أنسنة الذكاء الاصطناعي
المحتويات

قبل الخوض في التفاصيل، أنسنة الذكاء الاصطناعي هي إسناد صفات بشرية إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي. وتشمل هذه الصفات الوعي، والعاطفة، والنية، والشخصية، والقدرة على الفهم أو الرغبة أو المسؤولية. تظهر الأنسنة عندما يفسر المستعمل مخرج النظام بوصفه فعلًا صادرًا عن ذات. وتظهر كذلك عندما يصمم النظام ليقدم إشارات بشرية، مثل الاسم، أو الصوت، أو الوجه، أو ضمير المتكلم. وتختلف حدتها بحسب المجال، ودرجة التفاعل، وحجم الصلاحيات التي يمنحها المستعمل للنظام. وتعرض الأقسام التالية جوانب أخرى من الموضوع.
وفي السياق ذاته، تختلف أنسنة الذكاء الاصطناعي عن التجسيم العام. فالتجسيم أوسع، لأنه يشمل إسناد صفات بشرية إلى الطبيعة أو الرمز. أما أنسنة الذكاء الاصطناعي فتقع داخل علاقة تقنية مباشرة. يدخل المستعمل سؤالًا أو أمرًا. يعالج النظام المدخل. ينتج النظام ردًا أو فعلًا. ثم يفسر المستعمل هذا المخرج تفسيرًا اجتماعيًا أو نفسيًا. ويتحول النظام في ذهن المستعمل من أداة معالجة إلى طرف حواري أو صاحب قصد.
ومن ناحية أخرى، تزداد هذه الظاهرة في الأنظمة الحوارية. فالأنظمة القائمة على النماذج اللغوية الكبيرة تنتج جملًا مترابطة، وتحافظ على سياق محادثة، وتغير الأسلوب بحسب الطلب. وقد يقرأ المستعمل هذه الطلاقة فهمًا. وقد يقرأ الاعتذار إدراكًا للخطأ. وقد يقرأ التعاطف شعورًا. أما من جهة البنية التقنية، فالنظام يحسب احتمال المخرج التالي داخل سياق لغوي، ثم يولد صيغة مناسبة للمدخل.
العلوم الإجتماعية
وفي هذا الصدد، يرتبط ذلك بالغرفة الصينية، وهي حجة قدمها جون سيرل ضد مساواة معالجة الرموز بالفهم. تفترض الحجة شخصًا يتبع قواعد للتعامل مع رموز صينية دون فهمها. وتستعمل هذه الحجة في نقاش الأنظمة اللغوية. فهي تميز بين إخراج رد صحيح وبين امتلاك معنى داخلي.
وفي هذا الصدد، تدخل الأنسنة في تصميم المنتجات الرقمية. فالشركات تختار شخصية للواجهة. وتحدد نبرة الرد وتقرر مقدار الذاكرة. وتختبر أثر الاسم والوجه والصوت في التفاعل. وقد يكون الهدف تحسين سهولة الاستعمال أو رفع الانخراط. وقد يكون الهدف التجاري زيادة الاستخدام أو الاحتفاظ بالمستعمل.
من جهة ثانية، وتتصل الأنسنة كذلك بمفهوم القصدية. فالقول إن النظام يريد أو يعرف أو يفضل يضعه في لغة القصد. وقد تكون هذه اللغة مجازًا عمليًا. وقد تتحول إلى اعتقاد حقيقي عند المستعمل. لذلك يحتاج الخطاب الموسوعي والتقني إلى تمييز بين الوصف المجازي والوصف البنيوي.
كذلك، تتصل أنسنة الذكاء الاصطناعي بسؤال فلسفة العقل. فالإنسان يميز عادة بين السلوك الخارجي والحالة الداخلية. وقد يرى كلامًا منظمًا، ثم يستنتج عقلًا. لكن الفلسفة تسأل عن معيار هذا الاستنتاج. هل يكفي السلوك؟ أم يلزم وجود تجربة داخلية؟ أم يلزم فهم دلالي؟
إضافةً إلى ذلك، وتزداد الحساسية في المجالات الضعيفة أو الشخصية. فالطفل، والمريض، والوحيد، والطالب، والمستهلك القَلِق قد يتأثرون بدرجة أعلى. لذلك يرتبط التصميم التجاري بالشفافية والعدالة. ولا يكفي أن يكون الرد لطيفًا. بل يجب أن يكون وضع النظام وحدوده واضحين.
الآليات
وعلى صعيد آخر، تظهر الآلية بوضوح في تأثير إليزا. فقد صمم جوزيف فايزنباوم برنامج إليزا في ستينيات القرن العشرين. كان البرنامج يستعمل مطابقة الأنماط، ثم يعيد صياغة كلام المستعمل في صورة سؤال أو تعليق. ومع ذلك، قرأ بعض المستعملين الرد فهما طبيعيا. يوضح هذا المثال كيف قد تنتج الأنسنة من فجوة بين بساطة البنية وقوة التأويل الاجتماعي.
من جهة ثانية، وتؤثر السرعة في الحكم فالرد السريع قد يبدو حاضر الذهن والرد المتأخر قد يبدو مفكرًا. وفي الحالتين، قد يستعير المستعمل مفاهيم بشرية لتفسير زمن المعالجة. بينما يعود الزمن تقنيًا إلى حجم النموذج، وسعة الخادم، وطول السياق، وعدد الأدوات المستدعاة.
إضافةً إلى ذلك، تدخل معالجة اللغة الطبيعية في هذه الآلية طبقة تحويل. فهي تجعل النص قابلًا للمعالجة الحاسوبية. وقد تشمل العملية تجزئة الجملة، وتحليل البنية، وتمثيل الكلمات، وتمرير السياق إلى النموذج. لا يرى المستعمل هذه الطبقة. لكنه يرى جملة منسقة وقد يفهمها كعقل ذاتي.
في هذا الإطار، في النظام اللغوي، تبدأ الآلية من النص. يقرأ المستعمل عبارة مثل أفهم ما تقصد. ثم يقارنها باستجابة بشرية معروفة فيما بعد ينسب الفهم إلى النظام. أما من جهة المعالجة، فقد تنتج العبارة من نموذج لغوي كبير تعلّم ترابطات لغوية من بيانات تدريب. فالمدخل نص والعملية ترجيح احتمالي داخل النموذج والمخرج جملة مناسبة ضمن مجموعة متجهات.
ومن ناحية أخرى، درست روزاليند بيكار كيف تستطيع الأنظمة الحاسوبية التقاط الإشارات الوجدانية، أو محاكاتها، أو الاستجابة لها. وتعرف تلك الأنشطة تحت مجال الحوسبة العاطفية. فعندما يرد النظام بنبرة متعاطفة، يقرأ المستعمل تلك النبرة كحالة شعورية. أما تقنيًا، فقد تكون الاستجابة ناتجة من تصنيف للبيانات، أو من قالب لغوي، أو من سياسة رد.
وفي هذا السياق، أما في بوتات الدردشة، فتظهر الأنسنة من اللغة المتبادلة. يكتب المستعمل سؤالًا. يرد النظام بجملة موجهة إليه. ثم تتراكم الردود في مسار محادثة. وكلما حافظ النظام على نبرة ثابتة، زادت صورة الشخصية. وإذا استعمل النظام اسم المستعمل أو تفضيله، ظهرت الألفة.
من جهة ثانية، ويرتبط هذا الجانب بمفهوم الوادي الغريب. فقد وصف ماساهيرو موري سنة 1970 حالة النفور التي قد تظهر عندما يقترب الكيان الاصطناعي من شبه الإنسان، مع بقاء خلل في الحركة أو الهيئة. يوضح المفهوم أن زيادة الشبه البشري قد ترفع الألفة، ثم تخفضها عند أبسط اختلال.
من جانب آخر، وترتبط الآلية كذلك باختبار تورنغ. فقد جعل آلان تورنغ المحادثة المكتوبة مدخلًا للحكم على السلوك الذكي في مقالته الأشهر آلات الحوسبة والذكاء سنة 1950. ويظهر أثر ذلك في أن اللغة تستطيع أن تمنح النظام هيئة عقلية، حتى قبل ظهور وجه أو صوت أو جسد.
من جانب آخر، وتلعب الهيئة دورًا مركزيًا في الروبوتات الاجتماعية. الوجه يوجه الانتباه والعينان توحيان بالنظر وحركة الرأس توحي بالإصغاء. وعندما يقترن ذلك برد لغوي، تظهر طبقة اجتماعية مركبة. ويصبح المستعمل أمام نظام يتكلم ويتحرك وينتظر، فيقرأه وفق قواعد تفاعل الإنسان مع الحاسوب.
علاوةً على ذلك، ترتبط هذه الآلية بنظرية العقل. فالمستعمل معتاد على تفسير أفعال الناس بإرجاعها إلى نيات، ومعتقدات، ورغبات. وعندما يواجه نظامًا ينتج لغة منظمة، يستعمل الآلية نفسها. لذلك قد ينسب إلى النظام معرفة أو رغبة، مع أن النظام يعمل عبر خوارزميات، أو قواعد تشغيلية، أو نماذج احتمالية.
من جانب آخر، تبدأ الأنسنة التصميمية من واجهة المستعمل. يختار المصمم اسمًا، أو رمزًا، أو صوتًا، أو هيئة. ثم يحدد أسلوب الرد. لاحقًا يضبط ذاكرة النظام وصلاحياته. كل عنصر من هذه العناصر يضيف إشارة اجتماعية. وقد تتجمع الإشارات الصغيرة في صورة شخصية كاملة.
وفي هذا الصدد، يلعب الصوت دورًا أوسع في المساعدات الافتراضية. فالنبرة، والتوقف، والارتفاع، واللين، تمنح النظام حضورًا اجتماعيًا.
إضافةً إلى ذلك، وتؤثر الاستمرارية الحوارية فإذا تذكر النظام معلومة سابقة، فقد يقرأ المستعمل ذلك بوصفه معرفة شخصية. أما بنيويًا، فقد تكون المعلومة داخل سياق المحادثة، أو داخل ذاكرة مخزنة، أو داخل قاعدة بيانات. وفي كل حالة، يختلف مصدر الاستحضار. ويؤثر هذا الاختلاف في خصوصية المعلومات، وفي توقعات المستعمل، وفي دقة النتيجة.
ومن جهة أخرى، تؤثر الطلاقة في هذا الحكم. فالجملة السليمة نحويًا قد تمنح النظام صورة عقلية أقوى. والتسلسل المنظم قد يمنح النظام صورة تخطيطية. والرد الطويل قد يمنح النظام صورة معرفة واسعة. وإذا حمل الرد ثقة لغوية، فقد تقل مراجعة المستعمل للمصدر أو الدليل.
كذلك، تؤثر قابلية الاستخدام في قوة الأنسنة. فالواجهة السلسة تقلل شعور المستعمل بوجود نظام وسيط. وتسمح له بالانتقال من الطلب إلى الجواب دون احتكاك تقني ظاهر. وكلما قل الاحتكاك، زاد احتمال قراءة النظام طرفًا حاضرًا. ولهذا تتداخل الأنسنة مع تصميم واجهة المستعمل.
وعلى صعيد آخر، تعمل أنسنة الذكاء الاصطناعي عبر سلسلة إدراكية قصيرة. يرى المستعمل إشارة بشرية ثم يربطها بخبرة اجتماعية مألوفة. فيما بعد يستنتج حالة داخلية. وقد تكون هذه الحالة قصدًا، أو معرفة، أو تعاطفًا، أو شخصية. ينتقل الحكم هنا من السلوك الظاهر إلى معنى ذهني مفترض.
المصطلح
ومن ناحية أخرى، يرتبط المصطلح بمفهوم الأنسنة في العلوم الاجتماعية. ويشير إلى نقل صفات الإنسان إلى كيان آخر. وفي سياق الذكاء الاصطناعي، يتصل النقل بواجهة حاسوبية أو نموذج حسابي أو روبوت اجتماعي. ويظهر الفرق من طبيعة النظام. فالآلة الحديثة تتكلم، وتلخص، وتقترح، وتنفذ. لذلك قد تبدو أقرب إلى فاعل اجتماعي من أداة جامدة.
ومن ناحية أخرى، تظهر الحدود كذلك في الفرق بين الشخصنة والتخصيص. فالشخصنة تجعل النظام يبدو ذا شخصية. أما التخصيص فهو ضبط المخرج حسب بيانات المستعمل أو تفضيلاته. قد يجتمع الأمران في واجهة واحدة. وقد يختلطان عند المستعمل، خاصة إذا قدم النظام التخصيص بلغة ودية أو تذكر تفاصيل سابقة.
علاوةً على ذلك، تتعلق حدود المصطلح بسؤال القدرة. فقد ينتج النظام لغة تشبه لغة الإنسان. وقد ينجز مهمة محددة داخل تطبيق. وقد يستحضر معلومات من سياق سابق. لكن هذه الأفعال لا تعني بالضرورة امتلاك وعي أو نية أو تجربة ذاتية. لذلك تستعمل الأنسنة لوصف التصميم، لا لإثبات حالة للنظام.
من جانب آخر، تتكون الأنسنة من ثلاثة عناصر. العنصر الأول هو إشارة بشرية ظاهرة. وقد تكون كلمة، أو صوتًا، أو وجهًا، أو حركة. والعنصر الثاني هو تفسير المستعمل لهذه الإشارة. والعنصر الثالث هو الحكم الداخلي الذي ينسب إلى النظام. فإذا قال النظام أفهم، فقد يراها المستعمل في سياق اجتماعي ثم يستنتج ذاتية للنظام ويبني ثقة أو علاقة على هذا الاستنتاج.
الخلفية
في هذا الإطار، وفي السبعينيات كذلك، قدم ماساهيرو موري مفهوم الوادي الغريب. يصف المفهوم انخفاض الألفة عندما يقترب كيان اصطناعي من هيئة الإنسان، ثم يبقى ناقص الشبه. أثر هذا المفهوم في تصميم الروبوتات والشخصيات الرقمية. فالوجه القريب من الإنسان قد يزيد القبول في بعض الحالات. وقد يثير النفور إذا ظهرت الحركة أو النظرة أو الجلد على نحو غير متسق.
علاوةً على ذلك، وفي أوائل السبعينيات، ظهر برنامج باري، وهو بوت دردشة صممه كينيث كولبي لمحاكاة بعض أنماط الكلام المرتبطة بالبارانويا. قدم باري مثالًا آخر على قدرة النص الحواري على إنتاج قراءة إنسانية. فالبرنامج لم يمتلك تجربة نفسية لكنه أنتج نمطًا لغويًا جعل بعض المتلقين يقرأونه كحالة عقلية. ويكشف المثال أثر الأسلوب، لا أثر الوعي.
ومن ناحية أخرى، مع ظهور الذكاء الاصطناعي المولد، انتقلت الأنسنة من الحيل الحوارية القصيرة إلى النص الطويل، والصورة، والصوت، والفيديو. صار النظام يكتب جوابًا ممتدًا، ويعدل النبرة، ويصوغ حجة، ويحافظ على سياق. ثم جاءت الوكلاء البرمجية لتضيف التخطيط واستدعاء الأدوات. وبذلك صار المستعمل يرى لغة وفعلًا وذاكرة في نظام واحد.
في هذا الإطار، ثم توسع الموضوع مع الحوسبة العاطفية. ارتبط هذا المجال باسم روزاليند بيكار، وبأبحاث تتعلق بالتعرف على الوجدان، وتفسير الإشارات العاطفية، ومحاكاة الاستجابة الوجدانية. فتح هذا المسار بابًا جديدًا للأنسنة. فالنظام الذي يقرأ نبرة أو تعبيرًا، ثم يرد بأسلوب متعاطف، قد يبدو أقرب إلى كيان اجتماعي.
ومن جهة أخرى، سميت هذه الظاهرة لاحقًا تأثير إليزا. يشير المصطلح إلى ميل المستعمل إلى رؤية فهم أو قصد في نظام حواري بسيط. تبدأ الآلية بمدخل يكتبه المستعمل. يلتقط البرنامج كلمة أو تركيبًا ثم يرد بصيغة تبدو متصلة بالمعنى. يملأ المستعمل الفراغ التأويلي من خبرته الاجتماعية. وتظهر الأنسنة هنا من الفجوة بين البنية الفعلية للنظام والصورة التي يبنيها المستعمل عنه.
من جانب آخر، ارتبطت الأنسنة بتصورات مبكرة عن الآلات الذكية. فقد عرضت الأساطير والحكايات القديمة كائنات مصنوعة تتكلم أو تخدم أو تتحرك. ثم جاء تاريخ الذكاء الاصطناعي الحديث مع الحوسبة الرقمية، ومع السؤال عن قدرة الآلة على محاكاة التفكير. وفي سنة 1950 طرح آلان تورنغ اختبار المحاكاة، الذي صار يعرف باسم اختبار تورنغ. كان الاختبار مبنيًا على المحادثة المكتوبة. وبذلك وضع اللغة في قلب الحكم على الآلة.
ومن جهة أخرى، ظهر مثال مبكر واضح مع برنامج إليزا. صممه جوزيف فايزنباوم في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بين 1964 و1966. كان البرنامج يستعمل مطابقة الأنماط، ثم يعيد صياغة كلام المستعمل في صورة سؤال أو تعليق. اشتهر سيناريو الطبيب النفسي داخل إليزا. وقد شعر بعض المستعملين أن البرنامج يفهمهم، رغم أن بنيته كانت قائمة على قواعد نصية محدودة.
من جهة ثانية، وفي التسعينيات، درس بايرون ريفز وكليفورد ناس تعامل الناس مع الحواسيب والوسائط. عرضا في كتاب The Media Equation فكرة أن الناس يطبقون قواعد اجتماعية على الحواسيب والوسائط، حتى عندما يعرفون أنها أدوات. وقد ربط هذا الاتجاه بين تفاعل الإنسان مع الحاسوب وبين علم النفس الاجتماعي.
إطار NIST لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي
- إرشادات المفوضية الأوروبية عن شفافية أنظمة الذكاء الاصطناعي
- تصنيف الوادي الغريب في ويكي كومنز
- تصنيف الروبوتات الاجتماعية في ويكي كومنز
عوامل المستخدم
ومن جهة أخرى، تؤثر خبرة المستعمل في تفسير المخرج. فالمستعمل الذي يعرف طريقة عمل معالجة اللغة الطبيعية قد يفصل بين الطلاقة والفهم. يرى الجملة المرتبة بوصفها مخرجًا من نموذج. ويرى الخطأ بوصفه أثرًا من بيانات، أو سياق، أو صياغة طلب. أما المستعمل قليل الخبرة، فقد يربط الجواب المتماسك بقدرة عقلية أوسع. وقد يفسر الخطأ كقصد، أو تقصير، أو سوء فهم.
في هذا الإطار، وتؤثر الثقافة في إسناد الصفات. فبعض البيئات تمنح الأشياء والرموز حضورًا اجتماعيًا أكبر. وتتعامل مع الاسم، والصوت، والتحية، بوصفها علامات علاقة. وتؤثر اللغة في هذا المسار. فالضمير، واللقب، والفعل القصدي، تجعل النظام أقرب إلى صورة المخاطب. وتظهر هذه الصلة في دراسات الاستعراف الاجتماعي، حيث تفسر الأفعال من خلال السياق والعلامات الاجتماعية.
كذلك، وتؤثر معرفة المستعمل بالمؤسسة المالكة للنظام. فإذا حمل النظام اسم شركة معروفة، انتقلت الثقة من العلامة التجارية إلى المخرج. وإذا ظهر داخل مستشفى، أو جامعة، أو مصرف، اكتسب سلطة مؤسسية. هنا تصبح الأنسنة مركبة. فهي تأتي من اللغة، ومن واجهة النظام، ومن مكانته داخل مؤسسة.
ومن ناحية أخرى، يبدأ المستعمل من الجواب ثم يبحث عن سبب له. فإذا عرف بنية النظام، ربط الجواب بالنموذج والبيانات. وإذا غابت هذه المعرفة، استعمل تفسيرًا اجتماعيًا مألوفًا. لذلك ترتبط الأنسنة بتفاعل الإنسان مع الحاسوب، وبقدرة الواجهة على عرض حدود النظام.
من جهة ثانية، ويؤثر العمر في قوة الأنسنة. قد يتعامل الأطفال مع الروبوتات الاجتماعية والشخصيات الرقمية بإهتمام أكبر. وقد يفسرون الحركة، أو الرد، أو الاسم، حياة أو شعورًا. وقد يتعامل بعض كبار السن مع المساعد الصوتي بوصفه طرفًا اجتماعيًا ثابتًا. يزداد هذا الأثر عندما يكون النظام حاضرًا يوميًا في المنزل، أو الهاتف، أو السيارة.
في هذا الإطار، وتؤثر الحاجة الاجتماعية في القراءة الإنسانية. فالمستعمل الوحيد، أو القلق، أو الباحث عن دعم، قد يقرأ التعاطف في جملة حاسوبية. تبدأ الآلية بطلب شخصي. ثم يأتي رد هادئ أو متفهم. فيما بعد تنشأ ألفة. ومع تكرار المحادثة، يظهر تاريخ تفاعلي. وقد يتحول هذا التاريخ إلى اعتماد وجداني، خاصة في تطبيقات الرفقة والدعم النفسي.
الأنواع
علاوةً على ذلك، تظهر الأنسنة في الاعتذار والتعاطف. فقد يقول النظام إن الخطأ حدث منه. وقد يرد بعبارة مواساة. تسهل هذه الصيغ المحادثة، لكنها تنقل الخطأ إلى ذات لغوية. أما بنيويًا، فقد يعود الخطأ إلى بيانات التدريب، أو قيد النموذج، أو استدعاء واجهة برمجة تطبيقات، أو غموض المدخل. لذلك ترتبط الأنسنة اللغوية بخصوصية المعلومات، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وتفاعل الإنسان مع الحاسوب.
ومن ناحية أخرى، تستعمل الأنظمة البصرية الوجه، والعينين، والجسد. فالوجه يعطي نقطة نظر. والعينان تعطيان إحساسًا بالانتباه. وحركة الفم تربط الكلام بجسد. وعندما تجتمع هذه الإشارات، يظهر النظام كطرف اجتماعي. ويزيد ذلك في الروبوتات الاجتماعية، والشخصيات الافتراضية.
وفي السياق ذاته، يرتبط مثال كسمت بأبحاث معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا حول الروبوتات الاجتماعية. صممت سينثيا برازيل هذا الروبوت لدراسة التفاعل الاجتماعي بين الإنسان والآلة. اعتمد كسمت على وجه معبر، وحركة عينين، واستجابات صوتية وسلوكية. وقد أظهر أن الإشارة العاطفية البسيطة قد تكفي لتوليد قراءة اجتماعية.
ومن جهة أخرى، تختلف الأنسنة في الروبوتات عن الأنسنة في النصوص. فالروبوت يمتلك حضورًا ماديًا. يتحرك في مكان. يقترب أو يبتعد. يلتفت أو يتوقف. وكل حركة تحمل معنى اجتماعيًا. لذلك ترتبط الروبوتات الاجتماعية بقواعد المسافة، والنظرة، والإيماءة، وتوقيت الرد.
وفي هذا السياق، تعد اللغة الطبيعية أقوى أدوات الأنسنة في أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية. فالعبارة «أعتقد» تمنح النظام هيئة رأي. والعبارة «أعتذر» تمنحه هيئة مسؤولية. والعبارة «يسعدني» تمنحه هيئة عاطفة. وقد تكون هذه الصيغ نافعة في واجهة المستعمل، لكنها تزيد إسناد القصد إلى النظام.
إضافةً إلى ذلك، وتظهر في بوتات الدردشة عبر الحوار المتتابع. يكتب المستعمل رسالة. يرد النظام. ثم يتابع السياق. إذا حافظ النظام على الموضوع، بدا كأنه يفهم. وإذا ذكر معلومة سابقة، بدا كأنه يتذكر. وإذا غير الأسلوب بحسب نبرة المستعمل، بدا كأنه يراعي حالته. وقد عززت نماذج مثل شات جي بي تي هذه القراءة بسبب الطلاقة والاستمرارية.
من جهة ثانية، تظهر الأنسنة في المساعدات الافتراضية عبر النداء والجواب. يقول المستعمل أمرًا صوتيًا. يلتقط النظام الكلام. ثم يحوله إلى نص أو تمثيل داخلي. لاحقًا يبحث أو ينفذ أو يجيب. وتظهر الأنسنة لأن هذا المسار يشبه المحادثة البشرية. ومن أمثلته أمازون ألكسا.
وعلى صعيد آخر، تستعمل الأنظمة الصوتية الصوت، والنبرة، والسرعة، والتوقف. فالصوت الطبيعي يقلل مسافة الأداة. وقد يجعل المساعد الافتراضي حاضرًا في المكان. وتزداد الأنسنة عندما تتغير النبرة مع الحزن أو الفرح أو الاعتذار. وهنا يتصل التصميم بالحوسبة العاطفية، ومعالجة الكلام، والتعرف على الكلام.
في هذا الإطار، وتظهر أمثلة أخرى في ناو. يعتمد هذا النوع على هيئة صغيرة، وصوت، وحركة، وبرمجة تفاعلية. ويستعمل في التعليم، والبحث، والعروض التقنية. وقد يثير قراءة اجتماعية بوجود جسم، وتوقيت، واستجابة، دون شبه بشري كامل.
ومن جهة أخرى، تبدأ الأنسنة اللغوية من الضمير. فضمير المتكلم يبني مركزًا للكلام. وضمير المخاطب يبني علاقة مباشرة. وإذا تكرر ذلك في حوار طويل، ظهر نمط علاقة. وقد يقرأ المستعمل ثبات الأسلوب كهوية، مع أنه قد ينتج من تعليمات نظامية أو ضبط أسلوبي داخل نموذج لغوي كبير.
عوامل النظام
في هذا الإطار، يتكون النظام من عقد وروابط. العقد هي المستعمل، والنموذج، والذاكرة، والأداة، والخادم، والسجل. والروابط هي الطلبات، والاستدعاءات، والأذونات، والمخرجات. كل رابط يضيف أثرًا إدراكيًا. فإذا ظهر الرابط للمستعمل، فهم مسار العمل. وإذا غاب الرابط، بدا النظام كأنه يملك قدرة داخلية موحدة.
وفي السياق ذاته، تظهر عوامل النظام في بنية مادية وشبكية. فالنظام لا يظهر للمستعمل بوصفه نموذجًا فقط. بل يظهر عبر واجهة المستعمل، وخوادم، وقواعد بيانات، وواجهات برمجة التطبيقات، وسجلات تشغيل. تتولد الأنسنة من ترتيب هذه الطبقات، ومن طريقة عرضها داخل التفاعل.
وعلى صعيد آخر، تبدأ الطبقة الأولى باللغة. يستقبل النظام طلبًا. ثم يحوله إلى تمثيل حاسوبي عبر معالجة اللغة الطبيعية. لاحقًا ينتج النموذج اللغوي الكبير ردًا يحمل نبرة وصيغة. فالرد الواثق يعطي هيئة قرار. والرد المتعاطف يعطي هيئة رعاية. وضمير المتكلم يعطي النظام ذاتًا لغوية. لذلك تصبح الصياغة جزءًا من هندسة الإدراك، لا مجرد أسلوب كتابة.
علاوةً على ذلك، وتؤثر القيود في البنية نفسها. فالإذن، وسجل التدقيق، ونقطة الموافقة، تعمل كحواجز بين الكلام والفعل. يبدأ المسار بطلب. ثم تمرره طبقة السياسة. ثم تسمح الأداة بالفعل، أو تطلب تدخلًا بشريًا. بهذه الطريقة يظهر النظام كبنية تشغيلية مشروطة. وتضعف صورة الإرادة الذاتية، لأن القرار يصبح مرتبطًا بقاعدة وصلاحية..
من جانب آخر، تعمل الذاكرة كطبقة علائقية. فهي تربط طلبًا حاضرًا بمعلومة سابقة. يكون المدخل اسمًا، أو تفضيلًا، أو سجلًا. وتكون العملية تخزينًا، أو بحثًا، أو مطابقة. ويكون المخرج ردًا يبدو شخصيًا. فإذا عرض النظام مصدر المعلومة المحفوظة، ظهر التخصيص كعملية حاسوبية. وإذا اختفى المسار، ظهر الاستحضار كمعرفة شخصية. وترتبط هذه الطبقة بخصوصية المعلومات.
وفي هذا السياق، تمنح الأدوات النظام هيئة فاعل. فالنظام الذي يكتب جوابًا يبقى داخل اللغة. أما النظام الذي يفتح ملفًا، أو يقرأ جدولًا، أو يستدعي خدمة، فيدخل مجال التنفيذ. يرسل النظام وسيطات إلى واجهة برمجة التطبيقات. تعيد الخدمة نتيجة منظمة. ثم يعرض النظام المخرج للمستعمل. هنا تتشكل صورة الوكالة من العلاقة بين الطلب، والأداة، والإذن، والنتيجة.
وفي هذا الصدد، تؤثر الشفافية في ضبط هذه الصورة. فإذا عرض النظام المصدر، والخطوة، وحدود الثقة، صار أقرب إلى أداة قابلة للفحص. وترتبط هذه الطبقة بالذكاء الاصطناعي القابل للتفسير. فالشرح يحول المخرج من خطاب شخصي إلى أثر قابل للمراجعة. ويجعل العلاقة بين المدخل والنتيجة أوضح للمستعمل.
العوامل
من جهة ثانية، تتأثر أنسنة الذكاء الاصطناعي بعوامل تخص المستعمل، وعوامل تخص النظام. يدخل المستعمل إلى التفاعل بخبرة تقنية، وثقافة لغوية، وحاجة اجتماعية، وتوقع مؤسسي. ويدخل النظام إلى التفاعل بلغة، وواجهة، وذاكرة، وصلاحيات، وقدرة على الفعل. تتقاطع هذه الطبقات في لحظة الاستخدام، فيظهر النظام أحيانًا كطرف اجتماعي.
الأثر
كذلك، وأثرت في تصميم المنتجات. أصبحت الشركات تصوغ شخصية للنظام. وتحدد أسلوب الرد. وتختار درجة الود. وتضبط الذاكرة. وتبني حدودًا حول المجالات الحساسة. وهذا يجعل تصميم الواجهة جزءًا من تصميم السلامة. فالواجهة لا تعرض النظام فقط. بل تشكل المعنى الذي يعطيه المستعمل للنظام.
في هذا الإطار، وأثرت في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي. فقد صار السؤال يتعلق بطريقة تقديم النظام للناس. كما أثرت في سلامة الذكاء الاصطناعي. فالمخاطر لا تأتي من قدرة النظام وحدها. بل تأتي من تفسير الناس لهذه القدرة. فإذا فهم المستعمل النظام على أنه خبير أو صديق أو وكيل مستقل، تغير سلوكه. ولهذا تعد الأنسنة جزءًا من تقييم المخاطر الاجتماعية والتقنية.
ومن جهة أخرى، أثرت أنسنة الذكاء الاصطناعي في بحوث تفاعل الإنسان مع الحاسوب. فقد صار الباحثون يدرسون كيف تؤثر الأسماء، والأصوات، والوجوه، ونبرة الرد، في الثقة والاعتماد. كما يدرسون كيف يغير التصميم إدراك المسؤولية، وكيف يوجه الإفصاح، وكيف يؤثر في القرار.
- انظر كذلك
- تجسيم
- ذكاء اصطناعي
- تاريخ الذكاء الاصطناعي
- تفاعل الإنسان مع الحاسوب
- علم النفس الاجتماعي
- بوت دردشة
- مساعد افتراضي
- روبوت اجتماعي
- إليزا
- تأثير إليزا
- اختبار تورنغ
- واد غريب
- نموذج لغوي كبير
- ذكاء اصطناعي مولد
- حوسبة عاطفية
- تعاطف اصطناعي
- معالجة اللغة الطبيعية
- ذكاء اصطناعي قابل للتفسير
- أخلاقيات الذكاء الاصطناعي
- سلامة الذكاء الاصطناعي
- الغرفة الصينية
- نظرية العقل
- قصدية
- المراجع
- مصادر إضافية
- وصلات خارجية
- محاضرة ستانفورد عن الأنسنة في النماذج اللغوية
النطاق
كذلك، وقد تكون الأنسنة صريحة. يملك النظام اسمًا بشريًا، وصوتًا قريبًا من صوت الإنسان، وصورة رمزية ذات وجه. وقد تكون ضمنية. يرد النظام بعبارات مثل أرى أو أقترح أو أتعلم من تفضيلاتك. وتبدو هذه العبارات عملية في الحوار، لكنها تحمل دلالات إجتماعية في اللغة اليومية.
في هذا الإطار، وتظهر الأنسنة في العمل والتعليم والرعاية والترفيه. ففي العمل قد يظهر المساعد البرمجي كزميل. وفي التعليم قد يظهر كمعلم. وفي الرعاية قد يظهر كرفيق. وفي الترفيه قد يظهر كشخصية ذات جاذبية وقصة. ويفرض كل مجال مستوى مختلفًا من الحذر، لأن أثر الخطأ يختلف من مجال إلى آخر.
من جهة ثانية، يشمل نطاق أنسنة الذكاء الاصطناعي أنظمة لغوية، وأنظمة صوتية، وأنظمة بصرية، وأنظمة مجسدة. ففي بوتات الدردشة تظهر الأنسنة عبر اللغة. وفي المساعدات الافتراضية تظهر عبر الصوت والتنفيذ. وفي الروبوتات الاجتماعية تظهر عبر الجسم والحركة. وفي الشخصيات الرقمية تظهر عبر الوجه والسرد والحضور المتكرر.
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟