أنه ارتكب خطيئة جسيمة حتى يعاني من هذا المصير. اونتيجة لذلك، بذل ابنه وخليفته سنحاريب ( ق.م.)، جهوداً كبيرة للنأي بنفسه عن والده، وإزالة آثار أعماله وصوره من أنحاء الإمبراطورية الآشورية، اقتناعاً منه بأن ما أصاب سرجون كان عقاباً على خطيئة ارتكبها. وأدت جهود سنحاريب إلى أن يرد ذكر سرجون نادراً في النصوص اللاحقة. وعندما بدأ تشكيل علم الآشوريات الحديث في أوروبا الغربية خلال القرن الثامن عشر على مؤلفات المؤرخين الإغريق والرومان الكلاسيكيين وعلى ما ورد عن آشور في الكتاب المقدس العبري للحصول على المعلومات. ونظراً إلى أن سرجون لم يُذكر إلا نادراً في هذين المصدرين، فقد طواه النسيان، وأصبحت إعادة البناء التاريخية السائدة آنذاك تعتبر سنحاريب الخليفة المباشر لسلف سرجون شلمنصر الخامس، كما عُدَّ اسم سرجون مجرد اسم بديل لأحد الملوك الآشوريين الأكثر شهرة. وفيما يلي تفاصيل أوسع عن ذلك.

إضافةً إلى ذلك، بعد قرون من نسيان سرجون، حدثت تطورات مهمة في علم الآشوريات في القرن التاسع عشر، وأصبحت إعادة البناء التقليدية لتاريخ آشور موضع تشكيك متزايد في الأوساط العلمية، وفي سنة 1825 كان إرنست فريدريش كارل روزنمولر أول من أدرك، اعتماداً على الورود الوحيد لاسم سرجون في الكتاب المقدس، أنه كان ملكًا متميزًا. وعلى الرغم من أن هذا الرأي لقي بعض التأييد من الباحثين في السنوات اللاحقة، فإن أهم التطورات جاءت بعد اكتشاف على الرغم من وجود بعض الدعم العلمي الإضافي خلال السنوات اللاحقة، إلا أن أهم التطورات جاءت بعد اكتشاف بول إميل بوتا لآثار العاصمة القديمة لسرجون، دور شاروكين عام 1843. وقبل فك رموز النقوش المسمارية في عام 1847، كان من المستحيل تحديد هوية باني المدينة. في عام 1845 كان إيزيدور لوفنشتيرن أول من اقترح أن يكون سارجون هو الباني لتلك العاصمة؛ على الرغم من أن تحليله كان يفتقر إلى أساس علمي متين، إلا أن استنتاجه كان صحيحاً من قبيل المصادفة. وبعد فك رموز النقوش أثبت أدريان بريفوست دي لونجبيرييه عام 1847 بصورة قاطعة أن سرجون هو مؤسس دور شاروكين. ومع ذلك، لم يُعترف بسرجون فورًا بوصفه ملكاً مستقلاً، إذ استمر بعض الباحثين في اعتباره الشخص نفسه الذي عُرف بأحد الملوك الآشوريين الآخرين الأكثر شهرة. إلا أن الدراسات التي نُشرت خلال خمسينيات وستينيات القرن التاسع عشر، ولا سيما أعمال إدوارد هينكس وأوستن هنري لايارد وجورج سميث في تحويل سارجون تدريجياً إلى كيان مرجعي في الكتب الدراسية. وفي عام 1886، أُفردت له مقالة مستقلة في الطبعة التاسعة من موسوعة البريطانية وبحلول مطلع القرن العشرين أصبح يحظى بالقدر نفسه من القبول والاعتراف الذي حظي به غيره من كبار ملوك الإمبراطورية الآشورية الحديثة.

الخلفية

إعادة اكتشاف دور-شاروكين

وفي هذا السياق، ظلّت بلاد الرافدين مهملة إلى حد كبير من قِبل علماء الآثار الغربيين. وععلى خلاف الحضارات القديمة الأخرى، لم تترك آشور ولا سائر حضارات بلاد الرافدين أطلالًا عظيمة ظاهرة فوق سطح الأرض؛ إذ لم يكن يُرى منها سوى تلال ترابية ضخمة مكسوّة بالعشب في السهول، وكان بعض الرحالة يظنون أنها ليست سوى تكوينات طبيعية. ولم تكن هذه البقايا القليلة تتوافق مع الفكرة السائدة في أوروبا عن المدن العظيمة في العالم القديم، ذات الأعمدة الحجرية والمنحوتات الضخمة، مثل مدن اليونان وبلاد فارس. وفي أوائل القرن التاسع عشر، بدأ المستكشفون وعلماء الآثار الأوروبيون لأول مرة التنقيب في تلك التلال الأثرية، إلا أن اهتمام علماء الآثار الأوائل انصبّ في المقام الأول على تأكيد صحة ما ورد في الكتاب المقدس من خلال حفرياتهم، أكثر من اهتمامهم بتقديم تفسيرات جديدة للأدلة التي كانوا يكتشفونها. اوقد استُلهمت أعمال التنقيب الأولى إلى حد كبير من الاكتشافات الأثرية التي حققها وكيل الأعمال البريطاني كلوديوس ريتش في موقع نينوى عام 1820. وبعد اكتشافات ريتش، أقنع يوليوس فون مول ، أمين عام الجمعية الآسيوية الفرنسية، السلطات الفرنسية باستحداث منصب قنصل فرنسي في الموصل ، والشروع في أعمال التنقيب في نينوى. وكان أول قنصل يتم تعيينه في الموصل هو بول إميل بوتا في سنة 1841.

من جانب آخر، وباستخدام الأموال التي أمّنها مول، أجرى بوتا أعمال تنقيب واسعة في نينوى. ونظراً إلى أن أطلال المدينة القديمة كانت مدفونة على عمق كبير تحت طبقات متراكمة من الاستيطان اللاحق والأنشطة الزراعية، لم يتمكن بوتا من الوصول إليها. وفي الوقت الذي فشلت فيه أعمال التنقيب في نينوى في الكشف عن أي اكتشافات ذات أهمية، أُعيد اكتشاف أطلال دور شاروكين مصادفةً. بعد أن سمع بوتا من السكان المحليين في عام 1843 بأن بعض الاكتشافات قد تم العثور عليها في قرية خورساباد، الواقعة على بعد 20 كيلومترًا إلى الشمال الشرقي، نقل بوتا أعماله إليها. ومن خلال أعمال التنقيب التي أشرف عليها بوتا ومعاونه فيكتور بليس، تم اكتشاف أطلال قصر سرجون القديم سريعاً. ولم يكن بوتا يعلم ما الذي عثر عليه، إذ لم تكن الكتابة المسمارية قد فُكّت رموزها بعد، ولذلك اكتفى في كتاباته بالإشارة إلى الموقع بوصفه «معلماً». شملت الأعمال الفنية العظيمة التي عُثر عليها في دور شاروكين نقوشًا بارزة ضخمة وتماثيل حجرية للثور المجنح (لاماسو). وسرعان ما أبلغ مول الأوساط العلمية في باريس بهذا الاكتشاف. وفي عام 1847، أُقيم أول معرض على الإطلاق للمنحوتات الآشورية في متحف اللوفر، وتكوّن من اللقى المكتشفة في قصر سرجون. وبعد عودته إلى أوروبا في أواخر أربعينيات القرن التاسع عشر، أعدّ بوتا تقريراً مفصلاً عن الاكتشافات، أرفقه بالعديد من الرسومات للنقوش البارزة، أنجزها الفنان أوجين فلاندان. وقد نُشر التقرير عام 1849، وأبرز روعة الفن والعمارة الآشوريين، وحظي باهتمام استثنائي. وتحت إشراف بوتا وبلاس، جرى التنقيب عن كامل القصر على وجه التقريب، كما نُقّبت أجزاء من المدينة المحيطة به.

التطورات الأكاديمية

دور-شاروكين والمسمارية

  • أصبح اليوم معروفًا بدرجة أكبر من كثير من أسلافه وخلفائه.
  • انظر كذلك
  • لعن الذاكرة
  • تعديل تاريخي
  • ملاحظات
  • المراجع

وفي السياق ذاته، لعبت مقالة مجهولة المؤلف في الطبعة الثامنة من دائرة المعارف البريطانية عام (1853) دوراً كبيراً في ترسيخ الاعتراف بسرجون لأنها دافعت عن وجوده بوصفه ملكاً مستقلاً. وكان عالم الآشوريات الأيرلندي إدوارد هينكس من أوائل الذين حاولوا التوفيق بين تسلسل ملوك آشور وبابل استناداً إلى كل من التقاليد التوراتية والمصادر المسمارية؛ وقد اعتبر عمله الذي صدر عام 1854، والذي شاع بفضل راولينسون عام 1862 عن سرجون بوصفه ملكاً مستقلاً. وبدأ الكثير من العلماء والباحثين في هذا الوقت على وجه التقريب في تأييد وجود سرجون. وكان من الأعمال المهمة في هذا الصدد مقال نشره عالم الآثار البريطاني أوستن هنري لايارد في عام 1858، حيث جادل فيه استناداً إلى النقوش المترجمة بأن سرجون خلف شلمنصر وسبق سنحاريب. كما نُشر عمل آخر بالغ الأهمية لعالم الآشوريات الإنجليزي جورج سميث عام 1869، أعاد فيه بناء فترة حكم سرجون من خلال النقوش والوثائق الاقتصادية والنصوص الإدارية.

وفي هذا الصدد، بحلول عام 1886، لم يعد هناك أي خلاف حول وجود سرجون؛ ففي ذلك العام خُصصت مستقلة خاص للملك سرجون في الطبعة التاسعة من «دائرة المعارف البريطانية». في سنة 1901، كتب عالم الآشوريات البريطاني أرشيبالد سايس مقالةً مطولة عن عهد سرجون. لم تتضمن مقالة سايس أي إشارة إلى الخلافات السابقة المحيطة بهوية سرجون ووجوده، مما يدل على أنه بحلول ذلك الوقت كان مقبولاً ومعترفاً به مثل أي من ملوك الإمبراطورية الآشورية الحديثة العظماء الآخرين. في القرن الذي أعقب مقال سايس، حولت دراسات أخرى سرجون إلى ملك آشوري معروف للغاية. وبفضل الكم الهائل من المصادر التي خلّفها عهده، حتى أصبح اليوم أكثر شهرة من الكثير من أسلافه وخلفائه.

ومن جهة أخرى، بعد وقت قصير من نشر أخبار الاكتشافات في دور شروكين، كان عالم الآشوريات الألماني إيسيدور لوفنشتيرن أول من اقترح أن المدينة قد بناها سرجون المذكور بإيجاز في الكتاب المقدس، إلا أنه كان يرى كذلك أن سرجون هو نفسه أسرحدون. وكان تحديد لوفنشتيرن، الذي نُشر عام 1845، أقرب إلى مصادفة غريبة منه إلى دراسة علمية متعمقة. فقد كان لوفنشتيرن يعمل قبل عامين من فك رموز الكتابة المسمارية، واعتمد في تحديده أساساً على نقش بارز من دور شروكين يصور مدينة ساحلية تتعرض لهجوم آشوري. وفي النقش المصاحب للنقش البارز، قرأ لوفنشتيرن خطأً اسم «أشدود»، وهي مدينة ورد ذكرها مقترنةً بسرجون في سفر إشعياء. ثم عزل العلامات التي اعتقد أنها تمثل اسم الملك، وبناءً على تشابهها مع الحروف العبرية، ظن أنها تشكل رسك (rsk)، فقرأها ساراك (Sarak)، ثم اعتبرها صيغةً من اسم سرجون. وعلى الرغم من أن هذا التحليل كان خاطئاً في جميع مراحله، فقد كان لوفنشتيرن محقاً، من قبيل المصادفة، في أن الاسم الملكي الوارد في النقش هو سرجون.

وفي السياق ذاته، بعد فك رموز الكتابة المسمارية في سنة 1847، أكد عالم الآثار الفرنسي أدريان بريفوست دي لونجبيرييه في نفس العام أن اسم باني دور شاروكين هو سرجون. كما أيد المستشرق البريطاني هنري راولينسون هذا التفسير وإن كان على مضض إلى حد ما في سنة 1850، على الرغم من أن راولينسون كان لا يزال يعتبر سرجون وشلمنصر شخصاً واحداً. وعلى الرغم من أن بعض مؤيدي التسلسل الزمني التقليدي للملوك ظلوا مترددين في حسم تاريخية سرجون، فإن ترجمات النقوش المكتشفة في دور شروكين، إلى جانب إقامة مزيد من المعارض للقى المكتشفة في متحف اللوفر، جعلت سرجون شخصيةً ثابتة في الدراسات التاريخية بحلول ستينيات القرن التاسع عشر.

سرجون في المصادر القديمة

من جهة ثانية، لم ينسَ السكان المحليون في شمال بلاد ما بين النهرين آشور القديمة أو حكامها البارزين. ويأتي الدليل على بقاء ذكر سرجون الثاني بصورة ما في بلاد الرافدين في عدد قليل من المصادر اللاحقة المكتوبة باللغة الآرامية. فبحسب كتاب تاريخ كرخا الذي يعود إلى القرن السادس الميلادي، فإن اثنتي عشرة عائلة من العائلات النبيلة المعاصرة آنذاك في كرخا ( أرافا القديمة) كانت منحدرة من نسل النبلاء الآشوريين القدماء، وقد ذُكر صراحةً أنهم كانوا يعيشون هناك في "زمن سرجون". كما بقي الاسم الشخصي سرجون مستعملاً، إذ توجد، مثلًا، سجلات لكاهن في ماردين خلال القرن الثامن الميلادي كان يُدعى "سرجونو" ولم يكن لهذه المصادر الشحيحة تأثير يذكر على الدراسات اللاحقة في أوروبا الغربية ، حيث استُمدت المعرفة عن آشور بشكل أساسي من كتابات المؤلفين الإغريق واللاتينيين الكلاسيكيين فضلًا عن الروايات المتعلقة بالإمبراطورية الآشورية في الكتاب المقدس.

وفي السياق ذاته، على الرغم من أن بعض الملوك الآشوريين، مثل سنحاريب وإسرحدون، قد ورد ذكرهم في مواضع متعددة في الكتاب المقدس، إلا أن اسم سرجون لا يظهر إلا مرة واحدة فقط في سفر إشعياء ( الآية 20: 1) ولم يُذكر في المصادر الكلاسيكية. أثار ظهور اسم سرجون في الكتاب المقدس حيرة علماء الآشوريين الأوائل، وكانوا يميلون إلى اعتباره اسماً ثانياً لأحد الملوك الأكثر شهرة، قد يكون شلمنصر الخامس أو سنحاريب أو أسرحدون. وورِد ذكر سرجون في «قائمة الملوك» التي وضعها بطليموس في القرن الثاني الميلادي بوصفه أحد حكام بابل، إلا أنه ورد تحت الاسم اليوناني «أركيانوس» (Arkeanos). وعلى الرغم من أن الباحثين وجدوا صعوبة في تحديد هوية أركيانوس، فإنه لم يكن الاسم الوحيد في قائمة الملوك التي لم تكن مدعومة بمصادر أخرى معروفة في ذلك الوقت. وقد طُرحت تفسيرات متعددة لهوية أركيانوس؛ وحتى عام 1857، اقترح ماكسيميليان فولفغانغ دونكر تحديد أركيانوس على أنه شقيق سنحاريب وحاكم تابع لبابل.

في هذا الإطار، وبسبب جهود سنحاريب، نادرًا ما يُذكر سرجون في المصادر القديمة. وقد ورد ذكره بوصفه أحد الأسلاف في نقوش بعض الملوك الآشوريين اللاحقين، مثل حفيده أسرحدون (حكم 681–669 ق.م.)، وحفيده الأكبر شمش شوم أوكين (حكم 668–648 ق.م. في بابل)، وحفيد حفيده سين شار إشكون ( 627–612 قبل الميلاد). سقطت آشور القديمة في أواخر القرن السابع قبل الميلاد، أي بعد أقل بقليل من قرن على وفاة سرجون. وبما أن الكتابة المسمارية لم تُفك رموزها من قبل الباحثين المعاصرين إلا في منتصف القرن التاسع عشر، فإن هذه الإشارات التي تؤكد وجود سرجون لم يكن بالإمكان قراءتها من قبل المؤلفين والعلماء لقرون عديدة بعد سقوط آشور.

وفاة سرجون وتداعياتها

وفي السياق ذاته، تولى سرجون الثاني عرش الإمبراطورية الآشورية الحديثة في عام 722 قبل الميلاد. بحلول وقت وفاته (عام 705 ق.م.) كان قد حكم الإمبراطورية بنجاح ملحوظ لمدة 17 عاماً، حقق خلالها نجاحات بارزة. حيث وسّع حدود الإمبراطورية توسعاً كبيراً، وألحق الهزيمة بأبرز خصومها، وأسس عاصمة جديدة سميت باسمه "دور-شاروكين". غير أن حملته العسكرية الأخيرة، التي وُجهت إلى منطقة تابال في جنوب شرقي الأناضول، والتي استعصى عليه إخضاعها، حيث انتهت بكارثة بعد أن تعرض المعسكر الآشوري لهجوم مباغت من قبل غوردي حاكم كولوما، انتهى بمقتل سرجون بعد قتال عنيف، ولم يتمكن الجنود من استعادة جثمانه.

إضافةً إلى ذلك، تضررت مكانة سرجون وإرثه في آشور القديمة بشدة بسبب الطريقة التي لقي بها مصرعه؛ إذ شكّل مقتله في ساحة المعركة، وعجز الجيش عن استعادة جثمانه، صدمة نفسية كبيرة للإمبراطورية الآشورية. كان الآشوريون القدماء يعتقدون أن من يموت من دون أن يُدفن يتحول إلىشبح (إيديمو) يمكن أن يعود ليؤرق الأحياء. وكان يُعتقد كذلك أن هذه الأشباح تعيش وجوداً بائساً، فهي جائعة ومضطربة وهائمة بلا راحة بصورة مستمرة. كان سنحاريب ابن سرجون وخليفته، يشعر بالرعب من موت والده واعتقد أنه لا بد من إنه ارتكب خطيئة لا تُغتفر جعل الآلهة تتخلى عنه، وربما كان ذلك لأنه أساء إلى إله بابل عند استيلائه على المدينة عام 710 ق.م. ونتيجةً للآثار والدلالات الدينية المترتبة على موت سرجون، بذل سنحاريب كل ما في وسعه للنأي بنفسه عن والده، فلم يدوّن أي نص ولم يُقم أو يشيد أي شيء تخليدًا لذكراه؛ كما نقل العاصمة إلى نينوى وسعى إلى إزالة آثار صور سرجون ومنجزاته من أنحاء الإمبراطورية؛ فمثلًا، تم إخفاء الصور التي أنشأها سرجون في معبد آشور وذلك من خلال رفع مستوى فناء المعبد.

سرجون في الدراسات المبكرة

علاوةً على ذلك، بالاعتماد على المعلومات الكلاسيكية والكتابية، أعاد علماء الآشوريات الأوائل بناء تسلسل ملوك آشور بدءاً من نينوس وسميراميس الأسطوريين في القرن الثامن والعشرين قبل الميلاد، يليهما فراغ زمني طويل لم يكن يُعرف خلاله أي حكام، ثم يستأنف التسلسل مع بول، تغلث فلاسر ، وشلمنصر، وسنحاريب، وإسرحدون، وأخيراً سردانابالوس، الذي سقطت الإمبراطورية الآشورية في عهده. تم حذف نينوس وسميراميس في بعض الأحيان نظراً لشكوك العلماء في صحة قصتهما تاريخياً، إلا أن التسلسل ابتداءً من بول كان متطابقاً على وجه التقريب لدى جميع علماء الآشوريات في القرن الثامن عشر. كما ذُكر، فإن ورود اسم سرجون مرة واحدة فقط في الكتاب المقدس دفع العلماء والباحثين إلى اعتبار الاسم اسماً آخر لأحد الملوك الأكثر شهرة؛ فمثلًا، حدّد كلٌّ من كامبيجيوس فيترينغا وهمفري بريدو على أنه شلمنصر، في حين حدّد روبرت لوث سرجون على أنه سنحاريب، بينما حدّد كلٌّ من بيريزونيوس ويوهان دافيد ميكايليس سرجون على أنه أسرحدون.

من جهة ثانية، في أوائل القرن التاسع عشر، بدأ التصور الأكاديمي السائد عن آشور يواجه تحدياً متزايداً. وعلى وجه الخصوص، شهد النصف الأول من القرن التاسع عشر في الأوساط العلمية الألمانية ظهور عدد من المؤرخين الذين اقترحوا أن سرجون كان ملكًا تاريخيًا مستقلًا. وكان أول مؤرخ يفعل ذلك إرنست فريدريش كارل روزنمولر عام 1825، إذ وضع سرجون خلفاً لتغلث فلاسر. كما اعتبر فيلهلم غيزينيوس عام 182، وأوغست فيلهلم كنوبل عام 1837، و عام 1847، وهينريتش إيفال في عام 1847، وجورج بنديكت فينر عام 1849 سرجون ملكاً مستقلاً؛ فكان يُوضع أحياناً بعد تغلث فلاسر، وأحياناً بعد شلمنصر.

ما رأيك في هذه المقالة؟

📝 هل في هذه المقالة خطأ؟

إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.