أرتابانوس الإسكندري

قبل الخوض في التفاصيل، أرتابانوس الإسكندري (باليونانية: Ἀρτάπανος ὁ Ἀλεξανδρεύς) مؤرخ من أصل يهودي إسكندري، يُعتقد أنه عاش في الإسكندرية خلال النصف الأخير من القرن الثالث أو الثاني قبل الميلاد. ويرى أغلب الباحثين أن أرتابانوس عاش في الإسكندرية، بينما يجادل آخرون بأنه أقام في الريف. وعاش أرتابانوس في مصر بصرف النظر عن ذلك. وفيما يلي تفاصيل أوسع عن ذلك.
وعلى صعيد آخر، ألف أرتابانوس كتاب «عن اليهود»، وهو تاريخ لليهود باللغة اليونانية بين عامي 250 و100 قبل الميلاد، غير أن هذا النص لم يبقَ حتى الوقت الحاضر. وتُفسر كتابات أرتابانوس على أنها رد على كتاب مثل مانيثون الذين كتبوا في وقت مبكر يعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد؛ ولذلك كتب أرتابانوس على الأرجح في تاريخ لا يسبق منتصف القرن الثالث. ويُحتمل أن أرتابانوس كتب في النصف الثاني من القرن الثالث قبل الميلاد تحت تأثير حكم بطليموس الرابع بين عامي 221 و204 قبل الميلاد؛ غير أن استشهاد ألكسندر بوليستر بأرتابانوس في منتصف القرن الأول قبل الميلاد يجعل من الرجح أن أرتابانوس كتب في تاريخ لا يتأخر عن نهاية القرن الثاني قبل الميلاد. ولم تبقَ كتابات بوليستر حتى الوقت الحاضر.
وفي السياق ذاته، حُفظت أجزاء من عمل أرتابانوس في كتب مؤرخين لاحقين: إكليمندس الإسكندري في كتاب «السمات» (الكتاب الأول، الفصل 23.154، 2f) ويوسابيوس القيصري في كتاب «الإعداد للإنجيل» (الكتاب التاسع، الفصول 18 و23 و27). ويذكر ج. ج. كولينز وجيمس هـ. شارلزورث أننا لا نملك اقتباسات فعلية من أرتابانوس، بل نملك فقط ملخصات ألكسندر بوليستر بقدر ما حفظها يوسابيوس.
اللاهوت والدوافع
وفي هذا الصدد، يرفض إريك غروين، من ناحية أخرى، هذه الطروحات معتبرا أنها تغفل تماما دعابة أرتابانوس ودافه الرئيسي بالتالي. ويجادل بأن أرتابانوس لم يرد لقرائه أخذ قصته الخيالية بحرفية، لأن أي شخص مطلع على القصص الكتابية سيتعرف بسرعة على إضافاته وتلاعباته الخيالية. وبدلا من ذلك، يؤكد غروين أن أرتابانوس يمازح الفراعنة ويبالغ في إنجازات الآباء اليهود لدرجة تصل إلى «أبعاد كوميدية» لكي يظهر ثقته بنفسه كيهودي في الشتات. وتعد حالة الراحة هذه هي ما هدف إلى منحها لقرائه اليهود.
كذلك، يحظى دافع أرتابانوس لكتابة تاريخه بنفس القدر من النقاش. ويوضح فرع من التحليل التوتر القائم بين يهود الشتات وجيرانهم الهيلينستيين. فمثلًا، يرى بعض الباحثين، مثل كارل هولاداي، كتابات أرتابانوس نوعا من «كتابة التاريخ التنافسية». ويجادل هؤلاء الباحثون بأن أرتابانوس هدف إلى الدفاع عن اليهود ضد هجمات المؤرخين غير اليهود مثل مانيتون، ويفسر هذا تصويره المتفوق للآباء اليهود. ويجادل جيمس شارلزورث من جامعة برينستون، مثلًا، بأن أرتابانوس صاغ «دفاعا مؤيدا لليهود» ردا على المفاهيم النمطية المصرية المناهضة لموسى ولليهود. ويفند آخرون الطرح السابق، مدعين استبعاد أن يقرأ أي من غير اليهود تاريخا مزخرفا لليهود يقلل من إنجازات ثقافاتهم الخاصة. وبدلا من ذلك، يؤكد هؤلاء الباحثون أن الجمهور المستهدف لأرتابانوس كان في المقام الأول هم اليهود أنفسهم، وأنه كتب هذا التاريخ الرومانسي لتعزيز غرورهم الوطني. ويقبل بعض الباحثين كلا الطرحين، معتبرين أن سرد أرتابانوس يمثل في الوقت نفسه كتابة تاريخ دفاعية وقطعة رومانسية من الدعاية الوطنية.
علاوةً على ذلك، يشكل لاهوت أرتابانوس مسألة خلاف شديد بين أوساط الباحثين. ويعده بعض الباحثين يهوديا متعددا للآلهة؛ حيث يرى جون باركلي، مثلًا، قبول أرتابانوس لعبادات الحيوانات المصرية وتصويره لموسى ككائن إلهي دليلا على تعدده للآلهة. ويلاحظ آخرون أن شغفه بالصلات الإعجازية لموسى يذكر بالوثنية الهيلينستية. وتؤمن مجموعة مختلفة من الباحثين، بالمقابل، بأن أرتابانوس مارس عبادة الإله الواحد مع الاعتراف بآلهة أخرى؛ فهو يعبد إلها واحدا بنفسه لكنه يقر بالوجود المحتمل لآلهة أخرى. ويجادلون بأن أرتابانوس يحافظ على تفوق يهوه طوال نصه، وأن تصويره لموسى ككائن إلهي يستند في الواقع إلى أصول كتابية.
الأثر الأدبي
ومن ناحية أخرى، يظهر أن أرتابانوس ترك أثرا ضئيلا عموما على الأدب اليهودي اللاحق، رغم احتمال تأثيره على المؤرخ اليهودي يوسيفوس.
المراجع
أعماله وتصويره لموسى
ومن ناحية أخرى، تتجلى إحدى أكثر النواحي لفتًا للنظر في أعمال أرتابانوس في السهولة التي يدمج بها بين الثقافة والدين اليهودي والمصري. ويكتب أرتابانوس أن موسى كان المسؤول عن تحديد «الإله الذي يُعبد في كل إقليم من الأقاليم الـ 36، وأن تكون هذه الآلهة هي القطط والكلاب وطيور أبو منجل». ولا ينطوي الشك على معرفة أرتابانوس بعبادات الحيوانات في مصر، إذ كانت الكثير من مراكز العبادة لتقديس القطط، مثل تل بسطة، وطيور أبو منجل، مثل تونا الجبل (خارج هرموبوليس)، مزدهرة في العصر الذي كتب فيه أرتابانوس. وللأسف، لا يمنحنا ذكر «القطط والكلاب وطيور أبو منجل» معرفة كافية عن مراكز العبادة المختلفة التي يمكن استخدامها لتأريخ العمل. ومع ذلك، لا يمكننا أن نعرف من رواية أرتابانوس وحدها مدى وجود هذا التوفيق الديني في أذهان اليهود أو المصريين الآخرين الذين كتبوا أو عاشوا في ذلك الوقت. وعلى الرغم من أن أرتابانوس ينسب إلى موسى تأسيس عبادات الحيوانات، فإنه يدعي كذلك أن «الحيوانات المكرسة» دُمِرت أثناء عبور البحر الأحمر.
كذلك، بحسب أرتابانوس، علم إبراهيم فرعون مصر علم التنجيم، بينما منح موسى «فوائد جليلة للبشرية» بابتكاره القوارب والأسلحة المصرية والفلسفة. (يوسابيوس، الإعداد للإنجيل 9.27.4) ويزعم كذلك أن اليونانيين سموا موسى موسايوس وأنه علم أورفيوس الذي عُد على نطاق واسع أبا للثقافة اليونانية. وبالمثل، ينسب أرتابانوس إلى موسى تقسيم مصر إلى 36 إقليما إضافة إلى الفتح الناجح لإثيوبيا، وهما إنجازان ينُسبان تقليديا إلى البطل الشعبي المصري سينوسرت. ويؤكد أرتابانوس عبر السرد أن عامة الشعب أحبوا هذه الشخصيات اليهودية لابتكاراتهم وإنجازاتهم المذهلة. وفي الواقع، يذكر أن الإثيوبيين ذهبوا إلى حد ختان أنفسهم إعجابا بموسى.
إضافةً إلى ذلك، يتوفر إجماع علمي عام على أن أرتابانوس استعمل الترجمة السبعينية إطارا لسرديته التاريخية، معالجا قصصها بحرية لإنشاء روايته الفريدة الخاصة. ويوصف المغامرات المصرية للآباء اليهود الثلاثة الكبار إبراهيم ويوسف وموسى، معتبرا إياهم أبطالا مسؤولين عن الكثير من الابتكارات الثقافية في الشرق الأدنى القديم.
علاوةً على ذلك، يُقرَن موسى كذلك بهرمس في 9.27.6 (يوسابيوس، الإعداد للإنجيل): «نظرا لهذه الأمور، أحبت الجماهير موسى، وحظي بتكريم إلهي من قبل الكهنة وسُمي هرمس، بسبب تفسيره للحروف المقدسة». وكان هرمس إله الرسائل اليوناني الذي ارتبط في التقاليد المصرية بـ تحوت، إله الحكمة والوقت الذي اخترع الكتابة. ويشير جون كولينز إلى التلاعب اللغوي اليوناني الذي كان قائما في عصر أرتابانوس بين موسى وتحوت والاسم الشائع تحتمس؛ ومع ذلك ليس هذا سبب ربط أرتابانوس بين موسى وتحوت. وبدلا من ذلك، يقيم أرتابانوس الصلة بين الآباء اليهود الذين علموا المصريين مهارات مثل التنجيم (إبراهيم، يوسابيوس الإعداد للإنجيل 9.18.1) وموسى الذي بلغ العلم الإلهي لتحوت عبر تفسير الحروف المقدسة (التي يُفترض أنها الخط العبري). وأقام بعض الباحثين كذلك صلة بين موسى والشخصية اليهودية الغامضة أخنوخ، حيث قيل إن أخنوخ علم البشر النوع «الصحيح» من التنجيم (مثلًا، التقويم الشمسي؛ أخنوخ الأول 1–36)، غير أن أرتابانوس يوضح فقط ارتباط موسى بـ هرمس/تحوت.
📝 هل في هذه المقالة خطأ؟
إذا وجدت معلومة تحتاج تصحيحاً أو إضافة، أو أردت حذف المقالة، أرسل لنا طلباً وسنراجعه.
ما رأيك في هذه المقالة؟